| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الخميس 26 / 8 / 2021 د. سالم رموضه كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الدكتور محمد سالم الجوهي
مثال حي في ذاكرتيد. سالم رموضه *
(موقع الناس)أتى جامعة حضرموت أبان زخمها وفرحتها بعودة كوادر وطنية تهل عليها من مواطن ابتعاثها من جامعات الدول العربية الشقيقة أو من مراكز وجامعات الدول الصديقة خارج نطاق المنطقة العربية. كنت وقتها نائبا لرئيس الجامعة الأستاذ الدكتور علي هود باعبّاد طيّب الله ثراه. وكانت منتهى سعادتي عندما يُصدر قرار تعيين لعضو هيئة تدريس في كلية من كليات الجامعة ليعزّز ذلك المعيّن الجديد القدرة التعليمية والتدريسية فيها, أو عندما أرى الفرحة في عيني متقدم جديد نجح أن يكون معيداً في إحدى كلياتها, على أمل أن يكون مشروع عضو هيئة تدريس ناجح في المستقبل القريب, وكانت سعادتي فوق الوصف بتعرفي على أساتذة كرام قدموا من السودان العزيز والعراق العظيم ومصر العربية وسورية قلب العروبة النابض والأردن وفلسطين الجريحة وليبيا موطن شيخ الشهداء في العصر الحديث عمر المختار والجزائر أرض المليون شهيد, ناهيكم عن الكادر الوطني الذي تشرّفت بالعمل معهم.
أتى ذلك الأخ العزيز الدكتور محمد سالم الجوهي في تلك الظروف حاملا رسالة دكتوراه في الجغرافيا السكانية وبعصامية ملفتة. سرّني للغاية حماسه للعمل الأكاديمي في كلية التربية أستاذا مساعدا في قسم الجغرافيا, كما لاحظت فيه منذ البداية تواضعا ملحوظا وهمة عالية ورغبة أكيدة في مد جسور التعاون العلمي بين جامعة حضرموت والجامعة التي تخرج منها في عاصمة الرشيد بغداد. ومن ذلك الاهتمام تقدّم إلي بمشروع تأليف كتاب مشترك بين مشرفته وبيني حول البناء العمراني في مدينة شبام اقترحته المشرفة عليه ولعلّي أذكر الاسم الأول من اسمها وهي الدكتورة قبيلة, بل أتى بمسودة رؤوس أقلام وتبويب أولي لمشروع الكتاب, اعتمدت فيه الدكتورة قبيلة على بحث كنت قد نشرته عام 1988م مع زملاء لي أصبح أحدهم اليوم عميدا لكلية الهندسة بجامعة عدن والآخر نائب عميد لكلية الدراسات العليا بجامعة عدن نفسها. غير أنني كنت منهمكا في العمل الإداري الروتيني والمتابعات الأكاديمية اليومية فلم يكتب لذلك المشروع الذي قدّمه الدكتور محمد نيابة عن أستاذته السيّدة قبيلة أن يرى النور, وإني اليوم لشديد الأسف على ذلك. ومع مرور الأيام سرعان ما ترسخت لدي سماته الإنسانية الطيبة وبساطته المتناهية ودماثة خلقه خاصة عندما جمعتنا منصات المؤتمرات والندوات العلمية في لقاءات عدّة وجميلة إحداها عندما كان مشاركا ببحث ممتاز في المؤتمر العلمي الأول الذي نظّمته جامعة حضرموت تحت عنوان:
(العمارة الطينية على بوابة القرن الحادي والعشرين)
والذي انعقد بمدينة سيئون خلال الفترة 10 – 12 فبراير 2000م, وقد حضر جلسة افتتاحه معالي سفير العراق وقتها في صنعاء, وقد أهداني شهادة ما زلت احتفظ بها واعتز بها أيما اعتزاز. أما المناسبة الأخرى فهي عندما ذهبنا سويا للمشاركة بأبحاث علمية في ندوة التنمية العمرانية في المناطق الصحراوية ومشكلات البناء فيها في مدينة الرياض خلال الفترة 27 – 29 شعبان 1423ه الموافق 2 – 4 نوفمبر 2002م, والذي نظمته وزارة الأشغال العامة والإسكان برعاية مجلس وزراء الإسكان والتعمير العرب بجامعة الدول العربية. وقد رتّب المنظمون للندوة للمشاركين زيارة الحرمين الشريفين لأداء مناسك العمرة في مستهل شهر رمضان المبارك من ذلك العام. وما زلت أتذكر اللحظات الروحانية التي ينطق بها وجهه المتهلّل برؤية الكعبة المشرّفة وهو الذي يشاهدها للمرة الأولى, وكلّما غادرنا حرم الكعبة الشريفة إلا والدكتور محمد ينتابه الشوق لرؤيتها مرّة أخرى ويعود إليها منبهرا خاشعا متبتّلا في قدسيتها كيف لا وهي بيت الله الحرام وبيته العتيق.
وكانت المرة الأخيرة التي جمعتني بالراحل العزيز وهو قد شق طريقا آخر منخرطا في الهيئة التشريعية للبلاد, وأصبح رقما مميزا في مجلس النواب يتحدث بصدق وشفافية مقنعة عن حقوق محافظته ومنطقته. عرفت فيما بعد وفي وقت قريب جدا من الآن أنه اقترح مع مجموعة من الخيّرين من أبناء حضرموت تشكيل لجنة علمية من أساتذة الجامعة ذات طابع طوعي واستشاري لسعادة الأخ المحافظ للمساعدة في تسهيل ما استعصي من الأمور الفنية البحتة وإبداء الرأي المجرد عند طلبه لأي طارئ من الأمور. وقد وضع اسمي دون أن أعلم ثقة منه وحسن ظن في خبرتي ضمن قوام تلك اللجنة التي لم تر النور لمباشرة عملها لأسباب ليس المجال مناسبا لطرحها, وإن أبدى أعضاء اللجنة جميعهم الاستعداد التام للمساعدة متى ما تطلب الأمر المساعدة وبشكل فردي وشخصي. ورتّب الأخ محمد الجوهي لأعضاء اللجنة لقاء وديا مع سعادة الأخ المحافظ في مقر إقامته بمشارف المكلا. وتطرّق الأخ المحافظ في كلمته الترحيبية بأعضاء اللجنة لكثير من القضايا, وأبدى سعادته لهذه المبادرة الطيبة من قبل نخبة مميزة من أبناء حضرموت. أما الأخ الدكتور محمد فقد كان حديثه في ذلك اللقاء لبقا وسهلا تناول فيه باختصار الكثير من الهم العام. ولعل ضمن ما طرحه في مناسبات أخرى موضوع مطار الريان وهو مطار حيوي ومهم قريب من مدينة المكلا عاصمة محافظة حضرموت, وضرورة افتتاحه. فقد عانى الجميع من إغلاقه حتّى اليوم, لا سيما المرضى الذين يغادرون للعلاج خارج البلاد مع مرافقيهم. وكم من مريض عاد من رحلته العلاجية في الخارج جثة هامدة في تابوت خشبي ليلقي عليه أحباؤه النظرة الأخيرة وليته لم يعد في تلك الرحلة المكوكية من ثلاجة المستشفيات في الخارج إلى مطار بعد مطار إلى طريق طويل يصبح حاله وهيئته جرّائها مؤثرا عندما تنظر إليه عائلته ويبقى في ذاكرتها جارحا لسنين طويلة وعجاف. ومن غرائب الأمور أن يعود الأخ العزيز محمد سالم الجوهي وقد سُمح له بعد أن فارق الحياة في مدينة الرياض أن يدخل مطار الريان ويخرج من بوابته الرئيسية مشيعاً في جنازة مهيبة لمقبرة ريدة الجوهيين مسقط رأسه بحضور رجالات الدولة ووجهائها وعلى رأسهم الأخ المحافظ وجمع كبير من أهله وأحبائه وجمهور غفير من الناس البسطاء الذين كان يدافع عن حقوقهم وضرورة عيشهم بكرامة. رحمك الله أيها الراحل الغالي وأسكنك فسيح جناته وإنا لله وإنا إليه راجعون.
* نائب رئيس جامعة حكومية سابق
ورئيس جامعة أهلية سابق