| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الأربعاء 11/1/ 2006

 

أرشيف المقالات

 

 

ولاية الفقيه ..هيمنة سياسية برداء ديني

 

سعد فيصل

كان العراق منذ قرون عديدة ‘ وقبل أن يأخذ صيغته وتسميته وحدوده الحالية ‘ سواء عندما كان عاصمة للخلافة العباسية ‘ أو عندما أصبح واحدا من أقاليم الإمبراطورية العثمانية محط أنظار و أطماع الدول والقوى الكبرى ‘ الجارة منها أو التي تبعد عنه آلاف الأميال ‘ لميزات كثيرة يمتاز بها هذا البلد فإذا كانت الدول والقوى البعيدة عن حدوده تـُغير عليه وتحتله لفترات قصيرة وتنال منه ما تستطيع نيله ثم تنسحب أو تهزمُ على أيدي الطامعين الآخرين ‘ فإن الدول المتاخمة على حدوده ‘ كانوا على الدوام الطامعين الرئيسيين والثابتين لا تغمض لهم العين ‘وهم يرونَ هذا البلد بخيراته وموقعه ممكن أن يكون لقمة سائغة وهو على مرمى عصا منهم ‘ فالإمبراطوريتان العثمانية والفارسية كانتا على الدوام تتناطحان للاستحواذ عليه ونهبه تحت مختلف الأعذار والواجهات ‘ الدينية منها أو الطائفية أو العرقية ‘ فعندما نشب الصراع في القرنيين السادس عشر والسابع عشر بين الدولتين العثمانية والفارسية أصبحت كل دولة تدعي بأنها راعية وحافظة الإسلام ‘ وبرز الصراع آنذاك بين الاثنين بلغة شيعي ـ سني ...
ولا يُعرف بالضبط الأسباب والدوافع التي دفعت بالشـاه إسماعيل الصفوي عام 1501م إلى تبني المذهب الشيعي بعد أن كانت إيران تتبنى المذهب السني حالها حال الدولة العثمانية ‘ هناك روايات عديدة عن ذلك ‘ أقربها إلى الواقع هي ما أسداها مستشاري الشـاه في خضم الصراع العثماني ـ الفارسي على منطقة الخليج بما فيها العراق ‘ من النصائح بتبني المذهب الشيعي ‘ ليكون مبرراً لادعاء الشـاه الصفوي بأنه هو وحده له الحق في حماية مصالح الشيعة في العراق ! فالعراق بحكم موقعه الجغرافي ووجود العتبات المقدسة فيه ووقوعه تحت السيطرة العثمانية رسمياً كان قد أصبح منطقة الاتصال الملتهبة بين الإمبراطوريتين بعد أن تبنت إيران المذهب الشيعي ‘ فكانت الاثنتان تتناوبان احتلاله والسيطرة عليه تارة على شكل الحروب بينهما وتارة على شكل الصراع السياسي وأحياناً على شكل الاتفاقات السرية أو العلنية ‘ و حسب الظروف والموازين والتحالفات الدولية أو حسب وضع وقوة كلٍ منهما ‘ وكانت تستهوي الدولة العثمانية خيرات هذا البلد وموقعه الجغرافي ضمن التجارة العالمية بين آسـيا وأوربا ولضمان قرصنة الأتراك في البحر الأبيض المتوسط والسيطرة على منطقة الخليج و.و.و الخ ‘ والأطماع الفارسية لم تكن أقل شـأناً من أطماع الدولة العثمانية ‘ فكانت تريد حرمان الدولة التركية من الطرق التجارية بين الشرق و أوربا التي كانت مزدهرة وتدر أرباح خيالية آنذاك وكان العراق منفذاً جيداً لها ‘ والسعي لتقليص النفوذ العثماني في الأقاليم الإسلامية الأخرى ‘ وفتح الأسواق العراقية المعزولة أمام التجارة الإيرانية و.و.والخ ‘ وكانت الفريسة والضحية في النهاية لهذا الصراع هي العراق وشعبه ‘ و في أوائل القرن السابع عشر أنتهي الصراع العسكري بين الدولتين من أجل العراق بسيطرة الإمبراطورية العثمانية ـ الطورانية على العراق كاملةً ‘ لكن بقيت المطامع الإيرانية لم يهدأ لها بال ‘ وظلت الآمال والأحلام تراود الذين جاءوا بعدهم وهم يرونَ الإمبراطورية المنافسة لهم تحلب خيرات هذا البلد على مدى أربعة قرون.
بعد الحرب العالمية الأولى ووقوع العراق تحت الاحتلال البريطاني ‘الدولة الاستعمارية القوية والتي لا تساوم على الاحتفاظ بالعراق خاصة وهي تعرف ما في جوفه من الخيرات وما لموقعه من الأفضلية العسكرية في مواجهة الدولة السوفيتية الفتية ومن ثم تشكيل الدولة العراقية الحديثة عام 1921 م ووضعه تحت الانتداب البريطاني ‘ كان لابد أن تهدأ وتيرة تسارع الدولتين الإيرانية والتركية بما تحملانه من مطامع تجاه العراق، لأنشغالهما بإمورهما الداخلية نتيجة المتغيرات بعد الحرب من جهة ولعدم تمكنيهما من منازعة بريطانيا وهي المهيمنة على المنطقة من جهة أخرى ‘ ومن ثم وبالرغم من دخوليهما في حلف بغداد وكشركاء بقيت الأطماع كامنة في داخليهما لن تفارقهما ودأبتا على محاولات بسط نفوذيهما الثقافي والسياسي على الشعب العراقي .

بعد ثورة تموز عام 1958 وولادة الجمهورية العراقية الفتية وفي إطار الحملة الاستعمارية لوئد الجمهورية وعندما اشتدت الحملة نتيجة انخراط بعض الدول العربية في دائرة تلك الحملة ‘ بدأت الدولتان ولكلٍ طريقتها في التآمر على العراق للقضاء على الجمهورية و تقويض أسس ومقومات نهضته .
بعد سقوط نظام صدام الدكتاتوري في نيسان 2003 وانهيار مؤسسات الدولة والفلتان الأمني والفوضى التي عمت البلاد وفقدان السيطرة على الحدود ‘ بدأت الأحلام القديمة تستيقظ من جديد وتداعب مشاعر وأحاسيس الجارات ‘ فأحفاد العثمانيين لم يخفوا ما في داخلهم من المطامع فباتوا يترصدون الوضع الجديد ويكشرون عن أنيابهم بين حين وآخر لقضم ولاية الموصل التي ضمتها بريطانيا إلى الدولة العراقية الحديثة عام 1921 ومحاولات التدخل تارة بحجة حماية المواطنين العراقيين من التركمان وتارة أخرى بحجة مطاردة أكراد تركيا الذين يستنجدون الحماية في كوردستان العراق ‘ لكن جيرانهم أحفاد الصفويين والقاجاريين ‘ كانوا هذه المرة أكثر ذكاء من الأتراك ‘ فدخلوا العراق من البوابات الأخرى ‘ الطائفية الدينية ‘ دعم الموالين لهم بالمال والسلاح ‘ إرسال العصابات لتصفية المناوئين ‘ إرسال الشبكات المخابراتية وفتح المقرات لها ‘ فرض الشرائع الطائفية في بعض المدن العراقية ‘ إرهاب المواطنين ومصادرة حرياتهم الشخصية ‘ تحت شعار النهي عن المنكر ‘ التدخل في شؤون الأجهزة التنفيذية و القضائية وكأن العراق على وشك أن يتحول إلى إقليم من الأقاليم الإيرانية ويجب فرض قوانينها عليه ‘ وآخرها التدخل في تزوير العمليات الانتخابية ‘ كل ذلك ضمن سياسة بسط النفوذ الثقافي والسياسي والروحي ‘والانكى من كل ذلك إن هذه الأمور تجري تحت سمع وبصر المسؤولين الحكوميين ‘ هذا يدفع بالمرء أن يشك من أن فكرة ولاية الفقيه سوف لا تدخل في إطار هذه السياسة ‘ سياسة الضم والإلحاق والهيمنة لكن ... تحت رداء ديني .