| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الجمعة 6 / 6 / 2025 تحسين المنذري كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
مفهوم المدنية الملتبس والانتخابات العراقية
تحسين المنذري
(موقع الناس)يعزو بعض اساتذة العلوم السياسية الى ظهور المدنية كمفهوم الى بدايات عصر النهضة بإعتبار إن (مونتسكيو) و(جان جاك روسو) من أوائل الذين تداولوه ، في حين يفسر آخرون إن هذا التناول كان بمعنى عدم قبول حكم العسكر لما يتسم به من عنف وتشويه للحياة السياسية ولمبدأ التداول السلمي للسلطة وغير ذلك مما بات غير مقبول إنسجاما مع التطورات المجتمعية المتلاحقة. وإتسع نطاق تداوله على رغم من أن أغلبية أساتذة العلوم السياسية يعتبروه مصطلحا غير علمي ولا وجود له في القواميس السياسية، في حين يعرّف البعض الدولة المدنية على إنها : نظام سياسي يحترم سيادة القانون ويضمن حقوق الانسان، ويحمي الاقليات ويمنع التمييز، ويحافظ على إستقلالية القضاء، ويعتمد على التداول السلمي للسلطة، ويقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، ويضمن مشاركة المواطنين في الحياة السياسية. لكن مع تمعن بسيط في هذا التعريف نجده ينطبق تماما على تعريف الديمقراطية عند مختلف مدارس العلوم السياسية مع وجود ربما إختلافات بسيطة بين هذه وتلك لا تؤثر في المجمل على ما يراد من الديمقراطية.
أما في المجتمعات الاسلامية فهناك جدل حول هذا المفهوم ما بين أن يعتبره البعض متعارضا مع الشريعة الاسلامية وأخرين يعتقدون بإمكانية توافقه معها، لذلك أوجدوا تعريفا للدولة المدنية مفاده إنها تتفق مع مبادئ الشريعة ومقاصدها وتقوم على مبادئ لا ترفضها الشريعة. وجرى إستخدام مفهوم المدنية كبديل لمفهوم العلمانية وبهذا المعنى جرى تداوله في الحياة السياسية العراقية في ما بعد 2003 سيما مع الهجمة الشرسة المسبقة التي شنتها قوى الاسلام السياسي المتصدرة للمشهد، وما تزال وصولا لإتهام دعاة العلمانية بالالحاد والشذوذ الاخلاقي وما إلى ذلك من تهم مشينة في محاولة مكشوفة لترهيبهم وتكريس وجود الاسلاميين في السلطة. وللأسف فقد خضع العلمانيون بمختلف مشاربهم في العراق لهذا الابتزاز وصاروا يؤكدون على المدنية في خطابهم السياسي في تهرب واضح من تداول العلمانية، مما فسح في المجال لتبني قوى أبعد ما تكون عن الديمقراطية ـ والتي تشكل العلمانية مبدءاً أساسيا فيها ـ للمدنية والادعاء بأنهم مدنيون مثلما إدعى معمم يرأس ميليشيا مسلحة ذلك في حملة إنتخابية لجناحه السياسي قبل دورتين من الان، كما في كل مرة تبرز المدنية في الخطابات السياسية والتسميات التحالفية قبيل كل إنتخابات، فشخص يرأس مجموعة قفزت على واجهة إنتفاضة تشرين ويقول إنه لا يمكن أن يحيد عن توجيهات المرجعية الدينية العليا في النجف، يدخل في تحالف يشكل مفهوم المدنية جزءاً من إسمه الانتخابي، وفي نفس هذا التحالف هناك نائب برلماني دافع علنا عن تشريع طائفي ويقال إنه صوّت بـ "نعم" على التعديلات السيئة لقانون الاحوال الشخصية !! فأين مدنيته هنا إذا سلمنا بالمدنية كبديل للعلمانية؟ وكذا الحال لأخرين وفي تحالفات أخرى عُرفوا نهجا وبرزوا على الساحة السياسية كدعاة إسلاميين لكنهم يدخلون الان في تحالف يريد للمدنية أن تكون بديلا للحكم ولا أدري كيف ينسجم ذلك مع توجهات قوى أخرى في نفس التحالف كانت ومازالت تدّعي بعدها عن الثيوقراطية في الحكم!!
إن هذا الالتباس والتداخل غير الصحي في التحالفات الانتخابية مردّه كما أتصور لضعف القوى التي تريد الفصل بين الدين والدولة وعدم قدرتها على البوح بذلك لتشتتها أولا ولعدم إهتمامها بإعادة تنظيم نفسها وتشكيل قوة مهمة يحسب لها الحساب في كل المشهد السياسي سواءً مع الانتخابات أو بدونها.
إن قوى الاسلام السياسي المتربعة على كراسي الحكم تعرف جيدا القوى التي لا تنسجم مع توجهاتها الدينية والتي تتناقض معها كليا رغم تستر الاخيرة بمفهوم المدنية أو بتحالفات غير ناضجة وغير مقبولة شعبيا، وأتصور إن قوى السلطة إذا ما أتيحت لها الفرصة للإجهاز على هذه القوى وبشتى السبل لفعلتها لولا الخشية من إنعكاسات ذلك على علاقاتها الدولية، لذلك أرى إن القوى التي لا تريد التداخل بين الدين والدولة عليها أن تبني نفسها أولا وتقوي تنظيماتها وتنسق فيما بينها بتحالف متين وتعلن علمانيتها بتبني العلمانية كمفهوم في خطابها السياسي والقيام بحملات توعية إعلامية وشعبية بمفهوم العلمانية على إنه ليس بُعبعا مخيفا كما تصوره قوى الاسلام السياسي، بقدر ما هو ركن أساسي في تطبيق الديمقراطية ومن شأنه أن يمنع كل تدخل للمؤسسات الدينية في الحكم والتي لم تكن سوى تدخلات لحماية قوى المحاصصة والفساد وسراق المال العام، وعلى هذه القوى ألا تخشى المواجهة مع قوى الاسلام السياسي لأنها ستأتي حتما، لكن لتأتي وهي مستعدة وقوية بدل أن تكون ضحية وتتراجع أكثر وأكثر وقد لا ينفع حينها الندم ، "ولات ساعة مندم"