| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأثنين 7 / 9 / 2026 يونس عاشور كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
في الحاجة الى مبدأ التجارب والخبرات التراكمية..!
يونس عاشور *
(موقع الناس)نستلهم تجاربنا ممن هم في مقام الخبرة والتجربة والمعرفة التي تسدي لصاحبها التوضيح والتصحيح عن ماهية إجراء أو اتخاذ الخطوات والخطاطات اللازمة لإنجاز الأعمال الحياتية على أساس المصدر الملهم والمرجع الساهم الذي يمدنا بتوجيهاته السامية ومن ثمةَ العمل على تنفيذ الموضوعات والمشروعات المختلفة، وبالطبع إنّ ذلك يخضع وقبل كل شيء إلى استنتاج نظريات أو فرضيات عملانية من خلال إعمال التفكير في الشيء واستيعاب حيثياته وأبعاده وتحولاته لأجل الانطلاق والاشتغال عليه سواءً كانت سياسية أو اقتصاديه او اجتماعية أو ثقافية ...الخ ، ومن المقتضى في هذا السياق هو تهيئة الأرضية الخصبة - القاعدة - للوصول الى النتائج المرجوّة، ومن هذا المنطلق نحن بحاجة الى مبدأ أساسي هو ممارسة التجارب والخبرات في هذا المسار للوصول الى نظريات تقنية وتصورات مهنية جديدة نبني عليها تطبيقات علمية وعملية، والممارسة هُنا هي فن اكتساب واحراز لمفاهيم وأساليب وطرائق نقوم بها من أجل ترجمتها على أرض الواقع وبالتالي نكون قد أنجزنا شيئا ما ينطلق من منطلقات أولية وتكاملية يفضي الى نتائج سليمة من خلال دراسات وخطوات ميدانية مسبقة التطبيق قد افضت الى صيغ ومعادلات انتهت بالصيرورة الاكتسابية Acquisitive والتي هي احدى العلل والأسباب لتهيئة مفهوم المهارة والأهلية ذي الطابع الدينامي التحولي الذي يقوم به الشخص من فهم ودراسة للمشروعات على أساس المدخلات والمخرجات فالبيانات قد تتغير بناءً على الواقع المعطى، والظروف والعوامل هي الأخرى تتغير من هنا يأتي دور التجارب والخبرات كمصدر فاعل يقوم بالتأثير على التغيرات مما يدفع بها نحو الصياغة وإعادة الإنتاج والموائمة والانسجام حتى التهيؤ المطلوب.
إن الرصد النظري يتم من خلال سيرورة التجريب إلى القيام بالصياغة التطبيقية والتنظيم وهو ما يُسمى بالانتقال من الحالة العشوائية الى الممارسة الحقيقية والغائية لأنها مبعث التطور المهني القائم على التصنيف والتنظيم والتبويب، وكلما كانت عملية التجارب والخبرات خاضعة للغربلة والمعالجة كانت النتائج مرجوّة على صعيد الاتصال والفاعلية والتقدم فمن خلال ذلك يسهل عملية استرجاع المعلومات والبيانات والتطبيقات بمختلف أنواعها ومسمياتها التقنية مما يكون للحلول جاهزية ناجزة على صعيد التنفيذ والتقرير.
إن التطور الإنساني وفي أي مجال كان لا يتأتى الا من خلال ممارسة مبدأ التجارب والخبرات التراكمية وبدونها يكون العمل ناقصاً حيث انها تضفي نوعاً من أنواع التقنيات المهنية والأساليب الفنية التي تتخذ صفة تكاملية المشروعات بنجاح وانجاز فنجاح المؤسسات والقيادات وغيرها انما تعتمد فيما تعتمد عليه هو اكتساب تجربة ناجحة من خلال قراءة سيرة فذة أو تجارب مجتمعات ناجحة أو أمم متقدمة قد أعطت عن واقعها صوراً حضارية وعلمية مختلفة كان لها التأثير البشري على المشهد الإنساني والحضاري كل ذلك نتيجة تراكمات معرفية ومحصلات علمية واعدة، فالقيادة الناجحة التي قد صقلت شخصيتها على أساس المواقف المختلفة في عملية تنمية المهارات وكيفية تنفيذ واكتساب القرارات الناجحة في المجال العملي وخاصةً فيما يتعلق بالمسائل المصيرية كمواجهة الأزمات أو الكوارث إنما ذلك يحتاج الى موقف ومبدأ وعمليات متسارعة كشخصية عملانية تستطيع أن تقدم الحلول وتعالج القضايا بأسرع وقت ممكن وذلك عندما تتمتع بنوع من المرونة في كيفية اتخاذ القرار ومعالجة الازمة بروح معرفية وخبراتية على أساس منهج المثقف العضوي الفاعل والمنتج للنظريات والفرضيات الذي قد اكتسبها من خلال تجاربه وخبراته السابقة التي يكون لها التأثير التام على الواقع الحياتي والاجتماعي يمكن لنا ان نعتمد في ذلك على مفهوم صقل الشخصية وتنميتها بمهارات تدريبية وقيادية تمكنها من القيام نحو كيفية ممارسة الشيء لاتخاذ الاجراء اللازم حياله او حيال أي معضلة نواجهها على الصعيد الحياتي والانساني وذلك يتعلق أيضا باختيار القيادات الفاعلة التي يكون لها الخبرة الكافية في كيفية إدارة شؤون الحياة وهذه هي النخبة او النخب التي يعتمد عليها لأنها تتمتع بمهارات عالية وخبرات متتالية وتجارب ذات فعالية ناجعة تعمل عملها وتؤثر في المخرجات النهائية وهي الإنجاز والنجاح التام الذي يتطلع الى الفرد والمجتمع.
صحيح نحن نحتاج الى تجارب وخبرات ولكن نحتاج الى تلك التجارب والخبرات المبنية على مفهوم التراكمية والنوعية من خلال المصادر والمراجع والقراءات النظرية المختلفة ومحاولة التعرف على اصاحبها الناجحون الذي هم في مستوى متقدم من العلم والمعرفة.
مفهوم التراكمية هو مفهوم حسابي ورياضي بمعنى إضفاء الأجزاء أو النتائج بعضها الى بعض ليصبح المجموع في نمو وزيادة وتدفق نحو التكاثر والتوليد المعرفي وبالطبع يكمن ذلك في مجال الأعمال المختلفة إن نحن مارسنا ذلك تجلت لنا أمور كثيرة اكتشفنا من خلالها المعادلات والتوازنات أو التجاذبات والتمايزات.
إن أكثر الأخطاء التي نمارسها أو تنتج لنا إنما هي وليدة النقص بمعنى افتقادها الى المصدر والمعالجة والتطابق حيث انها تتكرر باستمرار وفي جميع المجالات نتيجة لعدم الرجوع الى نماذج ناجحة في الحياة وبالطبع إن تلك الأخطاء لم تكن تحصل لو لا انها استمدت انطلاقتها من التجارب والخبرات السابقة ذات المسارات والغايات التراكمية الناجحة في مجال الحياة العملية.
نحتاج الى منهج يفي بالغرض على شاكلة " إدارة الأخطاء" فمن المقتضى أن يكون هذا محط دراسة وتخصص لكيفية معالجة الأخطاء ودراستها على أصولها واكتشاف نقاط الضعف لها لكي يتمكن الانسان من التجاوز والوصول الى النجاح وقطع حالة الانتكاس التي ربما قد تحدث نتيجة لمصالح ذاتية او أخطاء بشرية يقوم بها الانسان نتيجة لجهلة وعدم معرفته بالشيء، وهنا يأتي دور التجارب والخبرات لمعالجة هذه الأخطاء من خلال دراستها وتشخيصها ومعرفة الخلل والعطل وأين تكمن الأزمات فعندما تتوفر لدى الانسان معرفة بأخطائه آنئذٍ يبني على الشيء بمقتضاه من قبيل استدعاء مفهوم التجارب والخبرات التراكمية للخروج من المأزق الذي قد يقع فيه الانسان نتيجة للحسابات الخاطئة.
إن الفشل والخطأ يجب أن يتحول الى فرصة للتعلم والاستفادة من السلبيات التي تنتج عنه وذلك عندما نكتشف تقييم النتائج والمخرجات بالطبع إن ذلك كما قلنا إنما يعتمد أيضا على إيجاد تخصصات في دراسة إدارة الخطأ لمعالجة الخلل والعطل الذي قد نتج عنه، وكما هو معروف ليس هناك من إنسان لا يخطأ أو لا يفشل وإنما الموضوع هو إيجاد الدراسة ومراقبة الانسان ومعالجة أخطاءه عبر الاستفادة من الإمكانيات الموجودة لدى المؤسسات والمراكز التدريبية والتعليمية التي تعنى بشأن دراسة ظاهرة الأخطاء الشخصية والاجتماعية ومن ثمةَ الدفع بهذا الانسان الى تطوير مهاراته وقدراته الذاتية والتعليمية والأخلاقية قبل كل شيء.
المشكل في الموضوع هو أن يبقى الانسان اسيراً لأخطائه المتتالية والمتتابعة بحيث يكون تأثيرها على بقية الافراد والمجتمعات وخاصة إذا كان في موقع المسؤولية التي تتعلق بشؤون الناس مثلاً حيث أن الأخطاء التي يرتكبها الانسان تؤثر على بقية الاخرين من بني جنسه نتيجة لعدم مؤهلاته وتجاربه وخبراته الضعيفة، من هنا يقتضي الالتفات الى أهمية وضع الانسان في المكان المناسب حتى يتمكن من إدارة الأمور بشكل فني يرتكز على مبدأ التجارب والخبرات التراكمية.
* كاتب وأكاديمي فلسفي