د. شاكر عبداللطيف
الثلاثاء 3/1/ 2006
متى يتحول الكفاح المسلح الى اعمال ارهابية
د. شاكر عبداللطيف
جاهدت شعوب كثيرة في العالم من اجل الحصول على اسقلالها أو من أجل التعبير عن ثقافتها وتراثها . فاستخدمت الكفاح المسلح كاسلوب للنضال وطريقة للضغط على جيوش وادارات الاحتلال . وقد نجحت بنشاطها هذا لكونها امتلكت أولاً قيادة واقعية وفعالة وثانيا ًاتباع إسلوب وبرنامج صحيح للتعبئة الوطنية وثالثاً التخطيط السليم للعمليات المسلحة . هذا من جانب أما من الجانب الاخر فان الاستعمار نفسة كان مختلفاً من النواحي التالية وهي البرنامج والاسلوب والمنهج . ومن هنا يبرز دوران متغيران جوهريان الاول هو الزمان و الثاني هو المكان ، وبما أن الزمان والمكان عاملان متغيران في الحياة ، فهما يدخلان كمتغيرين في عملية النضال مؤثران في اسلوب وطريقة التعبير عن البرامج السياسية طويلة الامد. ومن هنا يتضح بأن أسلوب النضال متغير ( ديناميكي) وليس كيناماتيكي لان جميع العوامل الداخلة في عملية الصراع تتغير مع الوقت (الزمن) وأن المكان بمكوناته يمثل الزخم في النضال .
لقد تبنى عدد غير قليل من الحركات اليسارية اسلوب الكفاح المسلح في النضال ، وقد عاصر تلك الفترة الزمنية الكثير من المفكرين والسياسيين ونشرت العديد من الأدبيات لهذا النوع من النضال . فهل كان هذا الاسلوب صحيحاً ؟ الجواب على هذا السؤال تصح عليه الاجابتين اذا ما ادخلنا أثر المتغيرين ( الزمان والمكان ) في الاجابة عليه .
تبدأ فكرة حمل السلاح اولا من الدفاع عن النفس ، وتتعزز هذه الفكرة عندما تتعرض مجموعة من السياسيين واصحاب الفكر الى مخاطر التصفية الجسدية من الطرف الاخر عن طريق الاغتيال السياسي أو التعذيب . وكما هو معروف بان هذا الاسلوب من التصفيات تستخدمه حكومات دكتاتورية او مليشيات متطرفة تابعة لتلك الحكومات. وفي هذه البيئة السياسية تتخندق المجموعات التى تدافع عن نفسها في مكان وزمان يمثلان الظروف الموضوعية لذلك الحدث . يلتحق بهذه المجاميع اناس يؤمنون بذلك الفكر ايماناً صادقاً يحفرونه في قلوبهم . وهنا تبرز مسؤولية القيادة السياسية في استيعاب وفهم الظروف المحيطة بنضالهم ، وبناءا عليه تتخذ اسلوب النضال بدقة وحذر شديدين من أجل الوصول الى المساندة الروحية من اوساط واسعة من المجتمع يليها التهيئة للعصيان المدني الذي يخيف آلة القمع ويفككها . أن عدم فهم هذه الحقيقة والتى تمثل المحور الذي يدور عليه الميزان ذوالكفتين ، فأن أي خلل أو قصور في فهم تلك الظروف سوف يغير اسلوب الدفاع عن النفس ( الكفاح المسلح ) الى الارهاب المنظم . يتضح من هذا النقاش أهمية دقة التقدير للظروف التى تجعل الكفاح المسلح فعال لايؤثر في مصالح الشعب ولا يخل بأمنها.، فيكون حينئذ دفاع عن النفس .
ناقشنا اعلاه الظروف المحيطة بعملية الدفاع عن النفس عند وجود السلطة المركزية التي تخرج عن القانون وتتحول الى دكتاتور قامع للحريات والفكر. ماذا لو كان دور الحكومة المركزية مفقود فترة من الزمن وفي مكان جغرافي معينً تولد في ذلك المكان افكار متضادة لاينظم طرحها على المجتمع قانون. وفي هذه الظروف تتكون مليشيات عقائدية لا تفهم الصراع الفكري ولا الاسلوب المتحضر في الحوار وهي في نفس الوقت لا تخضع للقانون أو المسائلة ، مما يشجعها على فرض فكرها بقوة السلاح ، وهنا يكون الخطر أكبر بكثير من السابق لانه سوف يشمل المجتمع بكامله بدون تمييز وسوف يدفع التنظيمات الاخرى لتكوين مليشيات مضادة للمليشيات الاولى فيتحول الكفاح المسلح الى ارهاب منظم يضع المجتمع في حمام من الدم . فتتقاتل المليشيات على مناطق النفوذ ويترك جانباً برنامج التنمية الاقتصادية رغم اتفاقهم عليه .
وهنا يبرز سؤال كبير ، هل يوجد حد فاصل بين ممارسات الكفاح المسلح والارهاب المنظم كما هو الخط الذي يفصل بين اليابسة والماء ؟ يكون الجواب بنعم أذا ابتعدنا عن ذلك الخط مسافة كافية ، أما الممارسات التى تكون قريبة منه فهي تمثل الفوضى الفكرية بعينها .
أستنادا الى ما تقدم يمكننا جر هذه الفكرة الى عراقنا الحبيب وما يجري فيه من ممارسات مسلحة تنطبق عليها ما تقدم من احتمالات . واستمرارها يقدم خدمة كبيرة لمطامع القوى الخارجية المختلفة ، وهي تضع بنشاطها هذا- العراق بكامله- بين المطرقة والسندان ، والطرق المستمر على العراق الذي وضع على سندان القوى العظمى سوف يحطمه ويقسمه الى أجزاء صغيرة ، وهنا تتحمل القيادات السياسية المسؤولية الوطنية الكبرى في ايقاف هذا النزيف بالاتفاق على حكومة مركزية لها برنامج اقتصادي واضح يخدم التطور الاجتماعي ويعزز النشاط النقابي ويشجع على تفعيل منظمات المجتمع المدنى بالاستماع لها والاخذ بأرائها والرضوخ لمطالب الجماهير . وتطبيق الدستور وتفعيل دوره وبناء جيش وقوات أمن غير عقائديه ولائها للوطن وسن قانون يجمد نشاط المليشيات المسلحة لفترة من الزمن على أن تحل هذه المليشيات بالكامل بعد مرور تلك الفترة . وخلق بيئة صحية تتصارع الافكار فيها بطريقة سلمية ، ويترك للزمن ولادة الافكار الجديدة والبقاء وتطور للفكر الافضل .