العراق بين غياب المشروع الوطني وصراع الآخرين
تقي الوزان
تردد السؤال كثيراً , ولفترة زمنية ليست بالقصيرة : لماذا موقف
الامريكان غير واضح , ومتماهل , في حسم الكثير من القضايا في العراق ؟! وأهمها
مسألة الأمن التي تكلفهم خسائر في الارواح , يجري حسابها في القنوات
التلفزيونية الفضائية منذ بداية الحرب ولحد الآن , لغرض الايحاء بضخامتها , وهي
لاتتجاوز في حقيقتها نسبة واحد على عشرة من حوادث المرور والدهس في بلداننا .
ولماذا أستمرت دولة بهذه الأمكانيات ومعها العالم الغربي بالسكوت , وفي بعض
الأحيان الترجي وارسال الوساطات لأقناع النظام الايراني والسوري بالكف عن
"ايذاء" قوات الاحتلال الامريكي , والتوقف عن ارسال الفدائيين العرب ودعم
المليشيات السنية والشيعية . وهي – الادارة الامريكية – المعروفة بعنجهيتها ,
وعدم تحملها ل" تحرشات" اقل من هذا بكثير , وقرصنتها لبعض دول الكاريبي خير
مثال .
ان الموضوع النووي الايراني ليس كافياً لوحده كمبرر لشن حرب ضد ايران , لشرعية
ايران بأمتلاكها القوة النووية لأغراض سلمية اولاً , وثانياً التعامل مع هذه
القضية يجري مع المنظمة الدولية للطاقة النووية , صاحبة الحق الوحيدة في مراقبة
الآخرين , ولم يجري الحسم , او التأكد من توجه ايران لأمتلاك السلاح النووي .
ولهذا الحد فأن ايران هي صاحبة الحق القانوني , رغم كل التصريحات العنترية
للرئيس الايراني احمدي نجاد .
ان الامريكان لم يعد بأمكانهم تلفيق المبررات كما حدث بالحرب على العراق ,
عندما وقف كولن باول وزير الخارجية الامريكي في وقتها , وهو يشرح امام الشاشات
العملاقة في هيئة الامم المتحدة , ويؤشر بعصا المارشالية لباقي الوفود التي
عليها ان تصدق ما يفترضه الامريكان . وبعد سقوط النظام الصدامي وأحتلال العراق
, ظهر كذب الأدعاء الامريكي . ولايمكن تكرار ذات التلفيق في تهويل خطر المشروع
النووي الايراني على السلم العالمي , وهو لايزال يبعد عن امتلاك القنبلة
النووية عدة سنوات.
ان الخطر الذي يشعره الامريكان من النظام الديني الايراني ليس من امتلاكه
البرنامج النووي – رغم خطورته وتأثيره على توازن قوى المنطقة - , بل من الطموح
القومي الذي يريد ان يسيطر على المنطقة النفطية بالكامل , ويحبط المشروع
الامبراطوري الامريكي . وفي احسن الاحوال الدخول مع الامريكان في مساومات
اقتسام النفوذ , والطرفان استخدما المشروع النووي الايراني كواجهة لصراعهم
الحقيقي.
وكان لابد للأمريكان من استمرار وضع العراق على عدم الاستقرار , واعادة اشعال
النار كلما خمدت , واثارت النزاع الدموي الطائفي– وهذا ما تبغيه "القاعدة"
والايرانيون ايضاً – ولكن بالنسبة للأمريكان للحد الذي يبقيه تحت سيطرة قوات
الاحتلال , ولزيادة توريط الايرانيين فيه , وفسح المجال لمد نفوذهم اكثر .
وانزلق الايرانيون حتى اقتنعوا بأن العراق اصبح " الجوكر" في لعبتهم , وتحدوا
الامريكان به امام كل العالم . وحالهم حال صدام عندما صدق انه يمتلك رابع جيش
في العالم . وطيلة السنوات الثلاث الماضية تمكن الامريكان من اقناع العالم بأن
الخسائر الامريكية في العراق نتيجة جرائم المليشيات الشيعية والسنية الموجهة من
ايران وحليفتها سورية , وهو سبب معقول لمواجهة ايران , كون الامريكان " يدافعون
عن انفسهم" . اضافة للمساعدة "السخية" التي قدمها النظام الايراني بأستعراض
قوته في المناطق الساخنة " حزب الله" في لبنان, و" حماس" في فلسطين , وتأكيدات
احمدي نجاد بضرورة انهاء اسرائيل .
ان الامريكان لايهمهم امن العراق بقدر ما يهمهم استمرار الوضع الذي يخدم خططهم
. ولعل ايقاف الشخص الايراني قبل ايام من قبل القوات الامريكية في السليمانية ,
واتهامه بأنه من قيادات جيش " القدس " الايراني, في الوقت الذي تقول فيه ايران
انه تاجر من اهالي كرمنشاه واحتجت بشدة على احتجازه , توضح ما يريده الامريكان
. فليس المهم ان يكون هذا الشخص مسؤول عسكري او تاجر , المهم ادعاء الامريكان
سيصدق في استمرار هذا الجو الملتبس والمتوتر . وستستمر الاوضاع في العراق على
هذا المنوال لغاية ما يتم حسم الصراع مع النظام الايراني , والذي تتوقع الصحف
الغربية الصادرة خلال الايام الماضية , بأنه سيكون اما في الربيع اوالصيف
القادم .
وكل الذي يجري والقيادات السياسية العراقية لاعلاقة لها بالأمر , غير الاهتمام
بأقتسام السلطة والنفوذ وسرقة المال العام , وتأمين تقاعدهم في البرلمان , او
كمستشارين , كما في البدعة الاخيرة التي يجري نقاشها في البرلمان . والسؤال
العاجز , الذي اصبح ممجوجاً لكثرة سائليه : هل بأمكان هذه القيادات من التوحد
في المشروع الوطني الذي يستطيع ان يفرض اجندته على الطرفين الايراني والامريكي
, وان لايبقى العراق عائماً بين مصالح الطرفين فقط ؟