سناء صالح
الجمعة 26 /1/ 2007
كيف يعبّر العراقيّون عن مشاعرهم
سناء صالح/ هولندا
يعبّر الأنسان عن مشاعره بمظاهر شتى تعتمد الى حد ما على تكوينه النفسي وما يمتلكه من خبرات وطريقة تربيته ,ونحن كعراقيين شأننا كباقي الناس لدينا طرقنا في التعبير عن مشاعرنا المختلفة التي هي في الغالب مباشرة وانفعالية وكما قلت أنّ للظروف والواقع الأجتماعي دور بارز في ترجمة المشاعر والأحاسيس الى أفعال وتلعب المؤسسات التربوية والأجتماعية في ضبط وتشذيب وتهذيب السلوك وجعله ايجابيا أما الضوابط التي تضعها الدولة متمثلة في قوانين تجعل المواطن تحت طائلة المساءلة أن أساء التعبير أو تجاوز على الحق العام .
لن أطيل في مقدمتي هذه أذ سأتوقف عند بعض مظاهر التعبير عن المشاعر والتي تعكس صورة سلبية عن مجتمعنا ,كما تبرز الدور الفاشل لدولتنا التي لم تملك القدرة في التأثير الأيجابي وتغيير المظاهر السلبية بل يصل أحيانا ببعض المؤسسات الحكومية أن تدعم وتروج لبعض الممارسات التي سأتطرق لها لاحقا :
التعبير عن مشاعر التأييد (الحماسية ): الصورة واحدة ,الجمهور نفسه أما البطل بعد أن كان واحدا تعدد الأبطال وتغيّرت أزياؤهم فلا يهم أن كان قاتلا أم معتوها أم دجّال تخفّى برداء الأيمان والتقوى,عاش ,يعيش, يسقط لو أمعنت في النظر لتلك الوجوه تراها نفسها صفّقت للقائد الضرورة يومها أمّا اليوم فيصفقون لآخرين بصفات أخرى , وحاشا لأغلبية العراقيين ( الأغلبية الصامتة ) التي ترقب ما يتكرر بألم تنتظر الام ستتوقف مثل هذه الظواهر الحماسية الزائفة وهل يصدق اولئك المنتشين بما يغدق عليهم من مزايا وألقاب ليست لهم ,ألم يتعظوا من الصنم الذي أغدق عليه (بضم الهمزة) تسع وتسعين اسما محاكيا أسماء الجلالة و ألفت فيه الكتب من قبل مرتزقة , أين هو الآن !!
مشاعر الفرح : قليلة جدا هي ساعات الفرح وان وجدت لابد أن ينغصها ويعكر صفوها حزن قابع في النفس العراقية موجود في موروثنا ترويه الجدات بأن الضحكة الصافية المجلجلة لابد أن تخلفها دمعة حرّى وللمصادفة تصدق جداتنا في حدسهن ,ومن لحظات الفرح النادرة الحكم على الصنم بالموت والعار ترى كيف عبر العراقيون عن فرحهم !! خرجوا بثيابهم المهلهلة التي لم يغيرها لهم نظامهم الجديد رغم الوعود الكاذبة فرحوا بأطلاق الرصاص الذي يزهق يوميا عشرات الأرواح البريئة ويفزع السامعين الذين لم يميزوا ان كان تعبيرا عن الفرح أو نذير شؤم لدمار قادم من ارهابيين يدعون أنهم مقاومة شريفة ,أو مليشيات فالطلقة لاتميز نفسها ان كانت عدوة أم صديقة !!! أما أغرب ما سمعته من مظاهر التعبير عن الفرح عند العراقيين في القرن الواحد والعشرين ماورد على لسان مستشارنا (موفق الربيعي الذي لم نعد نحظى برؤيته منذ يوم التنفيذ ) من تبريرحول الضجة الأعلامية التي خلّفها عرض شريط الفيديو وماجرى بأن , من عادات العراقيين اذا ما أخذوا ثأرهم بأنهم يرقصون حول الضحية وأعتقد أنه قد خانه التعبير فهو يقصد ( الهوسات ) وطبعا ما نلومه لأن الأخ ثقافته أنكليزية فلم يحسن التعبير بإعتبار أن لا فرق في الأداء وكما هو معروف عنه أنه راقص ممتاز على حبال السياسة . لاأدري كيف يتحدث من يحمل شهادة دكتور عن عادة قديمة جدا لا أعتقد وأتمنى أن يكون اعتقادي صحيحا أن العراقيين قد تخلّوا عن هذه العادة التي تعيدنا الى العصر الجاهلي .
مشاعر التعبير عن الحزن : العراقيون يعبرون بشكل ممتاز عن حزنهم ومعروف عن العراقيين ذلك من خلال أغانيهم وأشعارهم وندبهم موتاهم بطريقة لا يدانيهم فيها أحد وحتى فرحهم يعبرون عنه بدموع تسمى دموع الفرح ولسنا بمعرض الحديث عن الأسباب فهي واضحة جلية فتاريخ العراق يشهد على صعوبة وقساوة ما مرّ به العراقي وما سفك من دمه ما يجعلها أنهارا ,ان البكاء ظاهرة صحية تعني التنفيس عن مكنونات القلب وتجنّب الأنسان من مغبة أمراض نفسية نتيجة كبت الحزن .
أما ما هو سلبي أن نبقى نندب ونبكي دون توقف وأشدّها سلبية أن تبكي من منطلق الشعور بالذنب وهنا أجيء الى تعامل العراقيين مع نكبة الحسين عليه السلام واستشهاده فالعراقيون هم المسؤولون أولاّ وأخيرا عما حدث له وهذا شعور ينبغي أن يكون متوارثا من الأجداد الى الأحفاد والى يوم يبعثون (بضم الياء ) ولم تكفهم مصائب حكامهم منذ القدم وليومنا هذا . هذا ما يحاول بعض من يدعون التبحر في شؤون الدين وبالمناسبة يحضرني لقاء للسيد عمار الحكيم مع جمع حاشد حول عاشوراء بثته أحدى الفضائيات , والغريب في حديثه أنه يوجههم الى المزيد من الحزن وجلد الذات فكأنّه لايكتفي بما سيقومون به لاحقا من تعذيب لذواتهم بمختلف الأدوات من سلاسل حديدية في أطرافها سكاكين أو لطم على الصدور أو زحف على الركب ( وهذه الأخيرة آخر صيحة مستوردة من بلاد العم آنو شروان ) أو الضرب بالقامات ,والمشكلة أن السيد عمار يدعوهم بصوت ناعم مفعم بالخشوع وبابتسامة هي أقرب الى ابتسامة طفل مدلل وهذا حقه فهو لايعرف شظف العيش ولم يعان من انقطاع الماء والغاز والكهرباء وفوق ذلك كله فهو محروس بأتباع وجند يقفون سدا منيعا لحمايته عدا الغرفة الزجاجية التي يمكن أن يستعيرها من والده السيد عبد العزيز الحكيم اذا ما أراد الحديث بشفافية مع أبناء شعبه , أليس في العراقي ما يكفيه من هموم ومن أحساس بفقدان الرغبة في الحياة لتحمله عبئا أضافيا ووزرا لايد له فيها , التاريخ في العالم وفي العراق مليء بالخونة كما هو مليء بنماذج البطولة والتضحية ,وفي عراقنا اليوم الذي تفاخرون بتجربته الديمقراطية يضج بمثل هذه النماذج فكم سياسي تنقل في أحضان الكتل والأحزاب .
انّ ما يطرح عن واقعة الطف وتحميل العراقيين ذنب استشهاده باعتبار أن أجدادهم هم من خذله , وهو ما يطرح أحيانا كثيرة من قبل جهلة بالتاريخ وأنصاف المتعلمين ممن يدّعون التفقه بالدين وهم غالبا ما يسيئون الى اللغة العربية برفعهم ونصبهم وكسرهم لاعلى القواعد ضاربين عرض الحائط جهود علماء النحو والصرف لمئات السنين مضيفين من خيالهم الخصب أحداثا غير واقعية تسيء الى الحدث التاريخي وتضفي عليه صبغة الخوارق مما يفقده المصداقية يضاف الى ذلك كله محاولة الأرتزاق من مصاب الحسين عليه السلام , فالكثير من سكان المدن المقدسة وأنا منهم يعرفون كيف يعتاش البعض ممن يستغلون بساطة الناس والمناسبات الحسينية للأثراء تحت مسمى القاريء أو الرادود فاذهب الى كربلاء والنجف وغيرها واعرف كم قاريء وكم ( ملّة ) يمتلكون القصور الفارهة والسيارات الفخمة يقضون هم وأبناؤهم عطلهم في أرقى المنتجعات .
وأنا أستثني مما ذكرت علماء وقرّاء أجلاّء وضحوا تجربة الأمام الحسين عليه السلام واستخلصوا العبر الغنية منها بما يصلح تطبيقه على التاريخ المعاصر وقد استثمر هؤلاء مكانتهم الجليلة بين الناس للتثقيف بفساد الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق وكان للمنابر الحسينية دور في أيقاظ الوعي الوطني لدى العراقي ودورهم في الثورات والأنتفاضات التي قام بها أبناء شعبنا خاصة في النصف الأول من القرن العشرين ومن أمثلة ذلك الشيخ الشبيبي والد الشهيد محمد حسين الشبيبي (صارم ) ,كما أن بعض مواكب العزاء الحسينية التي توظف الردات لتوعية الناس وتكشف الفساد وتحث على الوطنية وتواكب الأحداث وأن المثال الحي هو موكب عزاء العباسية الذي كان منذ تأسيسه وليومنا هذا يتبنى مطالب العراقيين ويجسدها على شكل شعارات تبقى الأجيال ترددها ويستعين هذا الموكب بشعراء مثقفين قادرين على استلهام التجربة الحسينية وتوظيفها بشكل ايجابي فيوقظ الروح الوطنية بدلا من اعطاء شعور الأنكسار وسكب الدموع ولاغرابة أن يكون هذا الموكب مصدر قلق للسلطات التي آذت شعبنا على مختلف الحقب وقد قدم هذا الموكب شاعره ( عبد الزهرة ) الذي عانى من السجون حتى وقع شهيدا بسبب ايمانه بالديمقراطية ونضاله بالكلمة التي كانت تمس عقل المواطن قبل قلبه على أيدي أزلام النظام الدكتاتوري .
ان تجربة الحسين عليه السلام هي تجربة أنسانية أن التضحية لحد الأستشهاد في سبيل مكافحة الظلم والطغيان تعطي درسا بأن الحق باق أمّا الظلم فزائل وأن من الأجحاف بحق الحسين عليه السلام أن نجيّره لطائفة دون غيرها فتاريخ الحسين هو جزء من التاريخ الأنساني الذي يشمل كل البشر باختلاف طوائفهم وأديالنهم وقومياتهم .
المجد لذكرى الحسين سيد الشهداء وصحبه , المجد لشهداء شعبنا على مر تاريخه , المجد لكل من قدم روحه فداء للقيم الأنسانية النبيلة ....
تساؤلات لها علاقة بالموضوع
لماذا ترفع صور لزعماء أحزاب وتيارات ألا تعتقدون أن ذلك يحرف المناسبة من دينية خالصة الى سياسية ترتبط باتجاهات محددة ..!!
لماذا تتوجه المواكب لتعزية السيد عبد العزيز الحكيم دون سواه ؟ هل هو الوريث الشرعي للأمام الحسين عليه السلام أو ليس هناك سادة من أحفاد رسول الله غيره !!
لماذا تبث الفضائيات المعنية بالعزاء في عاشوراء بما فيها القناة الحكومية مواعيد مجالس العزاء بالمكان والساعة واسم القاريء هل أننا مسيطرون على الأمن اليس هناك خوف على سلامة المواطنين الأبرياء الذين يريدون كسب أجر وتنفيس عن احساس بالظلم .
أخيرا لماذا يقحم أطفالنا في المشاركة بمثل هذه المناسبات بجلد الظهور بالزنجيل أو لطم الصدور والرؤوس ,والتخلف عن مدارسهم ألم نتعظ مما حصل للطفل محمد في حادثة جسر الأئمة بالأستشهاد اختناقا نتيجة التدافع ,اليس من الأفضل أن ندفعهم الى المدارس لتعويضهم مما فات وهو كثير !!!