بين المأزق والمشاريع السياسية
تقي الوزان
البرنامج السياسي الذي اتفقت عليه قوائم التوافق والحوار
والعراقية وحزب الفضيلة , وبعض الأطراف من الأسلاميين والأكراد , حسب ما ورد في
النشر غير الرسمي يوم 20070711 . يمثل طريق يمكن ان يؤسس عليه للخروج من المأزق
العراقي الحالي . واذ تعترف الورقة بعجز القوى السياسية العراقية من التوافق
وايجاد الطرق الجادة للتخلص من المحاصصة الطائفية والقومية التي اسست لهذه
الكوارث , والعودة لتنشيط الأنتماء الوطني للعراق , تقترح ان تشكل لجنة من
العراقيين والأمريكان وهيئة الأمم المتحدة لأختيار رئيس وزراء شيعي مقبول وغير
طائفي , ووزراء تكنوقراط لاينتمون الى جهات سياسية , يقدمون استقالات موقعة
وغير مؤرخة عند استيزارهم , وفي حالة اثبات فشل اي منهم في ادارة وزارته , تفعل
هذه الاستقالة .
مما لاشك فيه ان تفعيل دور هيئة الامم المتحدة بالأشراف على تطوير العملية
السياسية في العراق امر ضروري وهام جدا في المرحلة الحالية , والتي اكدت على
انحياز سلطات الاحتلال لتقديراتها الخاصة , وتعاملها مع المكونات العراقية على
اساس اجندتها فقط في الترك المقصود للوحدة الوطنية العراقية , وجعلها تتبعثر في
تطلعات واهداف الاحزاب الطائفية والقومية . وكلنا نذكر تدخل الشهيد "ديميلو"
ممثل الأمم المتحدة في تعديل مكونات مجلس الحكم وفرض اضافات ديمقراطية عليه ,
وعدم الأكتفاء على تشخيص متطلبات الاجندة الامريكية فقط .
ان بعض الاطراف التي طرحت الوثيقة , غير مؤهلة لتطبيق وسائل تنفيذها لصالح وحدة
العنوان العراقي , بقدر رغبتها بالعودة الى السلطة . وهذا توجه بعثي يمثله
بوضوح صالح المطلك رئيس قائمة "الحوار" , وبعض الاطراف في قائمة "التوافق" .
ولا ضرورة لتوضيح ماذا تعني الوحدة الوطنية للبعثيين , فهي ليست اكثرمن وسيلة
يمارسون بها دموية السلطة مرة اخرى , اضافة لتطرف اطراف اخرى عملت على توسيع
التمزق الامني , ومدت نفوذها عن طريق الجريمة والتطهير الطائفي . والبرنامج
بالنسبة لهؤلاء ليس اكثر من وسيلة تستغل الانحدار الطائفي والقومي الذي وصلت
اليه الاطراف الاخرى .
وتتحدث الورقة ايضا على موافقة وتأييد اطراف لها وزنها , مثل مرجعية السيد علي
السيستاني . ويبدو انها حققت خطوات لايستهان بها , حتى دفعت علماني متشدد صرح
كثيرا بضرورة فصل الدين عن السياسة لزيارة السيد السيستاني في النجف , لتأمين
الموافقة على استيزاره في حكومة التكنوقراط المنتظرة , وهو الدكتور مهدي الحافظ
وزير التخطيط السابق .
ان هذا التسريب غير الرسمي و"السريع" للوثيقة , يبغي التأثير في خلق الجو العام
الايجابي حولها , قبل ان تتمكن اطراف جبهة "الاعتدال" من الحزبين الكرديين
الرئيسيين والحزبين الشيعيين "المجلس الاعلى" وحزب "الدعوة" , من طرح برنامجها
في دعم الحكومة الحالية . ويبدو ان هذا التأخير – ومثلما ذكر الدكتور عزيز
الحاج في مقاله القيّم حول "الأعتدال" – هو بسبب عدم التمكن من صياغة مفهوم
"الأعتدال" الذي يترفع على الممارسة الطائفية والقومية التي اصبحت طابع هذا
التكتل , ويمكن ان يجذب له باقي الاطراف لتحشيد الزخم المطلوب لأفشال المشروع
الآخر .
ويبدو ان تكتل "الاعتدال" اخذ يدور في التعصب لقوته في الحفاظ على انجازاته
الطائفية والقومية على حساب الدمار والدموية التي لفت الشارع العراقي . الا ان
ما يحرج الأكراد في هذا "الاعتدال" عدم موافاته في توحيد خطواته السياسية مع
خطوات سلطات الاحتلال , والرغبة الامريكية . ومن المؤلم ايضا , ان تتم
الاستجابة للشروط الامريكية بالموافقة على قانون استثمار النفط الذي هو العصب
الاقتصادي الرئيسي لأعادة بناء العراق , كرشوة لأقناع الراعي الامريكي مقابل
الموافقة على استمرار المنجز الطائفي , والتغاضي عن التبعية السياسية للنظام
الايراني بالنسبة للأحزاب الشيعية . وهذه الأزدواجية هي التي سرّعت في اعادة
تعاون الأمريكان مع البعثيين , ولن يتهاون الامريكان بمد نفوذ النظام الايراني
عدوهم الرئيسي في المنطقة . واذ كانوا اليوم يركزون هجومهم على التيار الصدري
فقط , فبعده سيأتي الدور على باقي امتداد النفوذ الايراني , والأختراقات التي
حققوها طيلة هذه السنوات في الاحزاب العراقية يمكنهم من معرفة اي الاحزاب
الاكثر تنظيما والاخطر على وجودهم من التيار الصدري . ولابد لهم من العمل
السياسي بدعم المشروع الآخر , كمحاولة لايقاف النفوذ الايراني بوسائل قد
لاتكلفهم تضحيات عسكرية ان امكن .