| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأثنين 29 / 6 / 2015 د. وهاب عبدالرزاق الجبوري كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الحرب العالمية الثانية بين ضرورات الانتصار وتناقضات المصالح الاستراتيجيةد. وهاب عبدالرزاق الجبوري
لقد تخللت الحرب العالمية الثانية الكثرة من النشاطات والمساعي بهدف كسبها والقضاء على النازية الهتلرية وحلفائها، فعقد الكثير من الاتفاقيات والمعاهدات وشكلت الاحلاف وصفقات التعاون الثنائي والاوسع من اجل تحقيق الهدف المشترك. منها الصلات التي ربطت بين الدول المناهضة للتحالف النازي - الفاشي. فلم تقتصر الاجتماعات العديدة بين الزعيم السوفياتي ستالين والرئيس الأمريكي روزفلت و رئيس الوزراء البريطاني تشرشل على سير العمليات الحربية في جبهات القتال و سبل مواجهة تمدد القوات النازية و كيفية الحاق الهزيمة بها، بل و تناولت ايضا بعض التدابير السياسية الواجب اتخاذها لمواجهة فترة ما بعد الحرب. فمن بين الموضوعات الهامة التي جرت مناقشتها كانت مسألة تأسيس هيئة دولية تعني بتنظيم العلاقات المختلفة بين دول العالم ألا وهي هيئة الأمم المتحدة.
هنالك أمور كثيرة لم تفصح عنها اللقاءات المذكورة وخاصة ما يتعلق بالنوايا الخفية لبعض أطرافها. فكانا الزعيمان روزفلت وستالين نصيرين لتسوية شاملة للعلاقات الدولية. اما تشرشل فكان متحفظا على هذا النهج، ولم يكن متحمسا لمواصلة التحالف والتعاون مستقبلا مع النظام الاشتراكي السوفياتي بعد انتهاء الحرب. فلقد شكك تشرشل في جدوى تأسيس منظمة جديدة - منظمة الأمم المتحدة، لتكون خليفة لعصبة الأمم بعد فشلها بأداء مهامها لاسباب معروفة لسنا بصدد التطرق اليها الان. ان المنظمة الجديدة المنوي تشكيلها كان عليها تعزيز العلاقات بين مختلف الدول والشعوب وتعمل على استتباب السلام والامن الدوليين وحل النزاعات إن نشبت وفقا لقواعد و نصوص القانون الدولي. ولم تقتصر شكوك تشرشل على ما يضمره الزعيم السوفياتي بل وكذلك بنوايا الرئيس الأمريكي روزفلت، حيث ظن ان من وراء فكرة تأسيس منظمة اممية هو عزل بريطانيا دوليا.
ومن الأهداف الغير معلنة، والتي أراد تشرشل من ورائها اضعاف دور الاتحاد السوفياتي وعزله دوليا، هو معارضته لفتح جبهة حرب ثانية في اوربا. فلقد ظل الاتحاد السوفياتي يقاتل لوحدة القوات الهتلرية والإيطالية والرومانية وغيرهم من الذين حاربوا تحت راية العداء للاتحاد السوفياتي على امتداد جبهة واسعة ولفترة طويلة، مما تسبب في تقديم تضحيات مادية وبشرية كبيرة جدا. لذا طالب ستالين حلفائه بفتح جبهة أخرى في غرب اوربا لتخفيف الضغط عن الجبهة السوفياتية، إلا أن تشرشل ماطل طويلا في ذلك و اصر على تأجيل عملية إنزال القوات الامريكية و البريطانية في فرنسا، المحتلة في هذا الوقت من قبل القوات الألمانية. و من المناسب هنا الإشارة الى احد اللقاءات الحاصلة بين الزعماء الثلاثة حول فتح الجبهة الثانية مع الالمان، ففي اللقاء المذكور كان الوضع في قاعة الاجتماع متأزماً للغاية مما دفع بستالين الى النهوض من مقعده و قال متهكما عندما وجه كلامه الى الوفد السوفياتي المرافق له : " تنتظرنا اعمال كثيرة ولا نريد ان يمر وقتنا سداً، مع شعوري الكبير كوننا لن نستفيد شيئاً من بقاءنا هنا" فمرت لحظات مشحونة باليأس والقلق، مما حدا بتشرشل بالتراجع عن موقفه.
لم تتوقف مساعي تشرشل للتخلي عن تعهداته امام السوفيات عن هذا الحد، بل واصل جهوده لجر الرئيس الأمريكي لتبني مواقفه واتخاذ مواقف ثنائية مشتركة وتشكيل جبهة غير معلنة داخل جبهة الحلفاء للوقوف ضد النفوذ الشيوعي اعقاب الحرب. ولذلك قام بإقناع الرئيس الأمريكي روزفلت بإنزال قوات بريطانية – أمريكية في شمال افريقيا لمقاتلة الالمان بدلا من الجبهة الاوربية الجديدة. وهذا ما حدث، على الرغم من ان الاسطول الحربي الأمريكي، في ذلك الوقت، خاض حربا مع الاسطول الحربي الياباني. وبالنتيجة لم ينفذ الحلفاء تعهداتهم بفتح الجبهة الثانية في اوربا في الموعد المتفق عليه سعيا منهم لإضعاف الحليف – العدو الشيوعي أثر مواصلة حربه مع هتلر وحلفاءه.
بقيت الجبهة الثانية، على الرغم من تعهدات تشرشل و روزفلت، على حالها في عامي 1942 و 1943 . وظل الجيش الأحمر السوفياتي يقاتل الالمان لوحده باصرار بطولي و بتضحيات كبيرة حتى حرر كامل أراضيه من دنس القوات النازية. وشكل دخول القوات السوفياتية في 13 كانون الثاني 1944 الى بولندا لتحريرها من الجيوش الهتلرية مفاجأة كبيرة افزعت الامريكان والبريطانيين على السواء. لذا هرعوا مضطرين الى فتح الجبهة الثانية في 6 حزيران 1944 للحد من المد الشيوعي ووقوع كامل اوربا تحت سيطرة الاتحاد السوفياتي.
خلال الفترة التي حارب فيها الجيش الأحمر بمفرده ضد الالمان في اوربا (1941 – 1944) كان ستالين يدرك الأسباب الحقيقية الكامنة وراء المماطلات الامريكية – البريطانية لتلافي فتح الجبهة الثانية. لذا اعد ستالين رسالة الى تشرشل يحذره فيها من مغبة ذلك. فارسل طائرة خاصة من موسكو الى لندن تنقل رسالة غريبة. بعد ان فتحها لم يجد تشرشل أي شيئ مكتوب فيها، فاستدار الى الحاضرين الجالسين ممن كان جالسا معه في الغرفة، الذين كانوا متلهفين و متسائلين عما ارسله ستالين قائلا "ستالين يقصد الكثير في هذه الرسالة". فهي عبارة عن صورة متوسطة الحجم لشخص ستالين نفسه.
لقد حارب الامريكان في الشرق اليابانيين، و حارب البريطانيون في شمال افريقيا الالمان، ولكنهم لم يدخلوا الحرب مع الالمان في اوربا – الجبهة الكبيرة و الأساسية. الا انهم فتحوا جبهة الحرب الثانية في 6/ 6 / 1944 في عملية الانزال الشهير في النورماندي على الأراضي الفرنسية. و استمر ذلك حتى يوم الانتصار على النازية في 9/ 5 / 1945. و جدير بالذكر ان الجيوش الامريكية و البريطانية خاضت الحرب على الجبهة الاوربية على إمتداد 12 شهرا من 6/6/1944 و حتى 9/5/1945 يوم النصر، في حين قاتل السوفيات الالمان على امتداد 47 شهرا بدءً من 22/ 6 / 1941، يوم دخول الالمان الى الاراضي السوفياتية، ولغاية دخول الجيش الاحمر برلين و تحريرها و اسقاط الحكم النازي و رفع راية النصر الحمراء فوق بناية الرايشتاغ في أيار 1945.
و طالما نحن بصدد علاقات الزعماء الثلاثة، اثناء الحرب العالمية الثانية، فمن المفيد التذكير بما جرى في لقاء طهران في 30/ 11/ 1943. فحين وصل كل من روزفلت و تشرشل الى طهران، تخلف ستالين عن ذلك، و ظل جمع غفير من الصحفيين و مراسلي وكالات الانباء بانتظار قدومه. ولكن اتضح فيما بعد بانه كان موجودا داخل السفارة السوفياتية، التي وصلها سرا، وذلك بعد حصول المخابرات السوفياتية معلومات عن تنظيم محاولة اغتيال للزعماء الثلاثة قامت بتدبيرها المخابرات الألمانية، اثناء انعقاد مؤتمر طهران، بواسطة شخص انتحل مهنة الصحفي، بمسدس مخبأ داخل الة التصوير. وأخر يدخل السفارة البريطانية، حيث يعقد المؤتمر، عن طريق قنوات تصريف المياه. ويعود الفضل للمخابرات السوفياتية بإفشال هذه الخطة وانقاذ القادة الثلاث.
اثناء فترة انعقاد مؤتمر طهران، جرى الاحتفال بعيد ميلاد تشرشل. وبهذا الصدد رفعت انخاب كثيرة، غير ان نخبا واحدا امتاز عن غيره، رفعه الرئيس الأمريكي روزفلت جاء فيه" في الوقت الذي نحتفل بعيد ميلاد رئيس وزراء بريطانيا، لا يزال الجيش الأحمر يسحق الجحافل الألمانية. فلنرفع نخب نجاح السلاح السوفياتي"......الضاهر عندهم المجاملات في الاتيكيت الدبلوماسي لا بد منها و عدمها جريمة لا تغتفر، اما تاخير فتح الجبهة الثانية، التي كانت السبب باستشهاد الملايين من العسكريين و المدنيين السوفيات هي مسألة فيها نظر!!!!
* لقبوا بالثالوث الكبير او العظيم من قبل الصحفيين اثناء الحرب العالمية الثانية: الزعيم السوفياتي يوسف فيساريونوفج ستالين (1879 – 1953 )، و رئيس الولايات المتحدة الامريكية فرانكلين روزفلت (1882 – 1945 )، و رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشيل (1874 – 1965 ).
** بعد تحرير بولندا شاركت وحدات عسكرية بولندية من الجيش البولندي و من المتطوعين لمقاتلة المانيا النازية الى جانب الجيش السوفياتي. )