| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الثلاثاء 27 / 1 / 2026 وردا البيلاتي كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
حين تصطدم الأحلام ببنية المجتمع: قراءة سياسية على ضوء توماس براك *
وردا البيلاتي
(موقع الناس)قال توماس براك في لقاء صحفي : (إن ما يُسمّى بالشرق الأوسط ليس كيانًا سياسيًا متجانسًا، بل مجتمعات تتقدّم فيها الانتماءات الأولية - الفرد، العائلة، العشيرة والطائفة - على مفهوم الدولة. ويرى أن الدول القومية في المنطقة لم تتشكّل طبيعيًا، بل فُرضت بحدود مرسومة، لذلك بقيت الدولة ضعيفة، وبقي الحديث عن الديمقراطية والسلام أقرب إلى الوهم ما دامت حياة الناس لم تتحسّن)
لا أطرح هذا الكلام بوصفه رأيًا شخصيًا لي، بل أنقله كنقطة انطلاق لفهم أعمق لما عشناه سياسيًا. فبحسب هذا التوصيف، لا يوجد كيان متجانس يُدعى الشرق الأوسط، بل مجتمعات بقيت فيها الروابط الأولية أقوى من أي انتماء وطني جامع، وجاءت الدولة القومية متأخرة وهشّة منذ نشأتها.
ومنذ نشوء الدولة القومية في المنطقة، لم تتراجع الأزمة، بل تعمّقت، وما نراه اليوم ليس قطيعة مع الماضي، بل ذروته الطبيعية.
انطلاقًا من هذا التشخيص، ومن خلال تجربتي في العمل السياسي، أرى أن ما قاله توماس دقيق إلى حدٍّ كبير. لقد ناضلنا من أجل العلمانية والديمقراطية والحقيقة، لكننا كنا نعيش حلمًا أكثر مما نعيش مشروعًا واقعيًا. وما نشهده اليوم أثبت بالملموس أن الشعارات سبقت البنية الاجتماعية والثقافية، وأن الواقع كان أقوى من النوايا.
وفي هذا السياق، أرى أن تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في آذار 1934، رغم نُبل أهدافه وتضحياته الكبيرة، كان هو الآخر حلمًا سابقًا لزمنه. دخل الحزب منذ يومه الأول في صدام مع البنية التقليدية للمجتمع، وكان رجال الدين من أوائل خصومه، فخاض معركة غير متكافئة قدّم فيها آلاف الشهداء، دون أن يتمكّن من تحويل نضاله إلى قاعدة اجتماعية راسخة قادرة على حماية مشروعه.
وجاء عام 1963 ليشكّل ذروة هذا المأزق، حين جرى توظيف الدين بشكل مباشر في الصراع السياسي عبر فتوى السيد محسن الحكيم بتحريم الشيوعية، والتي فُهمت واستُخدمت في سياق ذلك الزمن كغطاء ديني لاضطهاد الشيوعيين وقتلهم. عندها لم يعد الخلاف فكريًا أو سياسيًا، بل تحوّل إلى عنف دموي ترك أثرًا عميقًا في المجتمع والدولة، ولا تزال تداعياته حاضرة حتى اليوم.
خلاصة القول، وكما يشير توماس براك، فإن الحديث عن السلام أو الديمقراطية في الشرق الأوسط يبقى أقرب إلى الوهم ما دامت الدولة آخر ما يتشكّل في وعي الناس، وما دامت الهويات الأولية أقوى من مفهوم المواطنة. وحده تحسين حياة الناس، وضمان مستقبل أبنائهم، يمكن أن يخلق أساسًا واقعيًا لأي مشروع سياسي قابل للحياة. أمّا ما عدا ذلك، فسيبقى حلمًا جميلًا… ومكلفًا.
* توماس جوزيف باراك جونيور (توم باراك)