| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأثنين 26 / 12 / 2016 د. سالم رموضه كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
بين لورنس العرب وجلوب باشاد. سالم رموضه
(موقع الناس)في التاريخ الحديث الذي تدور أحداثه في نطاق جغرافية المنطقة العربية كان لوجود شخصيتين أجنبيتين وكلاهما من بريطانيا العظمى في ذلك الزمان القريب, دور مؤثر وحاسم في تشكيل مجريات ذلك التاريخ. أولهما توماس إدوارد لورنس (16أغسطس1888 – 19مايو 1935م) عرف باسم لورنس العرب, وهو شخصية أدبية وسياسية. أما الآخر فهو اللفتنانت جنرال جون باجوت جلوب (16 أبريل 1897 - 17 مارس 1986م), ويطلق عليه جلوب باشا وعرف بين الأردنيين والعرب بلقب أبو حنيك. لورنس العرب ويحلو للبعض أن يطلق عليه الملك غير المتوج قاد الجيوش العربية أبان ما أطلق عليها الثورة العربية الكبرى ووصل بطلائعهم مدينة حلب وظل يناوش وينهك جيش الخلافة العثمانية وهي في مرحلة ضعفها وأفولها وتوجه إليه اتهامات جمة, إذ أنه وراء ضعف العرب الأمر الذي سهل تمرير اتفاقية سيكس بيكو سيئة السمعة. أما جلوب باشا فهو ضابط بريطاني عمل في الجيش البريطاني في العراق عام 1920م, والتحق بقوات الصحراء العراقية ثم الجيش الأردني, واختير رئيساً لأركان حرب الجيش العربي الأردني عام 1939م. بقى في منصب قيادة الجيش العربي الأردني حتى 2 مارس 1956م حيث أعفاه الملك حسين بن طلال من مهامه في قرار تعريب قيادة الجيش العربي. يواجه جلوب باشا بالمثل اتهامات تاريخية أثناء نكبة 1948م حيث يتهم بسوء إدارة القوات إذ جمعت تحت يده قيادة الجيوش العربية مجتمعة مما ساعد اليهود في قيام دولتهم وخسارة العرب للحرب. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هل انعدم لدى العرب في ذاك الزمن القريب قادة مجربون من أمثال سعد الدين الشاذلي مهندس حرب رمضان 1973م ؟ أو الشهيد عبد المنعم رياض واضع اللمسات الأولية لخطة العبور لتلك الحرب؟. ما أشبه الليلة بالبارحة ونحن نرى ضعف العرب والمسلمين أمام الآلة الصهيونية المتغطرسة وأمام التدخلات الإقليمية والدولية السافرة وكلاهما مشروعان يكمل أحدهما الآخر. مشروع تقسيم صهيوني لأوطان وشعوب المنطقة وما تقوم به جماعات التطرف الديني المعتمد على العنف ومشروع تدويل غربي لأزمات عربية داخلية.
وهكذا نرى أن عجلة الزمان تدور ليتخطّى عدّادها قرناً بكامله على اتفاقية سيكس - بيكو المشؤومة التي بموجبها قُسمت تركة الدولة التركية المنهزمة في الحرب الكونية الأولى وهي تلك الأراضي التي تقع في المشرق العربي على دول التحالف الغربي بريطانيا وفرنسا. ومثل الدولتين فيها مارك سايكس المندوب البريطاني في القاهرة وجورج بيكو المندوب السامي لفرنسا في بيروت. وحدد الاتفاق بينهما هذا التقسيم على الخارطة بانتظار انتهاء الحرب, وبالفعل حال انتهاء الحرب استولت فرنسا على القسم الشامل للبنان والشام أي سوريا واستولت بريطانيا على القسم الشامل لفلسطين والأردن والعراق. وظلت حدود سايكس بيكو وملحقاتها كما هي حتى اليوم وهي التي بمقتضاها مُزّقت أوصال أمة واحدة وشعب واحد ووطن واحد وتراث ثقافي وحضاري واحد ومصير واحد. لقد اعتمد قادة الوطنية في تلك البلدان خلال الحكم العثماني على وعود الحلفاء لتحرير أوطانهم من الأتراك فكانت النتيجة المرة أن ذهب الأتراك ليحل محلهم الإنجليز والفرنسيون فيقتسمون التركة بينهما. وكانت المأساة الكبرى في إعلان حق اليهود في إقامة دولة في أرض فلسطين وكان ذلك بمثابة خنجر غُرز في خاصرة الوطن العربي ظل ينزف قرابة سبعة عقود. لقد رافق تكوين الدولة الصهيونية في فلسطين تهجير الآلاف من أبناء فلسطين الذين خرجوا قهرا وقسرا من ديارهم وقراهم ولوّح بعضهم بالأعلام البيضاء يأسا وخوفا من المذابح الوحشية التي ترتكبها عصابات اليهود المتعطشة للدماء. وطال انتظار العودة للمهجّرين قسرا من بيوتهم وقراهم ومدنهم, حتى أصبحت قضية فلسطين اليوم وهي قضية العرب والمسلمين المركزية في يد أصحابها العزّل يدافعون عنها وعن أقصاها بصدورهم العارية وبحجارتها المقدسة, إزاء ارتكاب سلطات الاحتلال الصهيوني المجازر البشعة ونهج سياسة الإبادة الجماعية والقتل بدم بارد حتى للأسرى المحررين لمجرد الاشتباه فيهم. كما اشتملت تلك المنهجية العنصرية على عمليات الإعدام الفوري لمن يشتبه فيه من الفلسطينيين تحت مبرر بأنه يحمل سكينا ويظهرها للطعن. بل تتمادى هذه السلطات في أساليبها التعسفية وتتصرف بمنتهى التبجح وعدم المبالاة وتشرّع لقوانين مجحفة بغرض الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وإضفاء الشرعية القانونية على الكتل والبؤر الاستيطانية التي أقامتها في الضفة الغربية لنهر الأردن أو تلك التي تزمع إقامتها وبنائها في قادم الأيام. وحتى عندما صوّت مجلس الأمن مؤخراً بكامل أعضائه على قرار وقف الاستيطان وامتناع واشنطن عن التصويت في سابقة لم تحدث من قبل, أعلنت دولة الكيان الصهيوني مباشرة إنها لن تلتزم بذلك القرار.
ويبدو أنه للأسف ما زال شبح لورنس العرب وجلوب باشا يخيم على مجريات تاريخنا الحديث بالرغم من قوافل الشهداء ونبل التضحيات التي تبديها شعوبنا المغلوب على أمرها وإن تغلفت تلك الأشباح برداء شخصيات دولية جديدة تدير صراعنا في عواصم بلدانها وتتحكم في مجريات ذلك الصراع داخل بلداننا.