نسخة سهلة للطباعة
 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الأثنين 11/9/ 2006

 

أرشيف المقالات

 

المنعطف التاريخي في هجمات 11 سبتمبر

 

نوزاد جرجيس

صدق بعض المحلليين السياسيين عندما اعتبر هجمات 11 سبتمبر باللحظة التاريخية التي غيرت المنطقة والعالم وادخلت اميريكا في حرب ضد الارهاب و صراع مع الاسلام السياسي المتطرف كما ادخلت الهجمات اليابانية على ( بيرل هاربر ) القوات الامريكية في الحرب العالمية الثانية.
و مع الافتقار للتوازن السياسي العالمي بعد تفكيك الاتحاد السوفياتي السابق تمكنت الولايات المتحدة الامريكية استغلال الوضع الجديد باعتبارها ( القطب الاوحد ) لتمرير الخطاب والاهداف الامريكية على المنطقة وحتى على معظم حلفائها حيث اختار الرئيس الامريكي جورج بوش شعاره الشهير بهذا الصدد ( ان تكون معنا او تكون ضدنا !) ليضع جميع الامم في ميزان المراقبة للدعم و مقدار المساهمة في حربه ضد الارهاب.
لا يختلف احدآ في مشروعية ما قامت به الادارة الامريكية في اسقاط نظام (طالبان)في افغانستان
ولكن اختلف حتى بعض الحلفاء في استراتيجية غزو العراق بحكم المصالح السياسية والاقتصادية لكل حليف امريكي في المنطقة .
وكما ذكرنا في مقال سابق فان شعوب المنطقة كانت مرتاحة للخطاب الامريكي الجديد وخاصة فيما يتعلق في نشر الديمقراطية واطلاق الحريات العامة وبدأت الشعوب بمراقبة المصداقية الامريكية
اما الانظمة العربية الدكتاتورية دخلت في متاهة التردد والارتباك بعد اسقاط نظام صدام المرعب واعتبرت معظم الدول العربية التدخل الامريكي في العراق ( احتلالآ ) لعدم استيعابها للخطاب الامريكي او في خوفها من فقدان مقاليد السلطة نتيجة الظروف السياسية الجديدة ولم تكن سباقة لدعم المجهود الامريكي في بناء عراق ما بعد صدام بل قامت بدعم العصابات البعثية و التمرد السني تارة بحجة احتواء الخطر الايراني القادم وتارة اخرى في التباكي على عروبة العراق ووحدته.
اما من الجانب الاخر فقد شرعت الادارة الامريكية بالتخبط السياسي مباشرة بعد الغزو حيث استخدمت القوة العسكرية بشكل مفرط في محاولتها لقمع التمرد في المناطق السنية في العراق في اشارة حسن نية للشيعة لزجهم في العملية السياسية دون خوف من المستقبل ( وهي التي قررت بالاساس البقاء في العراق بعد اسقاط نظام صدام لتفادي قيام جمهورية اسلامية في العراق على النمط الايراني ) وثم الزمت الشيعة بأشراك السنة في حكومة مشتركة لتخفيف التمرد المسلح لكن لم يتحقق ذلك بل دخل العراق في حرب طائفية قذرة و نزيف بشري هائل لا يمكن التصور كيفية السيطرة عليه وخاصة بعد تداخل المصالح الاقليمية و تشابكها في العراق .
و بدات الانظمة العربية من جديد الاستفادة من حصيلة التدخل الامريكي في العراق لرفض مشروع نشر الديمقراطية و انتقاده و تقديم انفسهم البديل الملائم للمصالح الامريكية دون الحاجة لتغيير التشريعات الدستورية في بلدانهم والحديث عن الدعم لمحاربة الارهاب والتطرف الاسلامي ( الارهاب الاسلامي الموجه لمصالحها اما الارهاب في العراق فليس الا مقاومة!)
واشير هنا الى مقالة للسيد عبدالرحمن الراشد في صحيفة الشرق الاوسط بهذه المناسبة يقدم الامتنان للادارة الامريكية التي اقدمت على محاربة القاعدة والارهاب نيابة عن الدول الخليجية والعربية المعتدلة التي لم يكن بمقدورها القيام بهذا العمل و يبرر ذلك بالقول ان القاعدة كانت تريد تغيير الانظمة المعتدلة في المنطقة وخاصة الخليجية , و في هذا الجدل مغالطة تاريخية حيث يعلم الجميع ان اسقاط نظام طالبان والحرب ضد الارهاب استأنفت بعد هجمات 11 سبتمبر و كانت السعودية و دولة الامارات الوحيدة بين الامم التي تعترف بنظام طالبان (مع باكستان ) وكان التمويل السعودي والخليجي يتدفق على القاعدة ( بشكل هيئات ومؤسسات اسلامية و خيرية ) حتى وصلت الضغوطات الامريكية ذروتها في وقف الدعم المادي للقاعدة
بدأت الشعوب في المنطقة تفقد مصداقيتها من جدوى الحرب ضد الارهاب بعد فضيحة سجن ابو غريب في العراق التي كانت رأس حربة في الجسد الامريكي من تجاوز المعايير الاخلاقية في التعامل مع حقوق الانسان بغض النظر عن ايمانه او معتقداته يضاف الى ذلك معتقل كوانتانومو الشهير بالزبائن الارهابيين المعتقلين دون محاكمات لحد الان.ثم بدأ السخط الشعبي الامريكي يتزايد ضد الاساليب المستخدمة في الحرب ضد الارهاب و تراجع الدعم الشعبي للحرب في العراق و ازدادت النقمة الشعبية بعد الكشف عن تقارير السجون السرية المنتشرة في بعض البلدان الاوروبية و استخدام اجهزة الامن الامريكية التنصت على المكالمات الداخلية والخارجية ( وقد تم رفض الاسلوب من قبل محكمة امريكية واعتبر البرنامج مخالفآ للقوانين الامريكية ) واعتبر قسم من الامريكيين ان البلاد تتحول تدريجيا الى دولة بوليسية على خلاف الدستور الذي يضمن الحقوق الشخصية والعقائدية للفرد.
تحول العام المنصرم الى نقطة تراجع للادارة الامريكية في حربها ضد الارهاب وهي على ابواب انتخابات نيابية في نوفمبر القادم (التي تشير الاستطلاعات الاولية على تقدم الحزب الديمقراطي المنافس ليحتل الاغلبية في المجلسين النواب والشيوخ )وهذا ما يزعج المحافظين الجدد في حصر لاياديهم في الترويج للحرب ضد الا رهاب و دشن الطاقم الدعائي اسما جديدا للحرب ضد ( الاسلام الفاشي) ولكن خففت اللهجة بعد الانتقادات الواسعة لعواقب استخدام هذا التعبيرالى سخط اسلامي واسع و غير مفهوم من قبل شعوبها.
الاخفاق في الحرب ضد الارهاب جاء نتيجة حتمية للسياسات الامريكية غير المتوازنة في المنطقة وكان آخرها تشجيع العدوان الاسرائيلي على لبنان والذي ارتكز على استخدام القوة العسكرية المفرطة لتدمير البنية التحتية للبلاد و تهجير الالاف والقتل المتعمد للمدنيين لارهابهم لنتائج دعمهم لميليشيات حزب الله (الارهابية) و الامثلة الاخرى العديدة التي تؤكد انحراف الادارة الامريكية عن نهج الحرب على الارهاب الى سياسة ترتيب البيت العربي لما يخدم الاستراتيجية الاسرائيلية لتمرير مشروع السلام بالوصفة اليهودية ولكن بعد الانتهاء من الحرب القادمة مع ايران التي لا يمكن اعتبارها بالحرب الاخيرة الا بعد ان نتأكد انها الحرب الاخيرة فعلآ.
كتب د. عبد الخالق الحسين مقالا في الصحف الالكترونية يؤكد انتصار الغرب في حربه ضد الارهاب ويشير الى التطورات الحاصلة في العراق وافغانستان دليل النصر بعد ازاحة الانظمة القمعية و يعتبر التدهور الامني مسالة وقتية لحين تجاوز المرحلة هذه, اما الواقع يقول ان حركة طالبان تعود بقوة لمحاربة قوات حلف الناتو المتاخمة هناك و تدير ميزانيتها العسكرية من ارباح بيع الاوبيوم(opuim) التي ازدادت تجارته بنسبة 60% وان العراق على طريق التقسيم الطائفي ولا مخرج للسياسة الامريكية هناك على المستوى القريب الا بعد الحرب الامريكية - الاسرائيلية القادمة ضد ايران و لا احد يمكن ان يتنبأ لمستقبل المنطقة الا بعد معرفة حدود المغامرات الامريكية في حربها ضد الارهاب.وعلى المستوى الشعبي والرسمي الجميع يعتبر السياسة الامريكية في العراق بالكارثة والاخفاق ولا مخرج لها و لا اعرف ما هو الاستناد في تفاؤل د. عبد الخالق في هذا المجال
اما الرأي العام الغربي فانه يلعب دورا قياسيا في تغيير الاحداث من خلال تغيير نهج وسياسات الحكومات الغربية و خير شاهد على ذلك اسقاط الناخب الاوربي لزعمائه المحالفين لسياسة واشنطن بدآ من اسقاط حكومة انزار في اسبانيا ثم في ايطاليا الى الاعلان الاخير لرئيس الوزراء البريطاني توني بليير في نيته الاستقالة العام المقبل تحت ضغط حزبي و شعبي واسع مطالب باستقالته من الحكم .
ان الحرب ضد الارهاب قد لا تنجح خلال الاعوام او العقود القادمة طالما يعتبر قتل جندي اسرائيلي او امريكي فعلا ارهابيا و طالما تتخذ الانظمة العربية الدكتاتورية ملاذا في التسمية لمحاربة قوى التقدم واليسار وطالما تتخذ الحركات الاسلامية الارهابية والمتطرفة عقائديتها المظلمة في التكفير و التخوين لمجرد المخالفة في الرأي و طالما يتصدر الولاء للمذهب على الولاء للوطن ولا يمكن قياس الولاء بالكلام بل بالفعل الادبي والاخلاقي .
فالقمر يلمع و لكنه لا يدفىء.