الرباعية العراقية وأمل الخروج من المأزق
تقي الوزان
لاشئ يمنع من القول ان الثقة التي استودعتها الجماهير العراقية
في قوائمها الانتخابية بعد ان تحدت الارهاب وشاركت في الانتخابات , قد ذبحت
بسكين المحاصصة الطائفية والقومية , قبل ان تدفن على يد الارهاب البعثي
والقاعدي اولا ومليشيات الاحزاب الشيعية تاليا . ويمكن القول ان المسؤولية
الاكبر في اعادة الحياة للعملية السياسية , تقع على عاتق الاحزاب التي صرحت
بأنها ستعلن اتفاقها على برنامج سياسي جديد في دعم الحكومة التي تقودها . وهي
المجلس الاعلى الاسلامي العراقي , وحزب الدعوة الاسلامية , والحزب الديمقراطي
الكردستاني , والاتحاد الوطني الكردستاني .
لاأحد من العراقيين ينكر التاريخ المشرف والتضحيات الجسيمة لهذه الاحزاب وباقي
اطراف الحركة الوطنية في صراع العراقيين الدامي مع النظام المقبور . ولااحد من
العراقيين لايعرف ان موجات المد الطائفي والقومي التي اعقبت سقوط النظام
الصدامي , رفعت المنسوب الانتخابي الى درجته القصوى لهذه الاحزاب .
واذا كان المد القومي الكردي لايزال يتمتع بنسبة كبيرة من حيويته نتيجة تفاهم
الحزبين الرئيسيين , وتوحيد اغلب الوزارات والادارات الاقليمية في كردستان ,
فأن الطريق لايزال في بدايته , والقيادة القومية الكردية مطالبة بالاستغلال
الامثل لتطوير التجربة الكردستانية العراقية وفق متطلبات المرحلة الحالية ,
وليس بالأستعجال للحصول على مكتسبات اقرب للاستقلال الكامل , يضع التجربة
بكاملها في خطر محاربة دول الجوار الكردستاني وباقي دول المنطقة .
واذا كان "الاستعجال" في القضية القومية "المشروعة" سبب في هذا التعثر , فأن
الرابط الطائفي الشيعي والمتمثل بقائمة"الائتلاف" ولد اشكالات اعمق , واخذ
بالتصدع . والبداية كانت مع خروج حزب"الفضيلة" الذي اكد ان سبب خروجه هو رفضه
للحلول الطائفية , وفشلها في حل مشاكل العراق , ثم جاء انسحاب التيار الصدري ,
واكد انه ضد التوجهات الطائفية ايضا . فوجد "المجلس الاعلى" وحزب "الدعوة" ان
من الانسب التوجه لهذا التحالف الجديد , وهو ليس بالجديد , ونذكر قدوم السيد
مسعود البارزاني الى بغداد قبل عدة اشهر , واعلن وقتها عن رغبته في تشكيل هذا
التحالف لدعم المسيرة السياسية المتعثرة .
من ناحية اخرى ارتفعت حدة التصريحات ضد الدكتور اياد علاوي , والتهويل من
مؤامرته , حال عودة السيد جلال الطالباني رئيس الجمهورية من واشنطن . وكأن
تحركات علاوي لم تكن معروفة , فعلاوي منذ رجوعه الى العراق بعد سقوط صدام عمل
على لملمة البعثيين غير المتورطين بجرائم كما صرح في وقتها . وزاد من توسيع
اندفاعه بهذا الاتجاه , التجريح , والتشويه لتاريخه المعادي لصدام , الذي رافق
الحملة الانتخابية من قبل بعض اطراف قائمة "الائتلاف" . وجعل التبشير بفشل
الحكومة على لسان معاونيه قبل ان تبدأ الحكومة بالعمل , وطموحه الشخصي في رئاسة
الحكومة ليس خافيا على احد . ويبدو ان الامريكان في ضغطهم على الحكومة العراقية
لدفعها للعمل الجاد اكثر , وضحوا للطالباني ان تحركات علاوي , وما لاقاه من
تأييد في الدول العربية يمكن ان يكون احد السيناريوهات البديلة والمقبولة في
حالة فشل الحكومة الحالية .
المشكلة ليست في علاوي ومؤامراته واتفاقاته مع الدول العربية , المشكلة هي بما
تنجزه الحكومة العراقية على طريق سلامة المسيرة السياسية , والسيطرة على الامن
, وما تحققه من الايفاء بوعودها لواشنطن , وللمشاركين في مؤتمر "شرم الشيخ" .
وكما هو معروف فأن علاوي والحكومات العربية لاتستطيع ان تفعل اي شئ بدون
الموافقة الامريكية . ويخشى ان يحوّل الفشل بالايفاء بهذه الالتزامات الى شماعة
مؤامرة علاوي, ويكون تشكيل هذا التحالف رد فعل على "مؤامرة علاوي" .
لا احد من العراقيين الذين تهمهم المصلحة الوطنية لايرغب ان تجري التحالفات على
اسس حزبية , وبرامج سياسية تهتم بمصلحة الجماهير , وليس على اسس طائفية او
قومية , كالذي جرى واوصل العراق الى ما وصل اليه من انحدار , واعاد الحياة
للبعثيين في ثوب الطائفة السنيّة . والعراقيون لازالوا يأملون من اتفاق
الرباعية قطع الطريق على القتلة والمجرمين , والنهوض بالعملية السياسية لافقها
العراقي الرحب . وليس للمحافظة على الاعتقاد الخاطئ , بأن ما تحقق من انجازات
طائفية وقومية هو المكسب الذي تهون دونه كل التجربة العراقية التي لايضاهيها في
مأساتها شبيه بكل العصر الحديث .