| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

السبت 10/1/ 2009

 

مرحلة (ما بعد غزة)

موفق الرفاعي

من الصعب ان يكون للدبلوماسية العربية دور ولو كان بسيطا في وقف العدوان الاسرائيلي المستمر على الشعب العربي الفلسطيني في مدينة غزة، ذلك ان قوة القرار الدبلوماسي تتأتى من محصلة مجموع القوى التي تمتلكها سياسة الدولة او مجموع الدول المتحالفة، وهذا ما ليس متوفرا لدى الدبلوماسية العربية .

هذا على فرض ان الدبلوماسية العربية موجودة اصلا.. أي على فرض ان هناك تنسيقا وتوافقا على القرار ما بين الانظمة العربية مجتمعة، وكذلك رؤية موحدة الى الأزمة.

الحقيقة المؤلمة ان قرارا عربيا موحدا ليس متاحا حتى هذه اللحظة، فالأنظمة العربية مختلفة في تعاطيها مع ما يجري لمدينة غزة، بسبب وجهة نظر كل منها الى الحدث والى مسبباته، ولأول مرة تلتقي الأنظمة العربية على هدف واحد هو وقف العدوان الاسرائيلي، ولكن.. ففيما يرى البعض وقفه حالا ودون قيد او شرط كما هو مطلب حماس، ترى أنظمة اخرى ان يتم ذلك بعد ان يُقضى على حماس نهائيا باعتبارها المتسببة في هذه (الكارثة) ولأنها خارج ما يسمى الشرعية الفلسطينية.

ان التحدي الحقيقي للنظام العربي سيتجسد واضحا في (ما بعد غزة).. أي ما بعد انجلاء دخان المعركة وبغض النظر عن نتائج الصراع، حيث سيكون النظام العربي بأكمله وبتناقضاته امام ازمة وجود حقيقية، ليس امام الشعوب العربية وقواها السياسية المعارضة بل حتى في نظر القوى الإقليمية والدولية ذوات التأثير.

ستخشى إسرائيل من انكشافها على طوق من صحارى متشابهة وذات رمال متحركة قد تغير ليس من طبيعة الصراع فقط انما حتى من أساليبه، وان يتولد مثل هذا الشعور لدى كيان إسبارطي يرى نفسه محاصرا فمعناه اللجوء الى اخذ زمام المبادرة وربما حتى السعي الى محاولات التوسع من جديد وهذه المرة تحت مظلة دولية، فالذرائع متاحة وموجودة ولا داعي الى البحث عنها او اختلاقها. معنى هذا ان الاعتماد على النظام العربي في كبح جماح الحركات الراديكالية سيكون موضع مراجعة لدى صانع القرار الاسرائيلي .

كذلك على الأنظمة العربية عدم إغفال ما سيكون عليه الدور الإيراني والتركي بتوجهيهما الاسلامويين بعد انجلاء الموقف واستثماره لصالح استراتيجيتيهما. هذان اللاعبان القريبان جدا من بؤرة الصراع، وما يمتلكانه من اوراق هي محصلة امتداداتهما الثقافية في الداخل العربي لا بل وحتى في الذهنية العربية. اضافة الى محاولاتهما الدؤوب للابقاء على قرارهما المستقل بعيدا عن أي تأثير من أية قوة دولية او إقليمية يتقاطع ومصلحتهما القومية .

وفي ظل الانهيار الاقتصادي العالمي وتراجع سعر برميل النفط ومحاولات دول الاوبك (ترشيد) الانتاج، من المحتمل ان تتغير الكثير من سياسات واستراتيجيات الدول ذات التأثير في مناطق العالم ومنها منطقة الشرق الاوسط، وقد تكون نتائج الصراع الحالي في غزة بمثابة البوابة التي تنفتح على جحيم تبدلات المواقف من النظام العربي .

كل هذه الاحتمالات سوف تدفع في اتجاه تبدلات في المواقف من النظام العربي في مجمله ومن بعض الأنظمة العربية وبخاصة التقليدية منها .

ان ما يجري اليوم في العديد من البلدان العربية من قمع للتظاهرات ومن اعتقالات لبعض رموز الحركات الراديكالية التي تدعو وتنظم مثل تلك التظاهرات، او منع ذلك أصلا تحت طائلة قرارات تعتبر التظاهر استنكارا لما يجري من مجازر بحق الشعب الفلسطيني الأعزل في غزة نوع من التحريض، كل ذلك علاوة على انه يعد تجاوزا فجا على حق الإنسان في التعبير، فستكون له تداعيات خطيرة على النظام العربي شبيهة بتلك التداعيات التي حصلت لذات النظام في فترة الخمسينيات من القرن الماضي .

وقد يتبادر الى أذهان البعض عدم تأثر الأنظمة العربية حتى الان بنتائج ما جرى من احتلال للعراق. وسبب ذلك طبيعة العلاقة بين النظام السياسي العراقي السابق والأنظمة العربية الاخرى، وكذلك طبيعة الصراع في العراق والمختلفة تماما عنها في غزة، وبالرغم من هذا فان الوقت ما زال مبكرا على ظهور نتائج ذلك التغيير بسبب التداخلات الإقليمية الواضحة والمؤثرة التي أطالت في امد ظهور تلك النتائج وكذلك التباين في مواقف مكونات المجتمع العراقي ولكن حتما ان ذلك لن يمنع من ظهورها قريبا، اذ ستكون عاملا اخر يضاف الى نتائج ما بعد غزة.

وعودة الى البداية فان الدبلوماسية العربية اليوم مشلولة تماما أمام هول ما يجري في غزة بسبب تباين الرؤية العربية الى الحدث وبالتالي تشظي القرار العربي، ولن يكون بامكانها لا وقف العدوان ولا التخفيف من آثاره المستقبلية، هذا اذا سلمنا جدلا ان هناك قرارا عربيا وليس قرارات ونظاما عربيا وليس انظمة..





 

free web counter

 

أرشيف المقالات