| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
السبت 1 / 5 / 2021 د. سالم رموضه كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
لكنّها قناة السويسد. سالم رموضه *
(موقع الناس)هل يمكن القول بأن أزمة السفينة وهي إحدى ناقلات الحاويات الضخمة التي جنحت وسدّت قناة السويس منذ فترة قصيرة مضت, يُمهّد لبدء الصهاينة في حفر قناة بن غوريون البديلة عن قناة السويس؟
لقد تعرضت حركة الملاحة الدولية في قناة السويس لعرقلة بسبب جنوح تلك الناقلة العملاقة, ولكنّه تم التعامل مع أزمة السفينة تلك بجدّية واحترافية متلازمتين وفق خلفية هندسية متوارثة وسجل مرير متعلّق بتاريخ قناة السويس. ورغم أنه بعد أكثر من 150 سنة على حفر قناة السويس البالغ طولها 193كيلومتراً, تم في 6 أغسطس 2015م افتتاح قناة جديدة موازية لها بطول 72 كيلومتراً وهو أمرٌ يدلُّ على تجدّد العبقرية الهندسية العربية المصرية.
والشاهد في الأمر أنّه قد ضُرب أول معول في أرض الموقع الذي قُدّر له أن يكون مجرى لقناة السويس في 25 أبريل 1859م وذلك لربط مياه البحر الأبيض المتوسط بمياه البحر الأحمر عند مدينة السويس, وهو مشروع هندسي استراتيجي بامتياز, ولكن في مقابل ذلك قدّم شعب مصر نحو مائة ألف شهيد طُمرت أجسادهم مع الحفريات وفي المياه أثناء شق القناة, وهو رقم مهول بالنظر إلى عدد السكان في ذلك الوقت, نحو أربعة ملايين نسمة.
ترافق هذا المشروع الهندسي الجبّار مع إنشاء مدينة بور سعيد في الطرف الشمالي للقناة عند ملتقاها بمياه البحر الأبيض المتوسط. وبالرغم أن افتتاح القناة كان في عام 1869م في حفلٍ رهيب أقامه الخديوي إسماعيل, إلا أنه منذ ذلك التاريخ عاشت مدينة بورسعيد في مواجهات مع الغزاة باعتبارها إحدى البوابات الاستراتيجية لمصر العربية ومن ضمن خط الدفاع الأساس لأرض الكنانة. وفي حوالي منتصف القناة ما بين بورسعيد والسويس أُنشئت مدينة الإسماعيلية على الجانب الغربي للقناة تخليداً لذكرى الخديوي إسماعيل الذي اُفتتحت القناة في عهده.
ومن المصادفات العجيبة أنني كنت في مصر أو قريباً منها أثناء حروبها الأخيرة باستثناء عدوان 1956م الذي عاصر طفولتنا المبكرة وفشل أمام صمود شعب مصر والمقاومة الشعبية التي انطلقت بالذات في بور سعيد, التي أصبحت رمزاً للتضحية والصمود وموطناً للشهداء.
ففي 15مايو 1967م, غادرنا السودان في طريقنا إلى مصر في الإجازة الصيفية بعد استكمال السنة الأولى في مدرسة حنتوب الثانوية والتي اُبتعثنا إليها, نحن أوائل المدارس المتوسطة في السلطنة القعيطية. وهو ترتيب كان يُعمل به من خمسينيات القرن الماضي بإشراف رجال تربويين في المكلا وأم درمان. وقد تخرّج من هذه المدرسة ومن نظيرتها في بورتسودان رجال التربية والهندسة والاقتصاد والسياسة والتخصّصات المهنية المختلفة من أبناء حضرموت ومنهم: المغفور لهم بإذن الله الشخصية الوطنية علي سالم الغرابي, فيصل عثمان بن شملان, فرج سعيد بن غانم, محمد عبدالله بن ثعلب, سالم عمر بكير, سعيد عبدالله باعنقود, عبدالرحمن عبد القادر بافضل, طالب جعفر بن شملان, حاج سعيد باحميش, عبدالله صالح بابقي, سعيد محمد دحي, عبدالله سالم محروس, والأساتذة أطال الله في أعمارهم عبد الحافظ عبد الرب الحوثري, عبدالله سالم عميّر, علي عمر الصافي, صالح عبدالله العساني, علي حسن التميمي, عمر عوض بن سنكر, سليمان فرج بن مخاشن وقائمة طويلة جدا.
كانت الرحلة المُيسّرة لنا إلى مصر عن طريق القطارات والبواخر النيلية تستغرق ثلاثة أيام عند الذهاب وأربعة أيام عند العودة عكس جريان النيل. ابتدأت الرحلة من الخرطوم في قطار قديم ينتهي مساره عند مدينة حلفا في شمال السودان, ثم عبر باخرة نيلية لمدة يومين من حلفا حتى مشارف مدينة أسوان عند منطقة تسمى الشلّال, إذ يقف السد العالي شامخا في عرض النيل يقطع الخط البحري, وهو أيضاً مشروع هندسي عملاق أستطاع أن يُروّض مياه النيل المُتدفّقة ويقي مصر أزمات الجفاف وكوارث الطوفان, ناهيكم عن توليد الطاقة الكهربائية الهائلة التي غطّت قرى مصر ومدنها حتى مدينة القاهرة نفسها. ثم من أسوان في قطار شعبي آخر يُسمّى القشّاش, وهو قطار أبناء الصعيد الطيبين بجلابيبهم القطنية الفضفاضة وأقفاص البط والوز أهم ما يحملونه من أمتعتهم.يتوقف هذا القطار الذي لا وجود له اليوم في كل محطات الصعيد لنزول ركاب وصعود ركاب آخرين ولهذا سُمّيَ بالقشّاش ويُنهي رحلته في محطة مصر في مدينة القاهرة التي نزورها للمرة الأولى وتُمثّل لشباب جيلنا قلعة الحرية والعزّة والكرامة.
فوجئنا بعد أيام من وصولنا باندلاع حرب 5 يونيو 1967م, ولم نستطع العودة للسودان إلا بعد يوم 20 يونيو 1967م عندما تأمّن الخط البحري وكان في الأنفس الغضّة ما فيها من توجّع وحسرة وخيبة أمل.
أذكر إننا في ليلة 9 يونيو ذهبنا لميدان الدقي القريب من مسكننا لمشاهدة خطاب التنحّي الشهير في مقهى زهرة الميدان والتي يوجد بها جهاز تليفزيون أبيض أسود ولكن بعد أقل من نصف ساعة من إلقاء الخطاب خرجت جماهير القاهرة في مظاهرات عارمة رغم إطفاء أنوار القاهرة رافضة الهزيمة ومتحدّية صفّارات الإنذار ومُتمسّكة بقائدها المهزوم في موقف ندُر على مدار التاريخ.
وفي صبيحة يوم 10 يونيو زحفت جماهير الضواحي والأرياف على القاهرة وامتلأت بهم الشوارع والميادين رافضين قرار التنحي.
ومن غرائب الصدف أني بعد 45 سنة من ذلك التاريخ عدت للقاهرة لقضاء فترة تفرّغ علمي من جامعة حضرموت في فبراير 2012م أبّان ثورة 25 يناير العظيمة وسكنت في استراحة جامعة أسيوط بالدقي المُطلّة على مقهى زهرة الميدان. والميدان والمقهى لم يتغيرا أبداً سوى استحداث كبري حديدي ضخم يمرُّ فوقه ومحطة المترو التي عُملت تحت أرضيته. ومشروع مترو الأنفاق في القاهرة هو كذلك عمل هندسي استراتيجي متكامل خفّف أزمة المواصلات, وقد أعيد تسمية محطة رمسيس الضخمة (حسني مبارك) إلى محطة (الشهداء) تخليدا لشهداء الثورة.
المكلا في 1 مايو 2021م
* نائب رئيس جامعة حكومية سابق
ورئيس جامعة أهلية سابق