| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الخميس 10/1/ 2008



ما أغرب حريتنا وأقساها!!

ضياء الجنابي

لا نأتي بجديد إذا قلنا إن حاجة الحرية للماء والهواء النقي ومقومات الحياة الأخرى أمر لا مندوحة منه، ضمن صيرورة زمكانية معلومة. ومما لاشك فيه أن هذه المقومات تعد بمثابة الروح التي تمد جسد الحرية بالحيوية المطلوبة في سياق مفهومها المطلق وتضفي عليها طابع الديمومة لتجعلها قريبة من رحاب التحقق المنشود.
ولكن ياترى ماهي مديات تحقق الحرية في حياة المجتمع العراقي؟
لاسيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار واقعنا المعقد الذي يعج بالمتناقضات والمنغصات والكوابح للحد الذي تبدو الحرية فيه عندنا لا تشبه حريات الدنيا قاطبة. فهي عارية الكينونة إذا جاز التعبير باستثناء لحم المخيلة، وتقف منهكة أمام سلسلة الحروب المتلاحقة والأزمات المتداخلة والخوف المركب والمهاجر المتشظية.
فالإنسان العراقي يقترح لنفسه أشكالا معقدة وغرائبية للعيش والبقاء وسط كل المناطق الداكنة والساخنة التي تختلط فيها جغرافية الرغبة مع ديموغرافية الضجر في الإقامة تحت مظلة البارود والدخان.
وكيف نتصور الأمر إذا كان العراقي يبحث عن جثث أحبائه إذا افتقدهم يوما أو بعض يوم في أكوام القمامة أو منحدرات الأنهار والجداول أو في المناطق المتروكة من قاموس الحياة.
ولاشك أن القاع الحقيقي للحرية في العراق أصبح أشبه بالمجاز الجزافي الذي اتسعت أمامه المهجورات وكائناتها المحكومة بالجفاف الرؤيوي والصيهود الذهني.
الفهم البدائي للحرية أصبح أكثر استعدادا لممارسة المحسوس والتعاطي مع عفونة الأمكنة في الدهاليز المظلمة والأقبية الموبوءة بالعتمة والمواخير النتنة والزنازين الموصودة، والجبهات الهلامية الملتهبة ومراثي الجسد الطاعن بالخدوش والوجه المتغضن بالألم.
إنها الأظافر الليلية التي تكشف عن اللذة الغائبة وربما العاطلة تحت ملايين الشفرات السرية للموت والوجع وطقوس الرصاص وأدوات التعذيب التي تسبق الذبح من جهة، ومن جهة أخرى ضيق فسحة العيش والخبز الأسود وبطاقات التموين التي تتساقط مفرداتها كتساقط أوراق الخريف شهرا بعد آخر ناهيك عن كوبونات النفط والغاز والأزمات المستديمة للبنزين ومسلسل التفجيرات التي ليس لها خارطة واضحة ولاتعرف أهدافا محددة، مع دراماتيكية السيارات المفخخة التي لا تميز بين محتل أو بن بلد مغلوب على أمره يبذل كامل طاقاته لتوفير لقمة العيش لعائلته المحرومة من أبسط مسلمات الحياة.
أما الفهم المعلب والمستورد بمقاسات مغايرة للواقع ووفق حاجة مفترضة أكثر مما هي مطلوبة، تكون الحرية فيه مفرغة المحتوى والقالب. أو في أحسن أحوالها نكون نحن الغرباء عنها ولا خلاق لنا بها، كثمار الغابات البرية المحتشدة بشكل جنوني والمكدسة على بعضها والتي يحاصرها الذبول في مواسم الينع.
الدم الطازج والعبيط ليس صالحا للعبة النسغ الصاعد والنسغ النازل والإرهاب أو الإرعاب بتعبير أدق وسيلة يمقتها حتى "ميكافيلي" في تبريره للغاية.
فما أغرب حريتنا وما أقساها!! وهي تقحم في عوالمنا عنوة وتقتحمنا دون استئذان ودون أن نمهد لها المناخ المناسب في نفوسنا وواقعنا على حد سواء، وما أغرب إنساننا وهو يواجه منذ زمن ليس بالقصير غياب الكهرباء، والاطمئنان، والشبع، والابتسامة الغضة، ويجتر دون ذائقة سني عمره المغسولة بماء الخوف.

 

Counters

 

أرشيف المقالات