| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

السبت 11/10/ 2008



غياب بحجم الحياة

فيصل عبد الله *

الى كامل

"في ناس
قالوا قتل
في ناس
قالوا مات
في ناس
قالوا فتح عتمة خياله
وفات
"
           طلال حيدر

- لأسباب يطول شرحها، ومن قمة الفوضى التي تملأ الرأس، ها أنذا أكتب إليك. فقد كنت مستنفذاً طيلة الأسابيع الماضية بانشغالات لا أعلم كيف تراكمت عليَ، وحضرت على عتبة بابي مع كل يوم جديد، ما جعلني مثل الأصم على غير عادتي. فالمزاج مضطرب، وبريدك الالكتروني مغلق وهاتفك النقال هو الآخر. أقول، ومع ذلك، فها أنا أجرب الكتابة علها تثير حمية التواصل، رغم إن الانتظار، أحياناً، لا يلغي المنتظرين. ولكي أطمئنك أولا،ً فان أخبارك، حلوها ومرها، تنهال عليَ تترى، عدا صمت حذر لف دولة حروب الردة. لا أعلم كيف تحول التواصل شبه اليومي بيننا، هكذا بضربة مارد واحدة، الى نوع من الجفاء المر. ربما الحالة الحاضرة في مقبرة الأحياء، أو التزاماتك اللامتناهية وتفانيك من أجل الوطن حد الانغمار، حولتني الى مجرد منتظر عند حافات الكلمات، ورحت أزجي الوقت بكتابة استغاثة او نداء او مطالبة، وأحياناً بمقطع شعري او نثري لكاتب ما.
- أفصح ما قرأته او سمعته عنك قبل أيام، انك "أشجع منا جميعا"ً. ما إن تمعنت بكلمة" شجاعة" حتى سرت في كياني رجفة باردة، برودة الموت، وأحالتني بوعي او سواه الى البحث عن قيمتها في حاضر يتناهبه السماسرة واللصوص والقتلة والمأجورين وزعماء العصابات وأمراء الحروب. رحت أتساءل، هل هي "شجاعة" تأخذ صيغة عبثية لمغامرة دونكشيوتية تلهب الخيال بمصارعة طواحين الهواء؟ أم هي، مبارزة عدمية وذاتية دفع الشاعر الروسي بوشكين دمه من أجل كرامته المخدوشة؟ هل القابع فينا استكان الى المكان، وتحولنا الى كائنات تمضغ الكلام المكرر وتتقاسم اليأس؟ فاستعرنا كلمة "شجاعة" كي نخلعها على من انتفض على شرط يومه وقبل التحدي الى نهاية الشوط؟ "تعساً للبلد الذي يحتاج الى أبطال"، كنت أردد كلمات بريخت التي وضعها على لسان بطله غاليلو. لا أعرف، ولكن لا أظن ان أحداً من تينك يليق بك.
- الأكيد، وأنا في حيرة فك شيفرة تلك الكلمة، رحت أستعيد زمن العراق. المنظور منه، بتقلباته السياسية وانعطافاته الحادة وانكسار أحلام أجيال من أبناءه وقدره المعلق على نصل الهاوية. والسري بيننا نحن الاثنين، عندما جسنا دروب الحياة سوية، وفي رحلة لم تكن سهلة تشاركنا فيها فراش البيت والطعام والمدارس وغياب الأب مبكراً وصبر الأم. يا لها من رحلة فريدة، كأن الزمن ما مر بيننا، وكأن لغة البوح مصيرها الكتمان. وزاد من لهفي وحيرتي لإيجاد الجواب ما جاء به قاموس المنجد، كون الشجاعة تعني، الجرأة والإقدام وشدة القلب عند اليأس. لكن صدى مفردات الصحراء وغبارها المبثوث في تلك الكلمات، لم يسعفني، ربما لانك كنت صنوه الرمزي المجسد في أبن المدينة والمدنية. لذا رحت أستعين بما في خزانتي من ذكريات وتلك المحفوظة في الأدراج.
- أي شجى، أي أنين، ذلك الذي يولده النظر في الكم الهائل لصورك ورسائلك الشخصية. هل سأكذب كذبة بيضاء؟ ماذا سأقول للوالدة وكيف سأتدبر أمري معها؟ وأنا الذي حملتك، حسب كلمات الشريف الرضي، حمل العين لج بها القذى/ فلا تنجلي يوماً ولا تبلغ العمى. هل سأخبرها بان أبنها "شجاع" ترك لقدره يقارع وحوش الغابة؟ هل لي بفضح السر؟ بالأمس القريب، كنت أقول، كم يحتاج العراق الى شخص يحمل بعضاَ من سجاياك وخصالك؟ عملة نادرة في زمن ملتبس. معافى في زمن الكوليرا. زاهد في الحياة ورصيده حب الناس. صاحب مقام وغير مترفع. إنسان ومفكر وكاتب ومحاور من الطراز الرفيع وشخصية وطنية دون تصنع او ادعاء. مشروعي الشخصي ورهاني، كما أحسبه لكل من عرفك.
- هل تذكر رسالتك الأثيرة التي بعثت لي بها من باريس في صيف العام 1981، وشباك القوانين والأنظمة الأوربية أحالتك هكذا الى مجرد اسم خارج إحداثيات الزمان والمكان. ومع ذلك، كنت متفائلاً كعهدك. كأن صدى كلماتك يحضرني الآن؛ "لا تعجب....ولا تسألني...أنني يومياً أردد مع نفسي قصيدة تملأني أملاً؛ "عندما تنطلق الى "ايثاكا"

- أدعو ان يكون طريقك طويلاً،
- مليئاً بالاكتشافات.
- لا تخف من:
- الآلهة القاسية
- الوحشية
- فانك لن تجدها في طريقك، طالما
- كانت أفكارك محلقة، طالما
- كانت فرحتك الفريدة تهز روحك وجسدك
- انك لن تقابل الآلهة القاسية الوحشية
- ما لم تجلبها معك بداخلك
- ما لم ترفعها روحك أمام ناظريك"

- كنت تقول، "ربما نقتل السعادة الروحية فينا بأيدينا حين نتراجع أمام الخوف، او الحزن العالق في أرواحنا....ربما تكون أمي أكثر سعادة مني، أو هي كذلك، لأنها تنتظر أبنيها اللذين سيأتيان إليها يوماً...الجزائر ما عادت لي ملاذاً، اني كرهت العودة الى تلك الدائرة المغلقة التي أحكمتها على نفسي عامان، ومارست فيها سباتاً لا بد له ان ينته يوماً، لا بد أن يفضي الى يقظة قد تكون تمرداً هادئاً قادني مرة الى...وأخرى الى...ومرة سيقودني حيث لا أعلم ولا أحب".
- وما دامت الكتابة تثير التواصل، رحت أتأمل، من وقتها رحلتك مع "ايثاكا". إيطاليا وتنقلاتك بين مدنها، بيروجيا ودروس اللغة التي أحببت، وفلورنسا والاستقرار في ميلانو، تلك المدينة الشمالية التي ودعتها بقاموس إيطالي-إنكليزي-عربي، واخترت له غلافاً أنيقاً من أعمال الهولندي موندريان. هل كان اختيارك لذلك العمل بمحض المصادفة، أم كان مدخلك، عندما حانت اللحظة، للمضي في مشروع دراستك في مدينة تلهج بلغة ذلك الفنان؟. أذكر ان تلك النقلة قد وضعتك أمام خيارات حياتية ليس من السهل تجاوزها، ومع ذلك فقد منحتك تلك الرحلة أفضل ما يمكن ان تقدمها لمسافر ليس ككل المسافرين. كانت أفكارك محلقة كما أرادها كافافي في قصيدته إياها، فقد أدخلتك في موانئ تراها لأول مرة (مليئاً بالعرفان، مليئاً بالفرح)...لتبتاع الأشياء الرائعة:

- الماسات، والمرجان، والعنبر والعاج
- والعطور الشهوانية من كل الأنواع.
- أبتع ما استطعت من العطور الشهوانية:
- ولتزر مدناً مصرية كثيرة
- لتملأ نفسك معرفة من الحكماء".

- وقتها كنت أنتظر رسائلك وأنا في تيه الصحراء الأفريقية الكبرى. كانت تلك الرسائل تشاغلني وتبث الحماس فيَ حيث أتقاسم الرمل مع وجبات الطعام وفي قرية لا تعرف الظل. فواصل فرح أنتظرها بفارغ الصبر كعاشق أبتلي بحب لا شفاء منه. آنذاك حمل بريدي يوماً واحدة منها قبيل ان يطوي العام 1983 فصله الأخير وفيها "دعوة" ذيلتها بكلمات ليست كغيرها....."لأني" هكذا قلت، " بهاجس مفرح، أتمنى ان لا نتكاتب في العام القادم كثيراً...ربما كي نقاطع او نقطع لسان المنفى فينا، قد نقترب من الوطن أكثر؟؟ آمل ان لا يسرقنا هذا المنفى أحلى أشياءنا"...
- لكن تلك الأمنية النبيلة تطلبت عقدين من الزمن، والانتظارات الممضة لتتحقق، ولكن على يد ليست عراقية خالصة. عشرون عاماً، او أزيد، لم يهدأ لك بال، إلا وكان العراق ديدنك وبغداد مؤشر بوصلتك. كم من المواد والقصائد كتبت؟ وكم من مرة ناقشت لوثة المنفى؟ كم من الرسائل تبادلنا ونحن نسترجع رموز ومعاني رواية غائب طعمة فرمان "المرتجى والمؤجل"؟ كم من المرات اختلفنا وكان العراق السبب؟ كم استنفذت من أساليب وتوسلات وسفحت عواطف لثنيك وأنت تحزم حقيبتك الصغيرة مرة تلو الأخرى؟
- يقول أحد محبيك "عرفوا كيف يوجعون قلوبنا"، وهو محق في رأيه. ولكن، ألم يكن الجواهري هو الآخر محق في قصيدته "بأن جراح الضحايا فم....وانك أشرف من خيرهم/ وكعبك من خده(م) أكرم".
- أربعون يوماً مرت او حولها ونحن ندور في فلك وحيرة كمن ظل طريقه، رغم ذلك فقد كنت حاضراً معي تقاسمني يقظتي ومنامي.
- سؤال أخير، هل تأذن لي بترجمة أطروحتك. وهل ستسمح لوحيدك إلياس نشر ما لم تنشره.
- صمتك لا يطاق.
- وغيابك بحجم الحياة.


لندن في 4 تشرين الأول 2008

* صحافي وكاتب يقيم في لندن.

 

free web counter

 

أرشيف المقالات