|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  24  / 6   / 2025                                 تحسين المنذري                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

إيران ــ إسرائيل التخادم القذر... أين فلسطين؟؟

تحسين المنذري
(موقع الناس)

في السياسة يقال إن قوتين متناقضتين، متصارعتين، قد يخدمان بعضهما دون إتفاق مسبق, وهذا ما حدث مع صدام حسين ربيب الاميركان وعميلهم السابق خدمهم وهو يتناقض معهم، أكثر مما قدم لهم وهو حليفهم.. ففي عملية إحتلال الكويت وبعدها تمكنت أميركا من بناء قواعد عسكرية دائمة في الخليج وعموم المنطقة بحجة خطورة نظام صدام.

وبعد إنهيار التجربة الاشتراكية والاجهاز على بقايا المشروع القومي العربي بإحتلال صدام للكويت وحدوث فراغ فكري كبير، برزت إيران الاسلامية كقوة مناهضة للمشاريع الغربية، وعزز ظهورها ذاك محاولات أميركا العولمة أن تشوش حقيقة الصراعات على إنها صراع حضارات وأديان وتناقض المركز والاطراف، إستغلت إيران كل ذاك وأعادت ترتيب أوراقها، فبعد حرب الثمان سنوات، تبدلت عقيدة الحكام الاسلاميين بتصدير الثورة من التدخل المباشر الى إيجاد ركائز من مواطني البلدان المستهدفة، ولا بد من تأكيد قضية هامة جدا هي إن حكام إيران يحملون دوما إرث الدولة الساسانية وتجارب الصفويين وفي الاقل فهم يحلمون بدور الشرطي الذي تقمصه الشاه طيلة مدة حكمه. ومشروعهم ليس إلا مشروعا قوميا ـ فارسيا، وما الدين والمذهب الا أغطية مهلهلة لذلك.

وتزامنت عملية إعادة بناء قوتها العسكرية مع تطبيل سياسييها وأجهزة إعلامها بالقضية الفلسطينية على إنها الحلقة الاهم في الجهاد الاسلامي الايراني، وترافق كل ذاك مع الانهيار النهائي للتضامن العربي ودخول دول المواجهة في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل بتوجيه أميركا القوة التي إنفردت بالعالم، وهذا ما سمح للجمهورية الاسلامية بالصراخ عاليا على إنها المتبني الاول للقضية الفلسطينية، ورمت إيران خلفها ما قدمته إسرائيل لها من دعم بالاعتدة وقطع غيار أسلحتها الاميركية التي تلفت في حربها مع العراق وما عُرف حينها بفضيحة إيران ـ غيت، حيث لم تكن إسرائيل حينها العدو الفكري الاول بل كانت هناك خيوط صداقة تنسج في الخفاء، وأيضا لم تكن فلسطين قضية الجهاد الاولى، وهذا يعكس لا مبدأية إيران الاسلاميين في تحديد أولوياتها.

من جانبها تنبهت إسرائيل لهذه الموضوعة وإستخدمتها كورقة رابحة في غمط حقوق الشعب الفلسطيني وتذويب مشروع حل الدولتين الذي تبنته الامم المتحدة وراجت فكرته في عموم أوساط السياسة الدولية كفكرة مقبولة من جميع الاطراف بوضع حل نهائي لمشاكل إسرائيل في المنطقة، لكن اليمين الاسرائيلي الذي واصل الصعود بعد تفرد أميركا كقطب أوحد وغياب شبه تام أو ضعف كبير لقوى اليسار في العالم، إستطاع أن يكرس فكرة إعتبار إيران الاسلامية العدو الاول بل الوحيد في المنطقة !! في محاولة مفضوحة لطمس القضية الفلسطينية رغم المفاوضات البائسة التي أوجدت سلطة فلسطينية مشلولة في بضعة أمتار من الارض المحتلة والتي لم تستطع حتى المطالبة بمنع إسرائيل من توسيع رقعتها الجغرافية بقضم مزيد من أراضي الضفة الغربية وإنشاء المستعمرات وتزايد أعداد حملة الجنسية الاسرائيلية من القادمين من دول أخرى أو ممن توسع وجودهم العددي والاقتصادي من المهاجرين الاوائل.

في الجانب الاخر كانت الجمهورية الاسلامية توسع من نفوذها الاقليمي بتشكيلات ميليشيوية منفلتة بعنوان المقاومة وبغطاء الدين والمذهب وبهدف أبعد هو تغول النفوذ الايراني في تلك الدول لتعزيز وجودها ومكانتها الاقليمية والدولية على حد سواء، فكان حزب الله اللبناني الذي أعلن أمينه الاسبق حسن نصر الله مرة إنهم موجودون بفضل الدعم الايراني تسليحا ورواتبا وكل شيئ، ومعروف ما قام به حزب الله من شل للدولة اللبنانية بإسم المقاومة وإنحدار إقتصادي لم يسبق له مثيل حتى خلال سنوات الحرب الاهلية اللبنانية.

وعلى الصعيد الفلسطيني حدث إنشقاق حماس وتكوين شبه دويلة في غزة ذلك الفعل الذي لاقى دعما كبيرا جدا ماليا وتسليحيا وإعلاميا من قبل كيانين هما إسرائيل والجمهورية الاسلامية، فكلٌ إستفاد من فكرة رفض حل الدولتين حيث تطالب حماس بإلغاء الدولة الاسرائيلية كلها، وهذا المطلب تشاركها أياه إيران وصارت إسرائيل تطبل له على إنه تهديد وجودي لكيانها، وفي كل هذا وما مر من حوادث كانت موضوعة العداء الايراني ـ الاسرائيلي هي الابرز في كل الاصعدة وضمن ذاك كان خفوت تدريجي للقضية الفلسطينية وكأن الصراع أساسا قام بين إيران الساعية للتوسع إقليميا وإسرائيل الساعية للتوسع جغرافيا في الارض الفلسطينية ونفوذا في عموم المنطقة !!

أليس ما حدث كان خدمات قدمها كل للآخر حتى وإن كان بدون إتفاق مسبق؟ ولو إستعرضنا جملة الأحداث في المنطقة بما فيها أحداث سوريا عام 2011 وما تلاها من تطورات سنجد للجمهورية الاسلامية يدٌ طولى في دعم النظام السوري سواءً بشكل مباشر أو عن طريق أذرعها، حزب الله اللبناني وبعض الميليشيات العراقية، وكذا الحال مع أحداث داعش في العراق وسوريا سنجد للجمهورية الاسلامية وجودا فاعلا لكن فقط لحساب توسيع نفوذها وتقوية إقتصادها المحاصر دوليا، وكل ذاك سحب الانتباه عن القضية الفلسطينية، كما إن الدور القذر الذي لعبته إسرائيل في دعم الفصائل المتمردة على النظام في سوريا، عزز فكرة كأنهما متفقان ضمنيا كي يضمن كل منهما وجودا مؤثرا ليس في سوريا فحسب بل ليمتد الى مناطق اخرى.

وفي كل مواجهة حدثت بين إسرائيل وحزب الله أو بينها وبين حماس في غزة كان الاعلام العالمي يركز على دعم إيران لتلك التنظيمات مع تسميتها بالارهابية، وإيران من جانبها لا تنكر دعمها ذاك لكن ترفض صفة الارهابية عن تلك التنظيمات وتصر على تسميتها بالمقاومة، ورغم ذلك لم يكن للقضية الفلسطينية من وجود بل إن الصراع تحول بين إيران الاسلامية وإسرائيل ، وحتى في المواجهة الجوية الاخيرة أو ما سمي حرب الاثني عشر يوما لم يكن لفلسطين أي وجود، وحتى غزة التي بقيت تعاني تحت النيران الاسرائيلية خلالها لم يعرف أحد ما حدث فيها وكم عدد الضحايا وما هي أخبار التهجير القسري والتجويع وغيرها من أساليب العسف والعنف التي يمارسها الاحتلال الاسرائيلي المقيت، الى أن حدث التوقف المفاجئ لإطلاق النار بقرار من الراعي الاكبر "ترامب" بوجوب توقف الهجمات المتبادلة دون توقف العداء المعلن، ودون الكشف عن الخسائر الحقيقية لكلا الطرفين والتي إعتدنا معرفتها بعد مرور أشهر أو سنوات كما في كل مرة، رغم إبتهاجنا بما شاهدناه عبر الشاشات من دمار يلحق بإسرائيل ولأول مرة، فإنه لم يكن إتفاق هدنة مقابل هدنة أو هو إتفاق سلام وإحترام، بل هو إتفاق ضمني لإستمرار التخادم بين الجمهورية الاسلامية وإسرائيل، ولعل الايام والحوادث القادمة تؤكد ذلك.

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter