الأثنين 21 /8/ 2006
الطريق الأسلم رغم مرارته
تقي الوزان
مثلما تمكن المجرم صدام ونظامه المقبور من ايصال المجتمع العراقي واحزابه الوطنية الى قناعة بعدم التمكن من اسقاط نظامه , تمكن الامريكان وبأشكال مختلفة من خلق القناعة ايضاً بأن حامي التوازن بين مختلف المكونات وحامي وحدة العراق هي سلطات الأحتلال الامريكي . وطيلة الثلاث سنوات والنصف التي أعقبت سقوط النظام أضعفت أغلب المشاريع الوطنية . ودخل صراع المكونات السياسية العراقية في آتون المشروعين الرئيسيين في المنطقة , النووي الإيراني الداعي لتصدير الثورة الأسلامية , وأدخال المنطقة تحت جناح حمايتها النووية , والأمريكي الداعي لمنع النووي الإيراني , وخلق شرق أوسط جديد بمواصفات العولمة الأمريكية . ولا وجود فاعل للمشروع الوطني حالياً , وبهذا " اللاوجود " تسارع الأنحدار في كل الأتجاهات , والكل يركض لأقتناص أي شئ , وبكل الطرق . ولحظة التصادم بات الكل يشعر بقربها .
المشروع الأمريكي لف حوله أغلب الأحزاب السياسية العراقية المعارضة ايام النظام المقبور , والتحقت به في الفترة الأخيرة بقايا حزب البعث بعد ان تأكدت من عدم وجود تعارض بين مشروعها القاضي بعدم معاقبة أغلب مجرمي النظام السابق , وأستعادة السلطة , او قسم منها , وبين المشروع الأمريكي . اما الطرف الآخر لف تنظيمات "القاعدة" والسنة التكفيريين , وبعض الأطراف الشيعية المرتبطة بالمشروع الإيراني . ومن هذه النقطة لايستبعد بعض المراقبين من تعاون ايران وجماعتها مع تنظيمات "القاعدة" لتنفيذ بعض التفجيرات الأنتحارية في مناطق شيعية مغلقة , لزيادة التوتر الطائفي , ودفع اكثرالبسطاء الشيعة لطلب حماية الأحزاب الطائفية, والقبول بتنفيذ مشاريعها السياسية مثل اقامة فيدرالية الوسط والجنوب الطائفية .
ان دوران الأحزاب العراقية في فلك سلطات الأحتلال صاحبة الأدارة الحقيقية , يوضح أملها في تثبيت تجربة الديمقراطية وتعميقها , وامكانية تحقيق مصالح اكثر جذرية للعراقيين بعد استتباب الامن وعودة الحياة الطبيعية الى الواقع العراقي . والسؤال : متى ستسمح سلطات الاحتلال بهذه العودة ؟! . ورغم صعوبة التوقع فهي اهون من نفق الظلام الذي تنوي ايران ادخالنا فيه كما تقول بعض الأحزاب .
والتجربة اللبنانية الأخيرة توضح مسار الطريق المجهول الذي سيق لبنان اليه , اذ ان الجمر لايزال ساخنا بعد ان غلفه رماد ايقاف العمليات العسكرية , ولاتزال نفس التوجهات قائمة لجولة أخرى . فايران لم تستطع اعاقة تقدم مشروع محاسبتها على مشروعها النووي , وسورية لم تتمكن من الخروج من عزلتها وايقاف التحقيقات وانشاء المحكمة الخاصة بأغتيال رفيق الحريري المتهمة بها , وحزب الله الذي اظهر كل هذا الصمود والبسالة يلملم اشلاء الدمار الذي لحق بلبنان واهله , ويحاول تخفيف ثقل المأساة عن طريق بعض التعويضات المالية التي استلمها من ايران . اسرائيل والأمريكان من جهتهم لم يتمكنوا من قص الجناح الايراني في لبنان , نتيجة تماسك الشعب اللبناني ووقوفه خلف صمود "حزب الله " البطولي في رد جبروت الآلة العسكرية الجهنمية الأسرائيلية .
الطرفان يستعدان لجولة جديدة , ولا يعرف هل ستكون بين اسرائيل و"حزب الله " مرة أخرى , ام بين "حزب الله " وباقي اطراف الحركة الوطنية التي تريد اخراج لبنان من دائرة صراع المشروعين الرئيسيين الايراني والامريكي , وهذا الاستعداد ظهر واضحا من خلال كلمة الرئيس السوري بشار الاسد الذي هاجم فيها الحركة الوطنية اللبنانية , وباقي الدول العربية , والغرب . وكذلك من خلال تمنع ارسال قوات حفظ السلام من قبل دول ساهمت بشكل اساس في صنع القرار الأممي 1701 مثل فرنسا ,ايطاليا ,المانيا . والتي لاتريد ان تضع جنودها في الطاحونة التي ربما ستدور رحاها مرة اخرى .
والذي يهمنا عدم تكرار التجربة اللبنانية والسقوط بين فكي رحا المشروعين الايراني والامريكي , وتجنيب العراق خسائر جديدة لايقوى العراق على حملها . والحدود مع ايران ودخول قوات ايرانية لن يكون عامل نصر للمشروع الايراني بقدر ما هو سفك لمزيد من الدماء العراقية , وتدمير ما تبقى من مظاهر الحياة .
والطريق الوحيد للخلاص هو في مشروع " المصالحة الوطنية " الذي قدمه رئيس الوزراء السيد المالكي . رغم مرارته , وتسرب الكثير من البعثيين تحت جناحيه . ان الصراع الدموي الطائفي الحالي سوف لن ينتهي بأنتصار احد الطرفين طالما توجد سلطة الاحتلال التي وجهت هذا الصراع وقادته ليكون بالصورة الحالية , والذي جاء متماشياً مع الرغبة الايرانية في الكثير من مراحله .
لقد ابتلت شعوب المنطقة بأنظمة حكم اشبه بالإيدز , قمعتها بشكل عنيف , وانهت مناعتها ضد مشاريع الأستغلال الأجنبية , ووجدت هذه الجماهير نفسها لاحول لها ولاقوة, ولا مؤسسات سياسية تدافع عنها , ووجدت التدخل الأجنبي هو المنقذ لتغير واقعها المزري , رغم الأنتشار السرطاني للعولمة الأمريكية , وما سيولده من مضاعفات تستنزف الجميع .