| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الأربعاء 10/1/ 2007

 

أرشيف المقالات

 

الحزب الشيوعي العراقي
النبع الذي سيروي الظمأ


علي الســالم

رغم أني لم أجد في المقالات التي تتعرض من على صفحات الأنترنيت لتاريخ الحزب الشيوعي العراقي وسياساته، أية إضافة تذكر للأطروحات التي دأب البعض على تكرارها الممل، فأن تأطير تلك "الأراء" بعبارات الحرص على الحزب ومستقبله، وتوشيحها بشارات الألم على ما آل اليه من "ضعف"، والتأكيد على خلو النية من قصد الأساءة، أثار تساؤلي عن السر الذي جعل هذا الأمر سمة لمعظم ما يكتبه هؤلاء السادة، بعد أن كانت هكذا إطروحات أكثر وضوحاً في عدوانيتها وأقل حرصاً على ستر عورة ما تستهدفه!
ويمكن حسب رأيي، لأمور عديدة أن تفسر هذا "التجديد"، منها:
1. تطور قدرة الشيوعيين العراقيين على الأصغاء للأخر، بشكل أضاء دائرة الحوار الجاد الى الحد الذي لم يعد عصّياً معه التمييز بين من يختلف مع الشيوعيين في الرأي والأجتهاد، أو من لم يطّلع على مواقفهم، أو وصلته سياساتهم مبتورة وغير واضحة، وبين أيتام الظُلمة والظَلمة، القابضين على دراهم الأسياد والنافخين في أبواق التشويه، علها تنال من أبناء العراق البررة. وكي تختلط الأوراق، كان لهؤلاء أن يتشبهوا بأولئك، الأمر الذي يستلزم الدقة والحكمة والجدال بما هو أحسن، حتى يستبان الخيط الأبيض من الأسود، ويصبح حينها التعامل مع الأراء المأجورة بكل قسوة وإحتقار أمراً حسنا.
2. تزايد التأييد الشعبي للشيوعيين، حيث دأب العراقيون على تسميتهم بالوطنيين وبالمخلصين وبذوي الذمم النظيفة، وحيث صارت هويتهم المنقاة من دنس التعصب القومي والديني والطائفي، أبرز تعبير عن الهوية العراقية الحقة. وفي الوقت الذي عزز ذلك من قناعاتهم، جعلهم أكثر إدراكاً لترابط تقدمهم مع أغلى النصائح من أصدقاء همهم تعزيز المسار، ومع سعارأشد من الأعداء بغية ثنيهم عن التواصل!
لقد عاود الحزب نشاطه العلني في ظل خراب ثقافي واقتصادي شامل سببه الصداميون وأسيادهم، وتمثل في تشويه وعي الكثير من الناس وخاصة الشباب منهم ومسخ شخصيتهم وقتل قيم التحضر والتسامح والعدالة والجمال والخير فيهم وإبدالها بكل ما نضح عن الفكر الفاشي من شرور التخلف والأنانية والنفعية والجهل والتعصب. وكان لي أن رأيت شباباً لم يسمعوا بالجواهري ولا بعبد الجبار عبدالله ومحمود صبري وزينب ولم يقرأوا لفرمان، وكادوا يضنون بعقلي الضنون حين حدتثتهم عن الكفاح طوعاً وبدون مقابل مادي من أجل سعادة الأخرين.
وجاء الأحتلال، وقبله كان زلزال إنهيار المعسكر الشرقي، وجاءت الطائفية، لتشدد الخراب خراباً، ولتطرح تساؤلاً بدا بريئاً للوهلة الأولى، تساؤلاً أقلقني وأقلق غيري: ما الذي يحفز المرء على العمل في صفوف الحزب الشيوعي في هكذا واقع؟!
غير أن الرد، كان واضحاً وصريحاً. فالى جانب "الشيوخ" ، تواصل انتماء الشباب، ممهدين السبيل للآخرين رغم مخاطر الأرهاب وثقل الأحتلال ونيران الأحتراب الطائفي، لتتأكد الحقيقة في:
• أن الحزب الشيوعي العراقي هو النسيج الحي الضامن لوجود مكونات الشعب، والمدافع عن المساواة فيما بينها. إن هويته معّبر أساسي عن الهوية الوطنية التي يتزايد كل يوم عدد المريدين لأن تكون هي الأعلى!
• إن الوضع الشائك والمتعاظم الخطورة لا يواجه الا من خلال تشخيص ما يشهره من أسئلة ومن خلال البحث عن إجابات لها في النظر لا في النظرية فقط، في التوازن بين الممكن والطموح لا في قفزات قد تكسر الكاحل النحيل.. هذا ما يريده الناس وهذا ما يفسر سر إقبالهم على الحزب.
• إن مواجهة نتائج الزلزال الذي عصف بالتجربة التي كانت قائمة في الأتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية، تتطلب قراءة متأنية وجريئة لتلك النتائج، تجمع بين التخلي عن تنكب درع الحتمية التاريخية وبين رفض الطروحات الجزعة والمتخاذلة التي إتسقت مع ما طرحه العدو الطبقي وأنتقل أصحابها لخنادقه حاملين رايات الليبرالية السياسية والاقتصادية. وقد تطلبت هذه المواجهة تجديداً شاملاً، لقي دعماً واسعا من أعضاء الحزب وأعاد الى مسار الكفاح الكثيرمن المناضلين.
• إن التجديد يفترض أن تدقق في كل شيء مهما كنت تسلم في صحته ومهما أمتلكت من أدلة على صوابه. لقد تبنى الناس على مدى عقود سبعة حزب الشيوعيين لأنه كان يثبت لهم بالممارسة ، لا بالأدعاء، يساريته كحركة جذرية تدعو الى التغيير وترفض التسلط وتدعو الى التحرر، وترفض الظلم وتدعو الى العدالة الاجتماعية. وليس بجديد على هذه الحركة تبني شعارات التحديث والأهتمام بقضاياه، حيث أثبتت التجربة بأن التخلف أخطر عائق بين اليسار وقاعدته الأجتماعية.
• وكان توسيع القاعدة الاجتماعية للحزب لتشمل كل الكتلة الشعبية المتضررة من الهيمنة الأمبريالية في ظل العولمة الرأسمالية، عاملاً مهماً في تنامي التأييد الشعبي للحزب.
3. بقاء مواقف الحزب الشيوعي العراقي واضحة للناس رغم مساعي حجبها بسحب التشويه، ورغم عتمة القمع أيام حكم جرذ العوجة، ورغم بشاعة الأحتلال الأمريكي البغيض وما جره من ويلات على عراقنا الحبيب، لم يكن أقلها هذا الأستقطاب الطائفي الذي بدأ يتحول لأحتراب مخيف.
لقد رفض الشيوعيون الحرب وأدانوها، غير مبالين بما قيل عنهم يومها من موالاة للدكتاتورية وسعي للتصالح معها، وذلك تعبيراً عن مسؤوليتهم الوطنية وإدراكاً منهم لما ستجره الحرب على البلاد من كوارث. وجاءت مساهمتهم في العملية السياسية، بعد قراءة مكملة لمسؤوليتهم الوطنية، في ظل واقع متعدد الشرور، قراءة أكدت بأن هذه العملية هي السبيل الأقل إضراراً بالبلاد والعباد، من أجل إعادة بناء الدولة وإنهاء الأحتلال وإستعادة السيادة الوطنية وبناء المجتمع الديمقراطي. وكانوا ولازالوا مدركين لأشفاق الصديق عليهم من صعاب هذا الدرب وما يتطلبه من تضحيات ـ هم أهل لها دوماً ـ وغير آبهين بالإدعاءات التي أقرنت ذلك بالتعامل مع المحتل، تلك الأدعاءات التي لا تقل زيفاً عن مقاومة الصداميين والأرهابيين للمحتل وهم يسعون جهاراً نهاراً لأعادة كابوس حكمهم المقبور، أو إقامة نظام قروأوسطي، يكون نظام طالبان أرحم منه !

وأخيراً لابد من التأكيد على أن الحزب الشيوعي العراقي لم يدع العصمة عن الخطأ يوماً، ولم يكن ولا يريد أن يكون فوق النقد. و خير دليل على ذلك ما تزخر به صحافته من ملاحظات واراء تصويبية وأحياناً حتى مجافية للأنصاف، وكذلك اقدامه على طرح وثائق مؤتمره الثامن (بما فيها ما ينظم حياته الداخلية) للنقاش العام وإستماع منظماته لألاف الملاحظات التي ستغتني وتتطور بها تلك الوثائق، الى جانب تقييمه الدوري لسياساته ونشر ذلك التقييم علناً في صحافته ونشرياته المختلفة. ولعل من نافل القول (لولا أن البعض يتناسى ذلك) بأن الديمقراطية التي تضمن للآخرين توجيه النقد للحزب وسياسته، يجب أن تضمن له حق الرد والأنتقاد أيضاً!

تعلمنا في الكيمياء أن الماء النقي، عديم اللون والطعم والرائحة! لقد حاول أحدهم أن يسيْ الى حزب الشيوعيين فوصفه بذلك، دون أن يدري بأن الحزب كالماء، فيه كل شيء حيّ، وبه سيرتوي العراقيون من الظمأ للحرية والأستقلال والسيادة، من الظمأ للمساواة ، من الظمأ للعدالة الاجتماعية، من الظمأ لحرية الأبداع، للثقافة الأصيلة، لحرية الأنتماء، لدولة القانون وحقوق الإنسان.. إنه الماء ياسيدي!
أما طعمه ولونه ورائحته، فهي مذاق الوطن ولون الشهادة وشميم العشق.. أليس لهذه القيم مذاق ولون ورائحة، تشبع الروح قبل أن يتلمسها المرء .. نعم لقد إنعكست بصيرتي في بصري فرأيت، فهل يمكنك أنت أيضاً أم عليك أن تعيد قراءة دروس الكيمياء الأولى!
مع محبتي للجميع!