التخبط لايفي بالغرض
تقي الوزان
في أحدى الندوات التي اقامها الحزب الشيوعي العراقي بعد سقوط
النظام الصدامي المقبور , تحدث احد قيادييه, وتطرق الى اسباب انهيار الأتحاد
السوفيتي وبقية المنظومة الاشتراكية . أنبرى احد الرفاق الجالسين للأعتراض بشدة
على كلمة الأنهيار – وكاد ان يصفه بالعميل الأمريكي - , وسأله المحاضر بكل هدوء
: ماذا تسمي فشل التجربة الأشتراكية أذن ؟! أجابه الرفيق وبشكل قاطع : انه تآمر
من الأمريكان والدول الرأسمالية لأفشال الأتحاد السوفيتي العظيم وبقية الدول
الأشتراكية . طيب , أجابه المحاضر وأضاف : اذ لم يكن هناك خلل في الممارسات
السياسية للأتحاد السوفيتي "العظيم " , مثل غياب الديمقراطية , ودكتاتورية
البروليتاريا, ونظام الحزب الواحد , وضعف في البناء الأقتصادي أفترض التمثل
للنظريات أكثر مما هو لسد حاجات الناس . ولو لم تكن هذه النواقص وغيرها لما
تمكن الغرب والأمريكان من النجاح في الأجهازعلى التجربة الاشتراكية ,
وأضاف : علينا ان ننظر لنواقصنا قبل ان نتهم العدو , وبدون هذا لانستطيع ان
نعيد بناء أنفسنا .
تذكرت هذا الحوار الشيق , ونحن نسمع اليوم الكثير من الأخوة يحملّون مسؤولية
فشل حكومتنا مقدماً على عاتق تآمر بعض الزعماء العراقيين من القائمة "العراقية"
و" التوافق" و"الحوار" المشتركين في العملية السياسية , ويعتقد هؤلاء" الزعماء"
ان بأمكانهم التعاون مع أطراف أخرى بما فيهم الجحوش الكردية , وبمساعدة دول
عربية , لأسقاط حكومة المالكي الشرعية وأقامة حكومة بديلة , تعمل على اعادة
توجيه العملية السياسية , واعادة كتابة الدستور, وفق مصلحة النظام العربي
الرسمي . ولاشك ان هذه الاعمال مدانة, وابطالها لم يتوقفوا عن ممارستها منذ
سقوط النظام ولحد الآن .
لقد فات هؤلاء الأخوة ان أفشال هذه المخططات يأتي بالأساس من نجاح حكومة
المالكي بالايفاء بأهم التزاماتها . وهي تحقيق الأمن , والقضاء على المليشيات ,
واستكمال اعادة بناء اجهزت الدولة , وتنظيف اجهزت الوزارات الأمنية من الخروقات
التي شلت حركتها , ومحاربة الفساد وسرقة الأموال العامة , واعادة دوران الدورة
الأقتصادية , ومعالجة التضخم , وتأهيل البنية التحتية , ومئات المشاكل اليومية
الأخرى . وبدل التحسن المأمول , يسير الوضع نحو الأنحدار أكثر .
ومثلما هو معروف ان الأمريكان هم اصحاب السلطة الحقيقية في العراق , ونتيجة
انعكاس الوضع الأمني في العراق على الحراك السياسي داخل الساحة الامريكية , وما
سيتركه من آثار على توجهات الناخب الأمريكي , دفع الأدارة الامريكية لوضع عدة
شروط على المالكي مقابل استمرار وزيادة دعمها له . وحددت له فترة الشهر التاسع
لأعادة تقييم جدوى استمرار هذا الدعم , او الألتجاء لتطبيق خطط أخرى لم يتم
الأعلان عنها .
والأساس الهش الآخر , حجم الأختراق الايراني الكبير للعراق , وليس من المعقول
ان يسمح الامريكان لتنامي هذا النفوذ أكثر وسط الأستعدادات العسكرية الكبيرة
التي يجري تحشيدها , وتهيئة الاجواء لحل مشكلة المشروع النووي الايراني عن طريق
الحسم العسكري , وكلما اقتربت لحظة الصدام زادت احتمالات التخلص من حكومة
المالكي , التي يعتبرونها موالية لطهران .
الملفت للنظر هو التهويل , ومحاولة تعليق اسباب هذا الفشل الحكومي على المجموعة
المتآمرة كما تسميها الأطراف الحكومية الفاعلة . وقد تزامن هذا التهويل عند
عودة رئيس الجمهورية السيد جلال الطالباني من زيارته لأميركا , ويبدو ان
الأمريكان طرحوا عليه اضطرارهم للأستجابة لبعض ما تطلبه الحكومات العربية
المساندة للجهد الامريكي في انهاء المشروع النووي الايراني , اذا تأكد فشل
حكومة المالكي , وعدم الايفاء بالتزاماتها , والسؤال : الى متى يبقى الأمريكان
مرتهنين الى نجاح الحكومة العراقية ؟
ويبدو ان الأستجابة السريعة للحكومة العراقية بعد عودة رئيس الجمهورية, لأصدار
قانون رد الأعتبارلجميع المفصولين – وبدون أستثناء- من دوائر الأمن والمخابرات
والشرطة والجيش " تقاعد لمقدم فما فوق , وعودة للعمل حسب الرغبة للرتب الأدنى "
خطوة أولى للمصالحة الشاملة مع البعثيين وهو المطلب الأمريكي الأكثر الحاحا ,
وهذه الخطوة يمكن ان تثبت الرضا الامريكي كما تعتقد الحكومة , الا ان الوقت
يبدو اصبح متأخراً .