تآكل المشروع الوطني وضع العراقيين بين النارين
تقي الوزان
أدرك الأمريكيون ان الاخطبوط الايراني تمكن من مد اذرعه لأغلب
الأطراف المناوئة للوجود الامريكي في العراق , من عراقيين وغير عراقيين , سنة
وشيعة . والايرانيون مصممون على كسب الحرب مع الامريكان بكل الوسائل . وبغض
النظر عن اهمية المشروع النووي الايراني الذي هو عنوان الصراع الظاهر , يبقى
العراق خط الدفاع الرئيسي والدرع الواقي لجسد النظام الايراني . وهذا ما يدفع
الايرانيين للتعاون والتنسيق مع أشد اعدائهم " القاعدة" وعصابات السنة
التكفيريين , وليس غريبا ان يكشف النقاب ايضاً عن تعاونهم مع القتلة من
البعثيين بمن فيهم عزت الدوري اذا اقتضت الضرورة ذلك.
وفي جانب العملية السياسية , والتي تدار بألأشراف الامريكي , تمكن الايرانيون
ايضاً ان يكون لهم الصوت المؤثر , ان لم يكن الأقوى في الحكومة , وعن طريق
قائمة "الائتلاف" الشيعي كما هو معروف . الا ان هذا لايعني ان كل اطراف
"الائتلاف" تم توحيدهم مع المشروع الايراني . ان خروج حزب "الفضيلة" من
"الائتلاف" وكشفه للتهديدات الايرانية بالتصفية الجسدية لأبرز قياداته , يدلل
على حجم الضغوط الموجهة للأعضاء الذين يفكرون بالأبتعاد , او التمرد على الخط
الايراني في قائمة"الائتلاف" . ويمكن ان يفهم على انه نفس السبب في جعل التردد
سيد الموقف في قرارات حكومة المالكي . وفي نفس الوقت يكون السبب الحقيقي في نخر
قائمة "الائتلاف" ذاتها , ولم يعد الوقت في صالح النظام الايراني على معالجة
مشاكل "الائتلاف" بالطرق الدبلوماسية كما كان سابقاً .
الأدارة الأمريكية من جانبها , ارادت من العراق ان يكون الساحة الرئيسية لجذب
وتصفية الأرهاب السني , وفاتها تحوله – ليس البطئ – الى الساحة الرئيسية
للتنافس بين المشروعين للأستحواذ على المنطقة . وظن الامريكان ان سهولة
الأنتصار في الحرب , واسقاط النظام السابق , هو الضمان لنجاح تنفيذ مشروعهم ,
وهذه "السهولة" هي التي دفعتهم للتماهل , وعدم الجدية في اعادة بناء اجهزة
الدولة , والبحث الجاد عن تشخيص مواقع الأرتكاز لمشروعهم . بعد ان اختلفت
الموازين مع المعارضة قبل سقوط النظام , الى احزاب حاكمة ومدعومة من دول
الجواربعد سقوط النظام .
واذا كان المخرج الامريكي يشعر سابقاً بضرورة اكمال التمارين المسرحية , وتقديم
العرض الديمقراطي بصورة مقنعة . وجد نفسه اليوم امام كارثة أفشال مشرعه بالكامل
, ومثلما استنفذ النظام الايراني مرونته , واخذ يحرك ادواته بشكل اسرع , ليس في
العراق فحسب , بل في كل المنطقة , و" تحسب" له رغبته في تحويل القضية
الفلسطينية – بكل ابعادها التاريخية – الى مجرد رافعة في بناء توجهه القومي .
فالأمريكان اليوم ايضاً , ليسوا بحاجة الى ديكورات , و"بروفات" تضبط ايقاع عرض
المسرحية , والصراع لم يعد مساعدة شعوب وانظمة الشرق الاوسط في زرع الديمقراطية
لتجفيف منابع الارهاب كما يقولون , بل منافس طموح , وعسل المنطقة لايقبل ملكتين
في خلية واحدة .
يقول القائد الامريكي لقوات التحالف في العراق ديفيد بتراوس في تصريحه
لصحيفة"الشرق الاوسط" يوم 20070622 "التورط الايراني الذي وجدناه كبير ,
وأكبربكثير مما كنا نعتقد " . والامريكان مثل الايرانيين , لايتورعون من
استغلال كل وسيلة تضمن لهم الانتصار , وبعيداً عن الخطوط "الحمراء" للأخلاق ,
والتضحيات البشرية التي سيدفعها العراقيون . وتسليح العشائر العراقية , ومجاهدي
خلق الايرانية , وعصابات البعث , والسنة التكفيريين , من قبل الامريكان يأتي في
سياق هذا التوجه . وسيبقون في نفس الوقت على ثوب التشجيع المهلهل لستر جسد
حكومة المالكي , لغاية ما يستقيم توجه الاحداث لصالحهم , وعندها لايعرف اي
السيناريوهات التي بحوزتهم سيطبقونها .
أن التآكل الذي اصاب المشروع الوطني العراقي نتيجة تشتت القوى الوطنية , وركض
كل واحد منهم وراء "انجازاته" , وعدم تمكن اي واحد منهم من النهوض بالمشروع
بمفرده . وضع العراقيين تحت رحمة صراع الايرانيين والامريكان وبدون غطاء , مما
سيعرضهم للمزيد من المأسي .