| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأحد 3/2/ 2013 وردا البيلاتي كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
لقاء مع النصير الشيوعي محسن ياسين
وردا البيلاتي
لن تغادرني تلك الايام ..سار قطار النضال في نفق العهود السابقة من الانظمة التي حكمت العراق، ومر بمحطات صعبة وأليمة، زنزانات الفاشية المظلمة، الموت تحت التعذيب في اقبية المخابرات، او تحت اعواد المشانق، أو في احواض التيزاب، او في المقابر الجماعية ، او حركة الانصار والبيشمركة المسلحة وحمل السلاح بوجه الطغيان في وديان وجبال كردستان.
الكثير من المناضلين اصبحوا في طي النسيان عبر الزمن، فمشاغل الحياة الهت الناس عنهم، ولم يعد إلا القليل منا، مَن يتذكر عطاءهم وتضحياتهم ونكران ذواتهم في سبيل الاخرين. لقد اختلفت ازمنة وامكنة مسيرة هؤلاء المناضلين ، لكن هدفهم كان واحدا هو التضحية من اجل تحرير شعبهم من قيود الانظمة الرجعية والدكتاتورية الشوفينية الظالمة ...
أثناء وجودي في اربيل التقيت النصير محسن ياسين، حيث مر على اخر لقاء لنا اكثر من 27 عاماً، كان ذلك بعد القصف الكيمياوي على مقراتنا في قاطع بهدينان يوم 5 حزيران 1987، يومها اصبح أحد ضحايا ذلك القصف الذي استشهد اثره العديد من الرفاق واصيب الكثيرين منهم.
حينما رأيته تذكرت اول مرة تعرفت بها عليه، فقد التقيته في قرية (دار بسر) بسهل كوي في 22 اذار 1979،حيث كان مع احدى اهم المفارز التي لعبت دورا متميزا في رفد حركة الأنصار لحزبنا الشيوعي ، والتي كانت بقيادة الشهيد مام كاويس والرفيق ابو جنان (حمه سعيد)...
والرفيق محسن ياسين .. واحد من الجنود المجهولين اللذين وضعوا دماءهم على راحات اكفهم من اجل وطن حر وشعب سعيد .
ولتوثيق ونشر بعض من سطور النضال رأيت ان اجري معه هذا الحديث :رفيق محسن من اي مدينة انت والى اي عشيرة تنتمي؟
- " أنا محسن ياسين!، كردي من مدينة اربيل.. لا انتمي الى اي عشيرة أو قبيلة ، وليس لي لقب عشيرة محددة، وارفض بشدة هذه التسميات".!! اخذ نفساً عميقا ثم تابع كلامه قائلا :" لقد ترعرعت في احضان عائلة ليس لها ارتباط بالعشيرة، فقد ناضل والدي ضد سلطة الأقطاع منذ 1949، من خلال انتمائه للحزب الشيوعي العراقي، وكنتيجة لافكاره وتربيته لنا انضممنا ايضا الى صفوف الحزب، ومنه تعلمنا عدم التفرقة بين القوميات، وأن تكون نظرتنا الى جميع القوميات والشعوب نظرة انسانية خالية من التعصب ".
النصير محسن ياسين مع وردا البيلاتيرفيق محسن، متى وكيف حملت السلاح ضد النظام الدكتاتوري؟
مكث برهة صامتاً ، محاولاً العودة الى تلك السنوات ، فارتسمت على شفتيه ظلال ابتسامة وهو يقول :- " في سنة 1970 كانت بدايتي الاولى مع حمل السلاح ، حيث انظممت الى حركة التحرر الفلسطينية (منظمة فتح) وبقيت فيها ثلاث سنوات"..
قاطعته سائلاً : ماهو دافع انضمامك الى منظمة فتح الفلسطينية؟
- " حينئذ كنت في اوج شبابي ، وقد اغرتني ظروف العمل الفدائي ، من خلال قراءتي للادب الثوري، كما اني اعتبرته دعم أممي وتاييداً لأفكارنا الشيوعية في تحرير الشعوب"...
وقبل ان يتابع كـــلامه اطلق زفرة حادة ثم قال :
- "لن تغادرني تلك الايام ، ومازلت اتذكرها، في سوريا تم تدريبنا على جميع الأسلحة الروسية والأمريكية، الخفيفة والثقيلة، ومختلف انواع المدافع، وايضا سلاح هندسة المتفجرات بجميع انواعها، في مركز تدريب منطقة سويداء، كان التدريب قاسي جدا ، وتقريبا على مدار اليوم ليل نهار.. كان الفدائيون الفلسطينيون يحترموننا لاننا من الحزب الشيوعي العراقي وقد جئنا لدعم قضيتهم، مؤمنين بعدالة حقوقهم في العودة لوطنهم "..
وبعد انتهاء السنوات الثلاث ؟
- "عدت للعراق، انذاك كان الحزب قد تحالف مع حزب البعث، وقد بقيت اعمل في صفوف ومنظمات الحزب، لحين خرق ميثاق الجبهة، والهجمة الشرسة من قبل البعث الفاشي ضد رفاق حزبنا ومنظماته الديمقراطية .
ورغم كل وسائل القمع إلا اننا لم نستسلم ، بل بادرنا ومجموعة من الرفاق للتوجه الى الجبل وحمل السلاح ضد النظام"!!...قاطعته من هم هؤلاء الرفاق هل تذكرهم؟ .. اجاب بثقة :
- " طبعا، وكيف انسى الشهيد مام كاويس وابراهيم حسن، قادر طه، مام هداية، خدر، جمال، مصطفى ، الشهيد محمود قادر ، بكر جولا و ملازم شوان"!!
لازال الحزن يظلل وجهه، وهو يستعيد سنوات الماضي ..
- "في 20/11/ 1978 توجهنا الى دشت كوي (سهل كوي) مع خمسة بنادق برنو كانت بحوزة رفاقنا أبراهيم حسن و قادر طـــه من قرية (ب بايز اغا)، وهذه كانت نقطة انطلاقنا، بعد ذلك بدأت جولاتنا بين القرى (سماقا، داربسر ، ايلنجاغ، باني مران)، عند ذلك كان عددنا (16) رفيقاً فقط ، لقد رشحنا مام كاويس مسؤولاُ علينا كونه عضو محلية "..
كان ما يزال تحت تأثير ذكريات تلك الايام الصعبة التي مرت عليه ورفاقه، حينما استدرك مكملا حديثه :"
- أتذكر تلك الايام كما لو انها الآن، باننا التقينا بمجموعة ملتحقة (كنت انت يا ابو ميسون من ضمن تلك المجموعة) * وذلك في 22 اذار 1979 وقد سلمت لمام كاويس رسالة من الحزب و(100) دينار"..
ضحك وهو يسترجع ذلك الماضي ثم واصل سرد الذكريات ..
- " ربما لا تصدق كم كانت فرحتنا بلقاءنا بكم حينئذ، لاننا كنا بانتظار هذه الرسالة كي يتعزز موقفنا ونرفع من معنويات الرفاق، وايضا نستطيع الاستمرار لايجاد قواعد للكفاح المسلح ، وعقد الندوات التثقيفية في القرى وفضح سياسة البعث"...
![]()
الشهيد محمود قادر الشهيد مام كاويسهل لك ان تصف استقبال جماهير المنطقة لكم كشيوعيين؟
- " تمتع الحزب في منطقة ( دشت كوي ) بشعبية ورصيد كبيرين ، لذلك كان استقبال اهل المنطقة لنا يمثل حافزاً وعاملاً مشجعاً للاستمرار في مقارعة الفاشية البعثية ، كما ان تضامننا مع حركة التحرر الكردستانية، مثل كوملة و الحركة الأشتراكية (بزوة نوه)، ساعدنا كثيرا في تقوية مكانتنا هناك "...
وماذا عن المهام الاخرى المناطة بكم..؟
- " كنا نستقبل الرفاق الملتحقين، ونقوم بتوصيلهم الى المقر العام، الذي كان يقع في منطقة حدودية فاصلة عن ايران تدعى (ناوزنك) والذي اطلق عليه فيما بعد اسم (وادي الأحزاب). بعد ازدياد عددنا قررنا التوجه للمقر العام، وعلى ما اذكر كان ذلك في شهر ايار 1979 ، هناك التقينا بالرفاق القياديين، المسؤول العسكري توما توماس (ابو جميل) والمسؤول السياسي الرفيق ابو ئاسوس (فاتح رسول)"..
يبدو انك كنت من الرفاق اللذين تقع على عاتقهم الكثير من المهام . هل حدثتنا عن ما كنت تكلف به ؟
ابتسم، فبانت بعض التجاعيد عند جانب العينين، ووضحت خطوطها، وببساطته التي لم تغيرها السنوات الطويلة اجاب :
- " لقد تم تكليفي من قبل المكتب العسكري الذي كان يتكون من الرفاق توما توماس وابو ئاسوس، ابو سربست وعلي كلاشنكوف ، بأقامة دورات تدريب على السلاح الخفيف والمدفعية عيار82، 60، 120 اضافة الى سلاح ال (ار،بي، جي وبازوكة) والمتفجرات وكيفية استخدامها، كل دورة كانت تستمر اسبوعين. بعد ذلك تم تشكيل فصيل المدفعية بقوام 26 رفيقاً "..
النصير محسن ياسين و ابنه ئارام مع وردا البيلاتيوقبل ان يواصل كلامه سألته اذا تم تدريب افراد القوة الأخرى من الأحزاب الكردستانية؟
- " لقد دربنا الكثير من اعضاء الاتحاد الوطني وكذلك الحركة الأشتراكية ، اضافة الى ذلك تم تدريب عناصر من حزب تودة الشقيق ، وحتى بعض من فدائيي خلق، كما دربنا اعضاء من الحزب الاشتراكي الكردستاني التركي، و كان عددهم انذاك 28 مقاتلاً "..
اخذ نفسا عميقا متذكراً، ثم واصل حديثه عن تلك الدورات حيث اخبرنا..
- " لقد استمر العمل بهذه الدورات حتى عام 1982 ، وانجزنا حوالي 50 دورة، كما اني استلمت مهام اخرى بعد انتهاء مهام التدريب، فقد كنت المسؤول العسكري للفوج 31، وبعد ذلك المسؤول العسكري للفوج الخامس.
أحسست بانـــه يجب عليّ التوغل اكثر، لمعرفة المزيد منه سيما وهو من الرفاق الاوائل في حركة الانصار ، لذلك سألته ، ماهو اول عمل عسكري شاركت فيه ؟
- كنا مع بشمركة الحركة الأشتراكية في جولة للتوجه الى مقر الحزب، عندذاك وقعنا في كمين للجيش في منطقة (قرة جوخ)، وقد جرت معركة شرسة بيننا، تقهقرت اثرها قوات الجيش بعد ان اصيب عدد كبيراً منهم بين قتيل وجريح ، و جرح اثنان من بيشمركة الحركة الأشتراكية (بزوة نوه) ايضا، حدث هذا في 20 كانون الثاني من عام 1979"..
ماهي ذكرياتك عن 5 حزيران 1987؟؟
- " بتاريخ 2 حزيران 1987وصلت قاطع بهدينان لأستلام مهام جديدة وايضا للمشاركة في أجتماع اللجنة الأستشارية العسكرية، إلا انه في مساء يوم 4 حزيران ، وعندما كنا نلعب كرة القدم في الساحة القريبة من المقر، لاحظنا طائرتين استطلاعية تحوم حول مقر قاطع بهدينان الذي كان يقع على نهر الزاب ، والحقيقة اننا لم نعر لها اهمية، ومع غروب اليوم التالي 5 حزيران وفيما كنا نستعد لتناول وجبة العشاء، هجم سرب من طائرات ( سيخوي )، على مقراتنا وقامت بشن غارة كثيفة من القنابل الكيماوية والمحملة بغاز الخردل وغازات اخرى سامة ".
قاطعته مرة اخرى محاولاً نبش الماضي الالم ، لماذا تعتقد بان طائرات النظام الدكتاتوري المقبور قد استهدفت مقراتنا دون مقرات الاخرى للقوة المتواجدة في منطقة زيوة..؟
- " حسب علمنا ومن خلال الاخبار التي وردتنا، بأن نظام صدام الفاشي كان على علم بأن هناك اجتماع للجنة المركزية والكوادر المتقدمة في الحزب، وذلك من خلال عملائه المندسين بيننا ، لذلك كانت فرصة ثمينة وذهبية بالنسبة للنظام ، كي يقصف مقر الحزب الشيوعي العراقي، حتى تتم ابادة جماعية لكوادر هذا الحزب ".
غمامة من الحزن عبرت صفحة وجهه وهو يستطرد :
- " منذ اللحظة الاولى للضربة ، و حسب معلوماتي البسيطة قلت بان هذا القصف هو بالاسلحة الكيمياوية، وعلينا اشعال النار أو الصعود الى فصيل الدوشكا لتفادي الخطورة، لكن للاسف لم يصغ ِ لي احد.!! وبالصدفة كنت قد قرأت كتيب حول السلاح الكيمياوي، ومن علامته المهمة هو شم رائحة الثوم منبعثة من القنابل ، إلا ان امر سرية مقر القاطع نفى ذلك امام الرفاق بحجة رفع معنوياتهم ، لكن وبعد بضعة ساعات بدأت تظهر اعراض السلاح الكيمياوي وتأثيراته على مناطق حساسة من اجسامنا ، الكثير من الرفاق بدأوا بالتقيؤ، والاصابة بالعمى المؤقت ، ثم حروق في مناطق حساسة من الجسم ، ونتيجة للاصابة البالغة استشهد الرفيق ابو رزكار والرفيق ابو فؤاد بالاضافة الى اصابة 146 رفيقة ورفيق. حيث فقدوا البصر لبضعة ايام قاربت على الثلاثة او الاربعة ايام، بالاضافة الى صعوبة في التنفس "!!..
نظر بعيدا وكأنه يعيد شريط الذكريات، وواصل كلامه :
- " لازالت تلك الايام تعيش في ذاكرتي .. بعض الرفيقات والرفاق وهم قلة لم يصابوا ، فكانوا يبذلون جهدهم بتقديم المساعدة لكل الرفاق المصابين ، وحقاً كان دورهم مميز في تحمل المشقات والصعاب في ايام المحن، رغم فوات الآوان صعدنا الى فصيل الدوشكا الذي كان على أعلى قمة في القاطع لتفادي اضرار أكثر، بعدها رحلت الى ايران للعلاج".
هل حصلت على تقاعد البيشمركة؟
- " أجل، وبرتبة عميد ، لكني غير مقتنع بهذا الاستحقاق، لان هناك الكثير ممن اخذوا رتباً عسكرية عالية وهم لا يستحقونها، لم يقدموا ما قدمناه لحركة التحرر الكردستانية وللشعب العراقي من تضحيات".
* كان من ضمن المجموعة التي التحقت بالانصار يوم 22 آذار 1979 (سامي حنا جركو ، الشهيد يوسف توما كريش ، الشهيد عباس ، الشهيد كليانا توما ، هاشم ، وكاتب السطور)