| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الخميس 7 / 5 / 2026 وردا البيلاتي كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
تيموثاوس الأول: حين كانت المعرفة تصنع الهوية
وردا البيلاتي
(موقع الناس)في قراءتي لكتاب كنيسة المشرق: بين الكنيسة والهوية القومية
يبرز أمام القارئ نموذج تيموثاوس الأول ليس كشخصية تاريخية فقط، بل كمشروع فكري متكامل يستحق أن يُستعاد اليوم بروح نقدية. فالكتاب يلمّح بوضوح إلى أن تأسيس تيموثاوس لمراكز تعليمية أو "كليات" لم يكن مجرد عمل تنظيمي، بل كان خطوة واعية لإعادة بناء الإنسان داخل كنيسة المشرق.لقد فهم أن الكنيسة التي لا تنتج معرفة، تفقد قدرتها على حماية ذاتها، وأن الهوية لا تُصان بالشعارات، بل بالعقل المتعلم. من هنا، لم يكتفِ بتعليم اللاهوت، بل فتح الباب أمام الفلسفة والمنطق والطب، ليصنع رجل دين قادرًا على الحوار، كما ظهر في نقاشه مع الخليفة المهدي العباسي، حيث لم يعتمد على الإيمان وحده، بل على العقل والمنطق.
وهذا يكشف أن التعليم عنده لم يكن هدفًا داخليًا للكنيسة فقط، بل وسيلة للحضور في المجتمع والتأثير فيه. وهنا تتضح العلاقة العميقة بين التعليم والهوية القومية التي يناقشها الكتاب. فالهوية، كما يفهمها تيموثاوس عمليًا، ليست انغلاقًا، بل قدرة على البقاء والتفاعل. لقد ساهمت تلك المدارس في حفظ اللغة، ونقل التراث، والانخراط في حركة الترجمة، أي أنها صنعت هوية حيّة، متحركة، لا جامدة.
لكن إذا انتقلنا إلى الواقع اليوم، تظهر المفارقة بوضوح وربما بمرارة: نحن نتحدث كثيرًا عن الهوية القومية، لكننا نهمل الأساس الذي يحميها، أي الإنسان المتعلم. نرفع الشعارات، لكننا لا نبني مؤسسات فكرية حقيقية. نتمسك بالماضي، لكننا لا نمتلك أدوات فهم الحاضر.
الأخطر من ذلك أن الأزمة لم تعد فقط في ضعف التكوين العلمي، بل في ضيق أفق الحوار داخل المؤسسة الكنسية نفسها. فالمجالس، خاصة مجالس الأساقفة، التي يُفترض أن تكون امتدادًا لذلك التراث العقلي، تتحول أحيانًا إلى مساحات مغلقة، لا تتقبل الرأي المختلف. بينما تيموثاوس، في القرن التاسع، كان يحاور خليفة دولة، لا يخشى السؤال ولا الاختلاف.وهنا يفرض السؤال نفسه بجرأة: إذا كانت كنيسة القرن التاسع قادرة على إنتاج فكر، وإدارة حوار، وبناء إنسان، فلماذا تخاف كنيسة اليوم من صوت أبنائها؟
إن استحضار ما يطرحه إيشو سنحاريب مرقس في كتابه لا يجب أن يكون مجرد قراءة تاريخية، بل دعوة لإعادة النظر: في دور التعليم الكنسي، في مفهوم الهوية القومية، وفي طبيعة العلاقة بين الراعي والرعية لأن الهوية التي لا تُبنى على المعرفة، تتحول إلى شعار فارغ، والكنيسة التي لا تقبل الحوار، تفقد قدرتها على الاستمرار، مهما كان تاريخها عريقًا.
خلاصة نقدية قوية ما يكشفه كتاب كنيسة المشرق بين الكنيسة والهوية القومية لمؤلفه إيشو سنحارب مرقس هو أن تيموثاوس الأول لم يبنِي كنيسة فقط، بل بنى إنسانًا مثقفًا، ومن خلاله حفظ الهوية.
أما اليوم، فإن أي حديث عن الهوية دون بناء الإنسان والمعرفة، هو تكرار للتاريخ… لكن بشكل أضعف. اليوم ليست في غياب الحديث عن الهوية، بل في غياب الإنسان القادر على حملها. وهذا ما أدركه تيموثاوس الأول قبل أكثر من ألف عام، حين جعل من المعرفة والحوار أساسًا لبناء كنيسة حيّة وهوية راسخة، لا تخاف العقل ولا تخشى الاختلاف.
تيموثاوس الأول (780–823م)، بطريرك كنيسة المشرق.
كنيسة المشرق: بين الكنيسة والهوية القومية:المؤلف إيشو سنحاريب مرقس.