الدوران في الفشل
تقي الوزان
العودة السريعة للسيد عبد العزيز الحكيم الى العراق , وتحمله
لمصاعب فترة العلاج , كشفت الوضعية التي آلت اليها قائمة "الائتلاف" , ووحدتها
المهددة بالتمزق بعد خروج حزب " الفضيلة" , ومواقف "التيار الصدري" التي تكاد
ان تكون بالضد من توجهات القائمة . ومن المعروف ان السيد عبد العزيز الحكيم
تزعم "المجلس الأعلى" بعد استشهاد شقيقه السيد محمد باقر الحكيم رحمه الله ,
وتبلورت زعامته لقائمة "الائتلاف" في فترة التفاعل النشط بين الاحزاب والمنظمات
لتشكيل الكيانات السياسية المتمثلة بالقوائم التي دخلت الانتخابات . وبغض النظر
عن الرافعات التي دعمت تشكيل قائمة "الائتلاف" , ومكنتها من تحقيق " الانتصار
الحاسم" كما رددتها قيادات القائمة , فأن المقومات القيادية للسيد الحكيم
أكتسبت خبرتها المميزة في خضم هذا الصعود والتشكل , وبات من الصعب ايجاد شخصية
بديلة لها نفس المواصفات للمحافظة على وحدة القائمة في هذه المرحلة الجديدة
التي قوامها الانحدار والتفسخ , ليس لقائمة "الائتلاف" وحدها , بل لكل العملية
السياسية التي بنيت على اساس المحاصصة , والاستئثار بما يمكن الحصول عليه .
هذه العودة رغم حاجة وحدة القائمة اليها , الا انها لن تكون حاسمة في استمرار
تماسكها , وفي احسن الاحوال انها ستؤجل تمزق القائمة لبعض الوقت . والسبب هو في
فشل هذه الكيانات – بما فيها القائمة"الكردستانية" التي تعتبر اكثر تماسكاً من
القوائم الاخرى – في انجاح العملية السياسية , وفشلها في خلق ادارة تستطيع ان
تنقذ العراق من الانحدار الدموي الذي وصل اليه .
ان تشكيل القوائم جاء نتيجة البحث عن وسائل لضمان الفوز الانتخابي , وكنا تعتقد
ان القائمة" العراقية" كان معوّل عليها لعلمانيتها, وبرنامجها السياسي الوطني
الواضح . الا ان عدم الحصول على اصوات كافية لتحقيق مشاركة فاعلة في القرار
السياسي , وبدل الاستفادة من التركيز على نهجها العراقي امام الفشل المحاصصاتي
السريع , اندفع رئيسها الدكتور اياد علاوي للبحث عن وسائل اخرى اسرع بالوصول
لموقع القرار العراقي , وخلق حالة من التشتت بين اطراف القائمة , واخذ بعضهم
يتقافز على مختلف الجهات للحصول على جزرة ولو صغيرة , حتى ذهب احد العلمانيين
"العريقين" للتسكع في باب السيد السيستاني , في قراءة خاطئة للمشهد السياسي
الذي بحاجة لتغيير توجهات العملية السياسية برمتها .
ويمكن القول ان قائمتي "التوافق" و"الحوار" البعثيتين هما الأكثر وضوح " دموي "
للأستحواذ على السلطة , والموقف الذي اتخذوه مؤخرا لزيادة درجات التوتر ,
واستمرار ابتزاز الحكومة , وتهديدها بسحب الثقة لأسقاطها ان لم تنفذ مطاليبهم
خلال اسبوع واحد , جاء نتيجة التطمينات التي حصلت عليها من حكومات الجوار
"السنية" , والتفاهمات التي توطدت مع الجانب الامريكي كبديل يمكن الاعتماد عليه
مرة اخرى , اذا استمر الفشل الحكومي الحالي . وطرق الاخراج لهذه المسرحية كثيرة
جداً .
ان اعلان الاتفاقات "الستراتيجية" الاخيرة بين "المجلس الاعلى" وحزب"الدعوة" ,
وبين الحزبين الكرديين الرئيسيين , ليست كافية لانجاح مشروع جبهة "المعتدلين" .
طالما ان "المعتدلين " مؤسسة على نفس الاسس الطائفية والاثنية , والدليل هو
تأخير اعلانها لعدم موافقة الحزب "الاسلامي" السني الانضمام اليها لحد الآن .
ويخطئ من يعتقد ان مجرد تحقيق الاغلبية البرلمانية , وتمشية اجازة قانون اسثمار
النفط والغاز وفق الرغبات الامريكية , سيمكنه من رضا الامريكان والاستمرار في
هكذا عملية سياسية .
العملية السياسية بعد ان كانت تهم الامريكان في اغلب جوانبها , اصبحت بؤرة
الصراع الرئيسية بين المشروع النووي"القومي" الايراني , والمشروع الغربي وعلى
رأسه الولايات المتحدة الامريكية وباقي دول الاقليم من الانظمة العربية
"السنية" . والقيادات السياسية العراقية عليها ان تعي كونها اصبحت رأس الحربة
للطرفين , ولا يمكن التوفيق بينهما , والتوافق المبني على اولوية الوحدة
الوطنية هو الوحيد الذي سينقذ العراق والعراقيين .