نسخة سهلة للطباعة
 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الثلاثاء 11/7/ 2006

 

أرشيف المقالات

 


أنحني لتمر العاصفة !

 

مهند الشمري

* اشتباكات في حي الجهاد والحرب الأهلية تدخل مرحلة الأعلان...ناقوس الخطر يقرع في بغداد وبديل الحكومة يبقى موضع سؤال *

أنحني لتمر العاصفة! حكمة صينية قديمة يتبناها الناس لتجاوز الأزمات التي تحيق بهم وتلم بحياتهم ، ولعل ايجابيات هذه الحكمة هي التي سادت الخطاب الأخلاقي على مدى قرون دون أن يتنبأ احد بجانب سلبي مؤثر قد ينمو في الظل فيحول الأشراق عتمة ويقلب طرفي المعادلة لضرر الأمتثال للحكمة.
(انحني لتمر العاصفة ) تستلزم أن يكون الأنحناء حالة مؤقتة ( قد تشبه ظاهرة التقية عند بعض الفرق الأسلامية) ويقصد منها اجتياز برزخ صعب ليعود الأنسان بعدها منتصب القامة يقاطع بفرعه الريح ويتلقى بجبينه الشمس .
تبدأ خطورة الحالة عندما يصير الأنحناء حالة مستديمة ليتحول بمرور الأيام الى عادة متأصلة تصير نموذجا أخلاقيا وسلوكيا يبتنيه الناس ويشيع في مفردات تربية ابنائهم ليصبح ( امشي بسد الحايط ) بالتعبير العراقي الذي يسود الخطاب التربوي منذ زمن لا يعلمه أحد.
من هو الذي يمشي في ظل الحائط ؟ وما فلسفة ذلك ؟ والى أين يقود هذا المفهوم؟ ولماذا يلزم الأنسان أن يسير بظل الجدار؟
ظل الحائط هو أمتداد لمقولة "انحني لتمر العاصفة " ، وهو انحناء امتد قرونا لأن العواصف ما برحت تهب على العراق منذ أزمنة سحيقة لا أحد يدرك قدمها، وابشع ما فيه انه تحول الى نمط اخلاقي اشاع الحاكم تحبيذه ليسهل له ترويض شعب العراق الرافض لكل حاكم مهما كان شكله ، وهو رفض قد يرتبط بمياه الرافدين التي ينهل منها العراقيون ، او انه ينشأ من اضطراب طقس العراق وعدم وضوحه ، و ربما كان للأختلاط العرقي والديني الذي يسم مجتمع العراق من شماله الى جنوبه أثر في هذا الرفض المزمن.
عقدة الكلام هنا هو النمط الأخلاقي الذي بدأ ينمو في العراق بعد سقوط نظام البعث في 9 نيسان 2003.
اتساع رقعة العنف الدموي الذي بدأته عصابات المجرمين القتلة ولصوص الحواسم وجيرته لمنفعتها فلول البعث واجهزة امن النظام المنهار وطورته لمديات ذات ابعاد طائفية خطيرة التيارات الأصولية والسلفية والتكفيرية سنية ( على وجه الخصوص) وشيعية ( على وجه رد الفعل الطفولي الثأري) على حد سواء ... هذا العنف وقد امتد عموديا ثلاث اعوام وافقيا على مساحة وسط وجنوب وغرب العراق وبضع يسير من شماله اصبح جزأ من حياة الناس، عليهم أن يعيشوا معه ويكبر ابناؤهم في ظله وهو في القراءة المتأنيه للتأريخ محاولة لمط اربعة عقود من تسلط البعث وقد تلونت بسواد عقائد التأسلم لتمسي أكثر قتامة.
البعث اليوم يزرع في عقول الناس من جديد أن لا بديل للفكر القومي ، وأن لا أحد يقدر على التعاطي مع واقع العراق سياسيا سوى البعث ( يدعم ذلك تعثر المشروع الأمريكي في العراق ، والبديل الديني الذي طرح نفسه على الساحة السياسية نتيجة للفراغ السياسي الناتج عن اربعين عاما من القمع والأقصاء وتغييب الصوت الآخر).
نحن نتكلم عن العراق من داخله ، فمن السهل على العراقي المقيم خارج بلاده أن يتشدق بمثاليات البطولة والتصدي للأرهاب ومقارعة البعث والفكر القومي والأصولي مادام بوسعه أن يلبس ما يشاء ويأكل ما يحب وينتخب النبيذ الذي يعشق ويحلق رأسه كما يرى ويعلن عن رأيه دون خوف أن تقرع يد آثمة باب بيته عند الفجر لتقتل كل من فيه وتجعل منه طعاما للنار.
النهج البعثي الذي بدأ بمجزرة 14 رمضان 1963 ما زل مستمرا وقد جاز عمره اربعة عقود أدمن الناس فيها الأنحناء عجزا عن مقارعة قوى الشر البعثية السلفية... وهذا يعني عمليا أن اجيالا من العراقيين قد تشربت عقيدة الأنحناء ،ليس لنقص في شجاعتهم أو قدرتهم على مواجهته ولكن لأنهم يقفون وحدهم في مواجهة هذا الشر المرعب والكابوس المقيم .
كل العرب مع البعث ، وكل دول الجوار مع البعث ، حتى عقائديا ( رغم حرب الأعوام الثمانية) يلتقي البعث بقيم الجمهورية الأسلامية في ايران التي تقبل البعث دون صدام بل وتفضله على كل قوى اليسار الماركسية والقوى اللبرالية الديمقراطية التي ترى في عقائدها خطرا على اسفاف عقيدة التأسلم التي تروج لها ايران منذ ربع قرن... فيما لا يشكل البعث الذي لا يمتلك أي عمق عقائدي خطرا على التشيع الأيراني أو على مبدأ تصدير الثورة ( الحلم الرومانسي الخميني الذي بات هاجس حكام ايران).
كما يصدق هذا على سوريا ( مهد العقيدة البعثية والتوجهات القومية) فالحكومة هناك تسعى جاهدة أن تخرج بالبعث من النهاية المحتومة التي ترسمها الولايات المتحدة لهذا النظام وهي التي اوصلته الى السلطة في 8 آذار 1963 ولا ندري ما ذا في حعبة الساحر بعد!!
لا يحق لأحد أن يطالب العراقيين بالتوحد ونبذ بذور التفرقة والطائفية لأن من يزرع الفرقة والطائفية هم الذين يدعون الحرص على عروبة العراق ... ولعلها عروبة حالمة لم يدركها الا ميشيل عفلق الذي اكتشف الأسلام في منتصف السبعينات مع معلمه روجيه غارودي فجعل اسم ابنه ( محمد) مقابل راتب سنوي من الحكومة العراقية السابقة يبلغ 6 مليون دولار!!
وما يهم الأردن ، حكومة عراقية تبقى بحاجة الى الأردن كرئة يتنفس منها العراق وأضطراب الأوضاع المستمر هو خير الأوضاع لتنمو هذه الرئة وتصبح غرفة للتنفس الطبي يأوى اليها العراق أبد الدهر مادام الأحتراب والتوتر يشغل ساحته.
السعودية تخاف من رياح الديمقراطية التي نفخت فيها الولايات المتحدة لتعصف بانظمة المنطقة لا سيما وأن الأصولية هي العنوان الآخر للوهابية التي يعتنقها حكام الحجاز ونجد والأحساء القادمين من رحم الدين المحمدي الأصيل!!
الكويت لا تريد عراقا موحدا يعود ليدوخها بالحقوق التأريخية ( لكأن بريطانيا لم تكن هي التي رسمت حدود العراق والمنطقة مع فرنسا في سايك بيكو!!)
المخيف جدا في هذا الوضع( عودا على ما بدأنا به) هو أن يعتبر العراقيون الحالة المزرية التي صارت اليها البلاد امرا طبيعيا وقضاء محتوما لا بد من القبول به فيتعلموا أن يعيشوا مع الخطر الداهم والظلام بشكل طبيعي وهذا بالذات ما يسعى البعثيون الى اقناع الناس به، اذ لا حياة دون صدام ولا حياة بعيدا عن مقابر البعث ، فهو القدر المقدر على كل العراقيين والا فأن البديل هو الحرب الأهلية والتقسيم حيث تصير البلاد واحة للسلفيين السنة ( طالبان العراق) والأمارات الشيعية المتأسية بالتجربة الملائية الأيرانية ... فبأي الشرور سيرضى الناس!؟