|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت 5 / 9 / 2026                             وردا البيلاتي                              كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

خالتي… في مركز الشرطة

وردا البيلاتي
(موقع الناس)

كان التبغ في قريتنا أكثر من مجرد نبات… كان ذاكرة تمشي على الأرض، ورائحة تختبئ في تفاصيل الأيام. في سفوح جبل كارة، حيث الهواء أنقى، كانت أوراق التبغ تُزرع بعناية، كأنها ذهب أخضر.

كان التجار يأتون من بعيد، حتى من تركيا، بحثًا عن ذلك النوع الفاخر الذي يحمل طعم الجبل وعبق التراب. وكان جدي واحدًا من أولئك الذين يعرفون قيمته جيدًا. يجلس بهدوء، يملأ غليونه، يشعل التبغ، ثم يسحب نفسًا عميقًا وكأنه يستعيد عمره كله دفعة واحدة.

أما خالتي، فكان لها طريقتها الخاصة، لم تكن تدخن، بل كانت تأخذ التبغ إلى عالم آخر. تضعه في الهاون، وتبدأ بالدق ببطء، بإيقاع يشبه نبض القلب، حتى يتحول إلى مسحوق ناعم كحبات القمح المطحونة. ثم تأخذ منه قليلًا… وتشمه. كانت تلك لحظتها الخاصة، لحظة لا يفهمها إلا من عاش تلك العادة.

مرت السنوات، وهاجرت خالتي إلى أمريكا. هناك، كان كل شيء مختلفًا… الشوارع، الوجوه، وحتى الهواء. شعرت أن شيئًا ما ينقصها، شيئًا لا يُشترى بسهولة. وفي يوم، قالت لابنها: “اشترِ لي تبغًا”. استغرب الابن، وسألها بدهشة: “أمي، ماذا تريدين بالتبغ؟” ابتسمت وقالت: “يبدو أن الغربة أنستك… أنا مدمنة على البرنوط.(*)

عاد الابن بالتبغ، وعادت معها الحياة. طلبت الهاون، وجلست تدق التبغ كما كانت تفعل في الجبل. شيئًا فشيئًا، امتلأ البيت بتلك الرائحة التي لا تشبه إلا نفسها… رائحة الماضي.

وفي إحدى الأمسيات، بعد صلاة المساء في الكنيسة، جلست مع قريباتها في موقف الحافلات. أخرجت علبة البرنوط، وقدمتها لهن، وبدأن بالشم، يضحكن ويتبادلن الذكريات. لكن تلك اللحظة لم تمر بهدوء. توقفت سيارة شرطة بالقرب منهن. راقبهم رجال الشرطة بقلق، ثم اقتربوا بسرعة. بالنسبة لهم، ما يحدث بدا واضحًا: نساء يتعاطين شيئًا عن طريق الأنف في مكان عام.

لم يستغرق الأمر طويلًا… تم القبض عليهن. في مركز الشرطة، كان الخوف ممزوجًا بالحيرة. لم يعرفن ما الخطأ الذي ارتكبنه. وبعد التحقيق، فتح الضابط العلبة، شمها، ثم نظر إلى عناصره بانزعاج وقال: “هل أنتم أغبياء؟ هذا تبغ… وليس هيروين!” ساد الصمت، ثم تحوّل التوتر إلى ارتباك.

صدرت الأوامر فورًا: “خوذهن إلى بيوتهن”. في تلك الليلة، عاد كل شيء إلى طبيعته… تقريبًا. عادت خالتي إلى بيتها، ومعها علبتها الصغيرة… وذكريات جبل كارة، التي لا تعرف حدودًا، ولا تعترف بالغربة.



(*)
البرنوط: تبغ يُطحن في الهاون ويُستخدم عن طريق الشم، ويُسمّى فصيحًا النَّشوق.
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter