|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  28 / 11 / 2021                                 د. سالم رموضه                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



أنماط من العمارة البيئية في اليمن

د. سالم رموضه *
(موقع الناس

هذا عنوان كتاب جديد للأستاذ الدكتور أحمد إبراهيم حنشور الباحث في قسم الآثار بكلّية الآداب, جامعة عدن, قسّم اليمن فيه بموجب تضاريسها الطبيعية والمناخية إلى ثلاثة أقاليم أساسية تتضمن بعض التقسيمات الفرعية في كل منها, أولها أقليم السهول الساحلية وثانيها أقليم المرتفعات وآخرها الأقليم شبه الصحراوي الذي يشمل الهضبة الشرقية والحوض الانكساري. ومن خلال وصف جغرافي لكل أقليم وتبيان خصائصه المناخية والبيئية وكذا طبيعته الجيولوجية والطبوغرافية أستطاع المؤلف أن يُدلّل بوضوح أن هناك أنماط من العمارة البيئية التي تصاحب طبيعة كل أقليم من هذه الأقاليم مستندة على مواد البناء التي يمتاز بها كل أقليم عن الآخر وكذا الخاصية البيئية والمناخية لكل أقليم. وقد أختار بمنهجية علمية سليمة بعض المدن المعبّرة عن كل نمط معماري, محلّلا بطريقة علمية كيفية إنشائها وموضّحا سماتها الأساسية وهيكلية مبانيها ووظائفها المعمارية والإنشائية. كما شرح بتفصيلٍ دقيق طبيعة مواد البناء المستخدمة وكيف أنها من نتاج البيئة الطبيعية لكل أقليم وتشكّل نمطاً خاصاً من الأنماط المعمارية البيئية التي قد حدّدها وفقاً للأقاليم الأساسية والفرعية. ولعل تناوله بشيء من التفصيل للمميّزات المعمارية والتخطيطية لكبريات مدن اليمن قاطبة وهما مدينة عدن ومدينة صنعاء, وهما مثالان لنمطين متباينين من الأنماط البيئية أولاهما تقع في نطاق السهول الساحلية الجنوبية والأخرى ضمن نطاق أقليم المرتفعات, أضفى على جوهر الكتاب أهمية خاصة, مبيناً بشكلٍ شاملٍ ومتوازنٍ كافة التفاصيل المعمارية في واجهات المباني وسماتها الهندسية من تفاصيل فنّية بديعة في ذروة واجهاتها, وتفاصيل النقوشات الدقيقة في المشربيّات والشرفات بنوعيها الداخلي والبارز في مدينة عدن. وفي المقابل أفرد المؤلف دراسة تحليلية مركّزة للسمات والخصائص المعمارية لعمارة الطين المحروق الياجور مع الحجر في مدينة صنعاء المتفرّدة بنسيج مبانيها الفسيفسائي وتخطيطها البيئي البديع. وكما هو معروف أن كل نمط بطبيعة الحال هو التصوّر العام للشكل المجرّد في مخيلتنا الذاتية على هيئة نمط, فالنمط على هذا الأساس يقوم بوظيفة الربط بين المعنى والمضمون في الماضي والحاضر من خلال البقاء والرسوخ والتجدّد والتطوير. وفي كل الحالات فإن الأنماط المعمارية أيّن كانت لا يمكن بحال أن تكون مجرّدة أو محايدة وبمعزل عمّا حولها, وإنّما هي انعكاس واضح لرؤية حضارية وثقافية وفلسفة حياة تنبثق منها وإن البناء والعمران لا بدّ له في الأخير أن يُلبّي مختلف الحاجات النفسيّة والضروريّة للإنسان وإنّه كذلك يأتي استجابة طبيعية للمستلزمات الاجتماعية والثقافية له. وحريٌّ القول أن ترتبط أنماط العمارة وفنون العمران مع البيئة والمحيط البيئي في منظومة تناغم وتوافق متلازمتين, إذا أريد الحكم على مثل تلك العمارة وذلك العمران بأنه ناجح ومستدام. وإذا نجح أصحاب التخصص في العمارة والعمران بداهة وبتلقائية وبعلمٍ وخبرة في إدراك أساس هذه الحقيقة والإحساس بمنطلقات فرضياتها, جاءت معظم حلولهم المعمارية والإنشائية منسجمة مع معطيات البيئة السائدة ومستندة على مواد البناء الطبيعية التي يمتلكها المحيط البيئي الحاضن لها. ذلك لأن البيئة في الأصل هي نظام متناسق خلقه الله سبحانه وتعالى متّسقاً بمنتهى الدقّة ومتوازناً بمنتهى الحكمة, وليس بخافٍ على أحد أن البيئة في إطارها العام الشامل هي نظام كبير الحجم كثير التعقيد يشكّل في منظومته الكاملة والمترابطة وحدة متكاملة تتميّز بالاستمرار والاتّزان. إن العمارة والعمران الناجح بشكل عام في أي عصرٍ وفي أي مكان ما هو إلا انعكاس لمحدّدات البيئة والوسط البيئي ومستمدّة ديمومتها ونجاحها من المواد البيئية المحلية المرتبطة بها والمنسجمة مع خواصها وسماتها الأساسية وطبيعة أنماطها المتعدّدة فضلاً عن تقنيات البناء والتشييد التي عُملت بها. وفي هذا الخصوص تُعتبر معطيات العمارة وناتج العمران من أهم سمات الثقافة والحضارة التي يبتدعها الإنسان, كما يُعتبر المسكن كوحدة مصغّرة لكل ذلك مؤشراً على نمط حياة الإنسان ورقيّه ودرجة تحضّر المجتمعات البشرية التي يعيش فيها, وكانت هذه العمارة دائماً نتاجاً مباشراً للجهود الإنسانية وتعبيراً صادقاً عن البيئة الطبيعية التي هي المصدر الأساسي للمواد التي تم استخدامها في البناء والتشييد.

خلال مشاركتي في مؤتمر دولي في باريس, نظّمته شركة توتال العاملة في قطاعات الغاز في كثير من دول العالم خلال الفترة من 30 يناير حتى 4 فبراير 2011م, تحت عنوان " الطاقة والتعليم", ركّز منظّمو المؤتمر وورش العمل التي تخللته على أمور البيئة والتغيّر المناخي وغاز البيوت الخضراء والتطوّر المستدام والبيئة. كان هناك مشروع كبير لتوتال في اليمن وهو إسالة الغاز الطبيعي في منطقة بلحاف بمحافظة شبوة. والشاهد في الأمر أني كنت في نقاش وحوار أثناء الاستراحات مع سيّدتين من النرويج, إحداهما الدكتورة مي- برت هاق من قسم الهندسة الكيميائية جامعة النرويج للعلوم والتكنولوجيا والأخرى الدكتورة قن مانجرد رئيسة قسم علوم الأرض في جامعة برجن. وكان محور النقاش يدور حول الأنماط المعمارية في كلا البلدين والحق أنهما كانتا معجبتين باليمن الذي يمثّل لهما عالماً مجهولاً وفي شوقٍ جارفٍ لمعرفة كُنه ذاك البلد والاستمتاع بمناخه وتضاريسه وشواطئه والتعرف عن كثب على شواهد حضاراته المتعاقبة ومعالم آثاره وما خلّفته تلك الحضارات من موروثات حضارية وثقافية يشهد لها عالم اليوم بالتقدير والإعجاب. وعند شرحهما لي عن تضاريس النرويج وأنماط العمارة فيها, قالتا أن أكثر من 95% من بيوت النرويج مبنية من الخشب, ذلك أن البيئة الطبيعية والمواد الأكثر ألفة لديهم هي منتجات غابات الأخشاب السائدة. إن بلداً مثل النرويج لديها نمط معماري واحد وفريد وهم فخورون به, ولكن اليمن به أنماط معمارية متعدّدة ومختلفة وربما تجد في الأقليم الواحد أكثر من نمط يختلف في هيكلية بناء مبانيه وصروحه المعمارية. ففي حين أن مدينة شبام وهي أحد أمثلة أقليم شبه الصحراوي, فقد تفرّدت بواحدة من أرقى الظواهر التي تكشف عن عبقرية الإنسان اليمني منذ القدم, ألا وهي نمط العمارة الطينية باستخدام قوالب اللبن المجفّف تحت أشعّة الشمس, وهي ظاهرة هندسية شُيّد بها هذه المدينة كأوّل ناطحة سحاب في العالم الأمر الذي جعل الباحثون والدارسون أن يطلقوا عليها "منهاتن الصحراء". أما مدينة صنعاء القديمة وهي مثال نموذجي في أقليم المرتفعات, فهي تُعد أيضاً واحدة من عجائب العمارة الطينية ولكن بتقنية بناء مختلفة وقد شرحها المؤلف بتفصيل وإسهاب حيث اُستعمل في إنشاء مبانيها نوعان من أنماط البناء, الحجر والطين للطوابق السفلية والياجور للطوابق العليا.

إن هذا الكتاب في اعتقادي يمثل إضافة نوعية للمكتبة الأكاديمية والثقافية ليس في اليمن وحسب ولكن على مستوى أكاديميات العالم العربي وجامعاته بشكل عام.

 

المكلا في 27 نوفمبر 2021م


*
نائب رئيس جامعة حكومية سابق
ورئيس جامعة أهلية سابق


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter