|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  30  / 1  / 2025                                 د. سالم رموضه                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



موسم النزوح إلى الشمال

د. سالم رموضه *
(موقع الناس)

هذا العنوان مقتبس من عنوان رواية للأديب العربي السوداني الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال" ففي هذا اليوم السابع والعشرين من يناير 2025م شهد العالم قاطبة منذ صباحه الباكر عشرات الآلاف من الفلسطينيين وهم يزحفون مشياً على الأقدام دون أي تفتيش من جنوب ووسط غزة نحو الشمال عبر شارع الرشيد بعد احتجازهم أمام محور نستاريم الذي انسحبت منه قوات الاحتلال الإسرائيلي, كما زحفت حشود هائلة بالمركبات من شارع صلاح الدين بعد خضوعهم للتفتيش الإلكتروني أمام المعبر نفسه. وشهد العالم كذلك قبله بيومين أي يوم الخامس والعشرين من شهر يناير 2025م عبر وسائل الإعلام بمزيد من الإعجاب والانبهار مشاهد تسليم أربع مجندات إسرائيليات للصليب الأحمر في الميدان الرئيسي وسط مدينة غزة وهو ميدان فلسطين. فقد مرّت حوالي 471 من الأيام عاصفة وقاسية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة, إذ تعرّض فيه لوابل من الجحيم لم تهدأ فورته إلا بإعلان اتفاقية وقف إطلاق النار يوم 19 يناير 2025م بوساطة مصرية قطرية وأمريكية. وكان تصميم الشعب الفلسطيني على البقاء في أرضه حتى وهي تتحول إلى ركام, العامل الحاسم في هذه الحرب. هذا إنجاز مذهل إذا ما أخذنا بالاعتبار إن المنطقة التي لا تتجاوز مساحتها 360 كيلومتراً مربعاً كانت معزولة بالكامل عن العالم بدون حلفاء حقيقيين يساعدون في كسر الحصار وبدون تضاريس طبيعية تساعد على الاختباء. فلا المجاعة القسرية ولا البرودة ولا المرض ولا التنكيل الوحشي على أيدي الغزاة فتّت في عضد المقاومين أو نالت من تصميمهم على البقاء في أرضهم.

صمتت المدافع بعد مضي 471 يوماً, رأى العالم فيها صدى الغزوات وأحداث السيرة بمؤمنيها ومنافقيها ومثبّطيها وكفّارها رأي العين, قدّم فيها مقاومو غزة صورة الإسلام الناصعة بدءاً من الصبر واحتساب الأجر وحتى معاملة الأسرى. إن الأسيرات الثلاثة الإسرائيليات كما شاهدهنَّ العالم قاطبة في صحّة وسعادة ظاهرة وذكرت إحداهن أنها تمنّت البقاء في غزة بسبب ما وصفته بحسن المعاملة والأخلاق التي لاقتها هناك. إن المعاملة الجيدة وتوفير الاحتياجات حتى في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها سكان غزة كان مفاجئاً ومثيراً للإعجاب.

خلال تلك الأيام العاصفة رأى العالم كذلك كيف تهمشّت الميركافا وتفرّق الجنود وتحطّمت معنويات دول وأنظمة أمام جندي أعزل إلا من إيمان بربه وقضيته وبندقية صنعها بنفسه تحت الأرض وهو محاصر. وفيها كذلك اكتشف العالم قاطبة قسوة اليهود الصهاينة وهمجيتهم, ولكن بالمقابل أيقظت تلك الأيام العاصفة شباناً وفتيات وأحيت أمة المقاومة من سبات طويل, وتبدّلت فيها القدوات فهاهم الشباب يرسمون الضيف والسنوار وأبا عبيدة وهنية على دفاترهم وجوالات قلوبهم بعد ما كان التافهون هم ملهميهم.

عاد في تلك الأيام للقدس والأقصى ألقهم وصدارتهم ومكانتهم حتى لو كان الثمن عشرات الألوف ما بين شهيد وجريح فالأرض المباركة تستحق ذلك, الأمر الذي ضيّع على العدو الغاصب 77 سنة من الكذب والخداع والتضليل.



المكلا في 30 يناير 2025م
 


* نائب رئيس جامعة حضرموت السابق
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter