| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأثنين 10/11/ 2008

 

ستراتيجية الاجتثاث والتفتيت الامريكية في العراق

محمد فاضل نعمة *
Mfn1968@yahoo.com

الاجتثاث والتفتيت ليست مفردة مستحدثة أقحمت على القاموس السياسي والاجتماعي العراقي بعد الاحتلال الأمريكي حسب بل هي فلسفة تغيير مبرمجة ومدروسة أطلقها المحتل على لسان برايمر وتبنتها العديد من الكتل السياسية النافذة ومنهم تسربت إلى نخبهم وجماهيرهم دون فهم وادراك لمعانيها الحقيقية، حتى أصبحت اليوم من أشهر المفردات المتداولة قولا وفعلا ،والتي استهدفت الانسان العراقي فكرا وكيانا ودعمت بأسس تشريعية وتمويلات مالية ضخمة وخطط ستراتيجية، كتبت واقرت في واشنطن ونفذت من قبل القيادات الميدانية للاحتلال في العراق ..ابتدأت بإصدار قانون ضبابي لاجتثاث البعث وأسس لذلك هيئة وطنية عليا حددت مهامها بإجتثاث فكر البعث ورموزه من العراق ، ولكن التساؤل الذي يطرح.. كيف يمكن تحديد الفكر ومعاييره وما هي سمات المفكر المشمول بالقانون؟ وهل للبعث أصلا فكر يجتث أم انه لم يكن سوى مرحلة حكم فردي عكست سلوكيات حاكم متهور..أسئلة لم يجب عنها القانون..
وترك التطبيق لاجتهاد مجموعة أفراد تحركهم دوافع الانتقام وحب الاجتثاث.. ولكن لمن؟ لقد أمتد تأثير قرارات الاجتثاث على مواطنين عاديين من قواعد التنظيم أو من صغار منتسبي الأجهزة الأمنية والجيش العراقي السابق فأصبحوا على حين غرة هم وعوائلهم وتعدادهم مئات الالوف خارج الزمن عاطلين ومتضررين اقتصاديا منبوذين من السلطة الجديدة ومهددين بالتصفية والاستبعاد ،لقد استطاعت السلطة وفقا لفلسفة الاجتثاث الأمريكية أن تخلق اعداءا لم تكن لتصنعهم في عشرات السنين من حيث العدد ومستوى الكره الذي يحركهم في وقت كانت بأمس الحاجة إلى التكاتف الوطني ورص الصفوف من خلفها..أما قيادات الدولة والحزب المنحل على قلتهم أما مقيمين بترف خارج العراق وتربطهم علاقات اقتصادية مع العديد من عناصر الحكومة الحالية أو اندمجوا في العملية السياسية في إطار الكتل أو التشكيلات الحكومية رغم انف قانون الاجتثاث .
إننا بهذا لا ندافع عن جرائم النظام السابق لان أنصاف المظلوم لا يتحقق بظلم آخر يرتب مظلومية جديدة ويؤسس في القاموس السياسي العراقي الجديد لظاهرة الإقصاء والإقصاء المضاد ليجعل المجتمع يدور في حلقة مفرغة من الانتقام والانتقام المضاد...إن ما يحفظ حقوق المظلومين والمتضررين من حقبة النظام السابق هو محاكمة المجرمين الحقيقيين الذين يثبت قيامهم بجرائم ضد المجتمع من خلال هيئة قضائية محترمة تعبر عن واقع التغيير في الثقافة الاجتماعية العراقية يحق لكل من تضرر تقديم شكوى إليها وفقا للأصول القانونية المرعية...
وكان القرار الثاني لدعم ستراتيجية الاجتثاث والتفتيت حل الجيش العراقي وهياكل ومنتسبي الأجهزة الأمنية، وتدمير البنى التحتية لمؤسسات الدولة ساهم بخلق فراغ امني خطير استشرت على إثره ظاهرة الجريمة المنظمة التي أخذت تجتث الإنسان العراقي يوميا وبوتيرة متصاعدة من حيث العدد أو الأداء .. ليشهد العراق أضخم هجرة جماعية إلى خارج القطر للكفاءات العلمية ورؤوس الأموال بشكل ساهم في زيادة الأعباء الاقتصادية والخدماتية وزاد من حدة ظاهرة البطالة المولدة بدورها لظاهرة الجريمة ،اضافة الى التداعيات الخطيرة على الامن الوطني العراقي بعد ان تركت جميع منافذه وحدوده مفتوحة لفترة غير قصيرة لكل من هب ودب من قوى الجوار الاقليمي لتصفية حسابات قديمة او فرض استحقاقات جديدة.
وعلى محور آخر دعم المحتل ستراتيجيته بشكل مباشر او غير مباشر في تعزيز وتهيئة الظروف الملائمة لدعم القوى الاصولية المتطرفة المسلحة وتنشيط عملهم لاستغلالهم كذريعة للبقاء وتنفيذ خططه الاستثنائية في الظروف الاستثنائية حيث دخل العراق بعد الاحتلال آلاف المقاتلين العرب والأجانب من صنائع المخابرات الأمريكية من بقايا مغامراتهم في أفغانستان والشيشان وباكستان والذين يتم تمويلهم بسخاء من دول حليفة للولايات المتحدة، ، استطاع هؤلاء المقاتلين وعبر 90%من عملياتهم من اجتثاث آلاف العراقيين من خلال عمليات عسكرية واسعة عشوائية استطاعت أن تشل حركة الشارع وتساهم في زيادة الأعباء الحياتية للمواطن العادي بحجة مناهضة المحتل، لقد استطاع هؤلاء المسلحين الاصوليين خلال فترة قياسية وبنجاح منقطع النظير تدمير الصورة التقليدية للإسلام الأخلاقي في وسائل الإعلام ليحل محلها صورة الإسلام المرتبط بظاهرة قطع الرؤوس أمام شاشات التلفزيون المقترنة بالتكبير والصلاة على النبي ، وما زالوا مستمرين بفعالياتهم الاجتثاثية...
وفي توجه آخر للمحتل لتثبيت ستراتيجية الاجتثاث والتفتيت عزز من دور الأحزاب الانفصالية الكردية ومليشياتها التي سارعت إلى اجتثاث العناصر العربية في المحافظات المحاذية للمدن الكردية في مسعى لتكريد هذه المناطق بحجة تعريبها سابقا وقد هجر قسرا أو تعرض للتصفية والتنكيل العديد من العوائل العربية القاطنة في هذه المناطق على أيدي قوات البشمركة بشكل مباشر أو غير مباشر كما ساهمت هذه المليشيات بدور بارز في تصعيد الأوضاع الأمنية في مدينة كركوك والموصل للحصول على مكاسب سياسية سريعة ، وهي بذلك تساهم عن دراية او جهل في التهيئة المستقبلية القريبة لبروز صراع عربي – كردي يحصد ارواح جديدة ويستنزف موارد اقتصادية هامة لحياة المواطن ...
اما اهم الجوانب واكثرها دراماتيكية في ستراتيجية الاجتثاث والتفتيت الامريكية هي محاولات خلق فتنة طائفية ،من خلال خلق واقع اجتماعي وسياسي غير متوازن لاثارة مخاوف المكونات الرئيسة للمجتمع من بعضها البعض ومن ثم تحريك هذه المخاوف لادارة الصراع الداخلي ، حيث استطاعت العملية الديمقراطية التي رعاها الأمريكان من بروز هيمنه واسعة للأحزاب الدينية الشيعية على المسرح السياسي العراقي ومفاصل الدولة بحكم الواقع السكاني ووتم تصديرهم في واجهة الاحداث بشكل متعمد للقيام بعمليات اجتثاث و تصفية واسعة للعناصر السابقة في الدولة أو الحزب لتحل محلها كوادر موالية لهم ، اعتبرتها قيادات السنة موجهة لهم لتجريدهم من امتيازاتهم التقليدية التي تمتعوا بها إبان حكم النظام السابق مما دفع غالبية جمهورهم الى تاييد الجماعات الاصولية المسلحة كرد فعل مضاد ، وعلى الجانب الاخر مارست قوات الاحتلال سياسة التغاضي والتساهل في تشكيل العديد من المليشيات المدعومة من قبل دولة مجاورة لضمان عملية الصراع وديمومته ، ولم يكن من الصعوبة ايجاد مبررات للصدام في مجتمع مسلح عزز تسليحه ، وفقدت اطرافه الاجتماعية الرئيسة الثقة فيما بينها ، لتنشب على اثرها اسوء مراحل السيناريو الامريكي للعراق عندما اخذ ابناء البلد الواحد يقتلون بعضهم البعض على الهوية بسبب الاسم او اللقب او المنطقة السكنية ، وكان من نتائجها اجتثاث ارواح بريئة اكثر كما تشير بعض المصادر من ضحايا العمليات الحربية عام 2003 ، وتصاحب معها اكبر عمليات نزوح شهدها العراق في تاريخه داخل وخارج العراق لملايين من المواطنين ، وبالطبع لم تسلم اماكن العبادة او المراقد الدينية لمختلف الديانات والطوائف من هذه الهستيريا العبثية.

وما يطرح من تساؤل، هل استطاعت قوى الاحتلال ان تجعل من الإنسان العراقي بغض النظر عن طائفته وقوميته، هذا الفقير العاطل الباحث عن لقمة القوت اليومي الذي يحلم بمتطلبات بسيطة له ولعائلته جزءا من ستراتيجيتها للاجتثاث والتفتيت ، تحركه وفقا لرغباتها ومصالحها في المنطقة؟ وهل تاخر الوقت للرجوع الى الوراء للبحث عن المصلحة الوطنية العراقية؟ حتما إن الغالبية العظمى من العراقيين اليوم يدركون إن هذه الحرب ليست حربهم بل هي نتاج أجندات مصالح لقوى كبرى اغلب مصادرها خارج الحدود توافقت مع مصالح بعض تجار الماسي والحروب في الداخل، تريد أن تجعل من أبنائنا حطب ومن أرضنا محرقة لتمرير مصالحهم المتضاربة، بدعم من دول الجوار الاقليمي وهذا مؤشر ايجابي تدعمه المتغيرات خلال الاشهر الاخيرة في جانبين اولهما الصحوة التي انتابت المجتمع العراقي في العديد من مناطق العراق وانقلابهم ورفضهم للمنهج المنحرف الذي حاولت المجاميع المسلحة فرضه على المجتمع وسط وجنوب العراق ، وثانيهما التحسن الملحوظ في قدرات الدولة وعلى الاخص الامنية منها بعد تسلم المهام الامنية في عدة محافظات وزيادة الوعي السياسي لدى المواطن العادي وبعض القيادات السياسية والتي عبرت عن رفضها لكل قيم المحاصصة الطائفية والقومية المقيتة، وهذه المتغيرات في جملتها منحت القوى الوطنية املا جديدا في الاصلاح...
ولكن يبقى التساؤل قائما حول اهداف هذه الستراتيجية ؟الاجابة تتمحور حول هدفين أساسيين أولهما تفتيت العراق إلى كانتونات طائفية و قومية ترتبط بمركز ضعيف يهيمن عليها أصدقاء الولايات المتحدة أو المحتاجين لدعمها في بيئة متوترة والهدف الثاني الإبقاء على التواجد الأمريكي في العراق لأطول فترة ممكنة من خلال اكتساب الشرعية الدولية باعتباره العامل الموازن في البيئة غير المنضبطة أما المصالح التي سيجنيها المحتل من هذين الهدفين فهي معروفة لأغلب العراقيين والمتمثلة في امن إسرائيل والتوسع الإمبراطوري الأمريكي والهيمنة على المقدرات الاقتصادية لاغنى مناطق العالم ، المشكلة الحقيقية في هذه المعادلة انسياق بعض العراقيين لتنفيذ هذا المخطط بشكل واعي يمثلهم المستفيدين الجدد من واقع التغيير للحصول على اكبر مكاسب شخصية أو فئوية وبشكل غير واعي أولائك المغرر بهم والمخدوعين بالشعارات البراقة الطائفية منها والقومية وبالناتج النهائي هم يمثلون حطب هذه الحرب التي سيسلبون فيها الناقة والجمل .. ولن يفيدهم الندم عندما نصل نقطة اللاتراجع، لا سامح الله.

إن الأمل بإيقاف نزيف الدم والتداعي الشامل لن يعبر المحيط الاطلسي قادما من الولايات المتحدة ،أو إحدى قاعات المجموعة الأوربية ، بل الثقل الأكبر يقع على عاتق النخب الاجتماعية والسياسية الوطنية العراقية الواعية لخلق آليات تحصين اجتماعي بمخطط المحتل، واستبعاد العناصر الفوضوية غير المنظمة التي تصدت في غفلة من الزمن لقيادة الجماهير وصولا لتشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية معتدلة و قوية ومحترمة في بيئتها الداخلية وأطرها الإقليمية والدولية ، تهيئ لجدولة انسحاب القوات الأجنبية و تحمل على عاتقها تفعيل المشروع الحضاري العراقي بكل تاريخه وعوامل قوته، قادرة على تحجيم كل النزعات الطائفية والقومية التي يزخر بها مجتمعنا اليوم ،التي تعبر عن مفهوم التجزئة والتفتيت وتعزيز حالة التنوع الثقافي والاجتماعي البعيد عن مفاهيم الاجتثاث والإقصاء والتهميش المفضي إلى اغناء التجربة العراقية القادرة على صهر الإنسان العراقي في بودقة المفهوم الوطني العراقي الجديد .


*
باحث وأكاديمي
 

free web counter

 

أرشيف المقالات