| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. شاكر عبداللطيف

 

 

 

 

الثلاثاء 27/12/ 2005

 

 

 

الاغلبية الساحقة تنجب الدكتاتورية



د. شاكر عبداللطيف

تعتبر الجمعية الوطنية ( البرلمان ) اعلى سلطة تقود البلاد نحو المستقبل بأستخدام اداتها التنفيذية وهي الوزارات ( الحكومة ) ، فهل من الصحيح أن يكون البرلمان من لون واحد أو أغلبية ساحقة ؟ بالتأكيد لا ، فالصراع بين الافكار يولد الجديد وهو أساس التطور التأريخي للحياة والفكر . فولادة برلمان من لون واحد يدل على خلل ولايبشر بالمستقبل ، لآن الاغلبية الساحقة تقود دائماُ الى دكتاتورية الفكر والسلطة ، وانفراد وتسلط الاغلبية يحدث جمودا وتحجراً لمبادئها الفكرية فتصبح مع مرور الزمن أفكاراً عقيمة لا تنجب الجديد الذى يواكب التطور ، ويتشكل من جراء هذا الجمود فكر متطرف في طروحه وممارساته . تعتبر دكتاتورية الاغلبية هي نتيجة حتمية عندما ينفرد فكر واحداً تتبناه الاغلبية كما حصل في ديمقراطية الرايخ التى جاءت بالاغلبية النازية . تطرفت النازية الى حد ألغت الاخرين تدريجياُ بالطرق المختلفة فبدأت بمحاربة الافكار المخالفة لها ثم تلاها استخدام أساليب البطش والتنكيل الى أن وضعت البلاد والعالم في الحرب المدمرة لكل القيم. لابد من الاشارة هنا الى البرلمانات الاشتراكية التى تشكلت بعد الحرب النازية وقبلها في الاتحاد السوفيتي حيث لم تنتبه برلمانات الاغليبة الى التخلف وتراجع النمو الاقتصادي لمجتمعاتها وركزت على بقاء الفكر المناهض للامبريالية والاستغلال واعتبرته أساس الصراع في عملية التطور متجاهلة النمو الاقتصادى الكبير للرأسمالية التى لم تتحول في حينها الى الامبريالية الفعلية التى سوف تصل اليها الشركات والبنوك وشركات التأمين عند تحقيق العولمة المنشودة التى ترفع شعار ( يا رؤوس الاموال العالمية اتحدوا) . استمرت المسيرة الاشتراكية بفكر الاغلبية الذى يعتمد على مبدأ الدفاع عن الفكر والمساواة بين المواطنين ولم يتقبل ولم ينمو فكراً أخراً ينبه للمخاطر الاقتصادية لتلك الانظمة ذات الاغلبية البرلمانية الساحقة فاختلت شروط التطور بتوقف التناقض الفكرى الذي هو أساس لتوجيه مسيرة الفكر والاقتصاد الى بر الامان لصالح مجاميع كبيرة من المسحوقين وذوي المصلحة المباشرة بالتطور الاشتراكي . وعراق العقود المنصرمة خير برهان على ذلك فأنفراد الفكر البعثي الذي تحول الى الدكتاتورية الصدامية أضافة أخرى لواقع دكتاتورية الاغلبية والتى لاتفهم بأن القبول بالتراجع أوالخسارة هو ممارسة ديمقراطية فعلية ، وهناك أمثلة كثيرة في التأريخ .
يدل الفوز الساحق على خلل في الاسلوب وخلل في المارسة الديمقراطية وضعف في دعاية القوى الاخرى لبرامجها . أن ضعف الدعاية لايسبب فرق كبيراً في النتائج ، ولكن الجهل والتجاوزات والخروقات والقمع والتخويف والارهاب والتزوير واستغلال الاجهزة الحكومية للدعاية لصالح جهة ما والتدخل الخارجي يكون حاسماً في توفير ظروف ملائمة لفوز ساحق ، يقدم الفوز الساحق للمجتمع دكتاتورية تقرر وتحكم الشعب وتسيره باسم الديمقراطية .
أن تجاوز الخطر الناتج عن سيطرة الاغلبية الساحقة في قيادة وادارة الدولة ينطلق من العمل الدؤوب وتفهيم واقناع للأغلبية بأن انفرادها هو دكتاتورية بوجه جديد ولايدل على الانتصارها . لو طبق هذا المفهوم على العراق لدخلت فية عوامل اضافية تزيد من قيمة هذه الخطورة ، لكون مواطنى العراق انقسموا أخيرأً الى طوائف حفز على ظهورها نظام صدام مهد لهذا لبروزها الحاكم العسكرى ( السيد بريمر ) وساهمت في تعميقة الاعلام وشخصات سياسية ، كما استخدمت بعض القيادات الساسية المفهوم الطائفي وحتى ألبته في نفوس الناس للحصول على اصواتهم ومن ثم الجلوس على سدة الحكم . أن نتيجة الانتخابات قد تدفع الاغلبية الى تشكيل أجهزة ادارية تكرس الانقسام الطائفي وتحوله الى أزمة سياسية واجتماعية تكون نتيجتها لصالح مطامع دول الجوار ، ويعقد عملية جدولة خروج الاحتلال وتنحرف المسيرة الديمقراطية عن طريقها وتصبح المشاكل الاساسية للمجتمع هدفا ثانوياً . وأذا ماحصل كل ذلك فأن التوتر سوف يستمر ويشتد ويتعطل الدستور ويصبح نشاط القواعد والمليشيات موجها الى محاربة الافكار المخالفة لتلك الاغلبية ، وقد تتحول الى صدامات مدمرة معطية مبرراً لبقاء الاحتلال على الاقل للامريكيين والعالم . فهل الفوز الساحق هو خلاص للعراقيين من كل هذه المتاعب ؟ الجواب لا أيضاً . فالتوازن المستند الى الواقع هو المطلوب للحفاظ على وحدة العراق وحكمه الفيدرالى ، وأن أي خلل في الممارسة الديمقراطية وعدم مشاركة قاعدة جماهيرية أوسع في تشكيل الحكومة يدفع العراق بأحضان دول خارجية ويبعد الخبز عن الفقراء .
أن المخاوف على مستقبل العراق جاءت من متابعة التجربة الحالية لما جرى ويجري في العراق بعد سقوط صدام فكل المشاهدات تدل على احتمال نشوء دكتاتورية بفكر جديد ، وما لإنفراد السلطة التنفيذية ( الحكومة ) بأدارة الدولة دون الرجوع الى البرلمان في اخذ القرارات التى تحدد مصير فئات واسعة من المجتمع لدليل على ذلك التخوف . أنطلقت الحكومة في سلوكها هذا من كونها تشكلت من الاغلبية ، فنصبت نفسها عوضا عن السلطة التشريعة والسلطة القضائية واصبحت هي الكل . وخرجت بعض من أجهزة الدولة عن ولائها للوطن وتحولت في ولائها للأغلبية الحاكمة ، كما انعكس ذلك على أجهزة الامن المختلفة وبدأت مجاميع منها تساهم في قمع الثقافة الديمقراطية والافكار الجديدة ، وتغاضت الحكومة على من تجاوز على الدستور حديث الولادة وفي ركن أساسي منه وهو الركن الديمقراطي وأركان حقوق الانسان وحرية الفكر .
كل ماتقدم من مؤشرات خطيرة على تراجع المسيرة الديمقراطية ، وبالاخص تعطيل أهم أداة للتعبير عن الرأي وهي التظاهرات الجماهيرية بسبب تجاوزات الحركات السياسية والنشاطات الارهابية . ولم تعمل الحكومة لحماية هذه التظاهرات الجماهيرية وحماية حرية التعبير عن الفكر . أن هذا الواقع يضع أمام جميع المنظمات التى تؤمن بحرية التعبير عن الفكر مسؤولية الدفاع عن هذا الحق وممارسته واقعيا بالدعوة للتظاهر ، ومطالبة الحكومة بأن تمارس صلاحياتها الدستورية لايقاف جميع الممارسات والتجاوزات على الحريات العامة ومحاسبة مرتكبيها وفق الدستور .