الثلاثاء 12/8/ 2008
كلمات -2007-كركوك مدينة التعايش والسلام العراقية
طارق حربي
هذه ليست زيارات دبلوماسية يقوم بها رئيس الوزراء في إقليم كردستان نجيرفان بارزاني إلى طهران، ونائب رئيس الوزراء برهم صالح يغازل تركيا في نفط كركوك من أربيل (بعد اجتماعه مع حفنة من الاقطاعيين)، متوسلا شراكتها الاستراتيجية في النفط واستثمارات الشركات التركية، فيما الرئيس مسعود بارزاني يطير صوابه القومي الانفصالي، ويتوجه (إلى جهة غير معلومة) حسب توصيف الصحافة الكردية!
ولكنه جهد سياسي مكثف جاء في أعقاب إقرار قانون مجالس المحافظات في البرلمان العراقي بتأريخ (22 يوليو/ تموز الماضي) ، حيث أقر إجراء الانتخابات في منتصف شهر كانون الثاني، فيما تقرر تأجيل الانتخابات في كركوك إلى إشعار آخر، رغم تهديد الكتلة الكردستانية الممثلة في البرلمان بالطعن في القانون، وكل ذلك أزعج الزعامات في الحزبين الكرديين المتصارعين، سواء على السلطة والنفوذ والثروات في كردستان العراق، أو على السلطة الاتحادية في بغداد، وسلخ مدينة كركوك الغنية بالنفط وضمها إلى إقليم كردستان!
معلوم أن نصف احتياط النفط العراقي موجود في كركوك، وتحاول القيادات الكردية استخدامه كورقة ضغط على الحكومة الاتحادية لتمرير مشروعها الانفصالي، ويمكن القول بلا تردد، بالاستناد إلى ضعف الحكومة المركزية وتدخل دول الجوار، إن سياسة الحزبين الكرديين تتوافق مع سياسة الولايات المتحدة جملة وتفصيلا، حيث لا تهمهما مصلحة العراق وأهله ومستقبله، بقدر ما تهمهما مصالحهما الآنية الضيقة، ولاشك أنهما سيفشلان بقوة الارادة العراقية المتحققة في موشور التحولات اليومية، سواء على صعيد العملية السياسية، أو في نبذ الإطار السائد للدولة الدينية، بحثا خلال انتخابات ديمقراطية نزيهة، عن آفاق جديدة للحياة الحرة الكريمة بعد التغيير.
وبدا أن الانفتاح على إيران وتركيا بعد إقرار قانون الانتخابات المذكور مخجلا للطرف الكردي، المتحالف مع أكبر كتلة مهيمنة في البرلمان : الإئتلاف، وهو ما يقع في غير مصلحة الشعب العراقي، ما يدعو إلى تفكيك التوافقات الكردية الشيعية التي بني على أساسها الدستور ونظام الحكم، وبدا فيها واضحا ضعف الخطاب الوطني العراقي في إطار الدولة الدينية الكردية!
ومهما يكن من أمر فإن كركوك الغنية بالنفط هي محور الصراع الكردي مع البرلمان والشارع العراقي، وليس مع قوى الاسلام السياسي الذي لا تهمه من قضية الوطن إلا المعاملات والعبادات وتقاسم النفوذ والثروات، وسبب النزاع هو إصرار الأكراد على ضم كركوك إلى كردستان العراق، حيث يعتبرونها قدس الأقداس حسب أدبياتهم الحزبية وتثقيفهم، فيما يرى العرب والتركمان أنها يجب أن تبقى تحت سلطة الحكومة الاتحادية، أو تكون إقليما لوحدها ومدينة للتعايش العربي التركماني الكردي كما كانت في تأريخها، وكان عدد من النواب اقترحوا أن يتم تقسيم المدينة إلى أربع مناطق انتخابية، لكي تسهل على القوميات الثلاث الرئيسية (العرب/التركمان/الأكراد) على نسب وأصوات متساوية، عكس الأحزاب الكردية المطالبة باخضاع المدينة إلى دائرة انتخابية واحدة!
إن التنوع الديني والإثني والطائفي في كركوك وصراع الهويات يجعل منها بدلا من أن تكون برميل نفط في خدمة التنمية العراق وإسعاد شعبه، برميل بارود يمكن أن ينفجر في أية لحظة، في حرب أهلية مستعرة لها أول وليس لها آخر، وسيخسرها الكرد والعرب والتركمان، فيما تتفرج علينا دول الجوار بل وتصب الزيت على النار، لذلك على الجميع التزام جانب الحذر في التعامل مع حساسية قضية كركوك، والجلوس إلى طاولة حوار والخروج بنتائج ترضي جميع الأطراف.
لقد اختلط أبناء العراق وثمة مليون كردي يعيش في بغداد لوحدها، ونسبة كبيرة من العرب ربما أكثر من نسبة الأكراد أنفسهم يعيشون في كركوك : مدينة التآخي العراقية والسلام والمحبة، ولا ينفع العراق حكم الدويلات الاقطاعية والدينية والطائفية، وهو ما يجري في كردستان العراق وقائم في إمارة النجف الطامعة في فيدرالية هجينة، تتضامن معها الأحزاب الكردية تماشيا مع مصالحها، وتهلل لها أحزاب الاسلامية، ويجب أن نتذكر دوما موقف تركمان العراق الوطني في رفض إلحاق كركوك بكردستان وكذلك الشبك والمسيحيين، موقف هؤلاء جميعا من الصراع الدائر والمؤامرات التي تتدخل فيها كبريات شركات النفط العالمية، التي وجدت في التعصب الكردي مطامع في نفط كركوك فتناغمت معها، وهاهي شركة ( دي.ان.او) النرويجية تبيع نفط كردستان بأبخس الأثمان.
إن قضية كركوك هي قضية عراقية بالدرجة الأساس وعلى الساسة الأكراد أن لا يهرعوا إلى خارج العراق بحثا عن حلول، فقد مضى زمن رفع السلاح الكردي ضد طغيان المركز، والعراق يعيش حاليا أجواء بناء مؤسساته الديمقراطية، والبرلمان قال كلمته وعلى الجميع الامتثال لها، وتحية لقوى 22 تموز التي صوّتت على قانون الانتخابات، في أول تمرد على قادتهم قادة التحاصص الطائفي والعرقي الذين لا هم لهم إلا غنائم المناصب والنفوذ والثروات، وتحية إلى الوطنيين العرب والتركمان الذين يحبون العراق ويدافعون عن وجودهم في كركوك مدينة التآخي العراقية.
12.8.2008