نسخة سهلة للطباعة
 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الأحد 12/2/ 2006

 

أرشيف المقالات

 



تداعيات محتملة لاختيار الجعفري رئيساً للوزراء
صراع محتدم .. واصطفافات جديدة


حيدر الحسني

انتهى الصراع المحتدم داخل اروقة الائتلاف العراقي الموحد باللجوء الى الى الاقتراع لحسم التنافس بين عادل عبد المهدي وابراهيم الجعفري، بعد انسحاب المتنافسين الاخرين نديم الجابري (حزب الفضيلة) وحسين الشهرستاني. وتعكس نتيجة الاقتراع بالذات (بفارق صوت واحد: 64 صوت للجعفري مقابل 63 لعبد المهدي) عمق الانقسام وحدته داخل الائتلاف. وهو ما سعى قادة الائتلاف ومهندسوه الى تفاديه خلال الاسابيع الماضية، وحتى اللحظة الاخيرة، في محاولة للتوصل الى توافق على مرشح الائتلاف لرئاسة الحكومة الجديدة لولاية يفترض ان تكون مدتها اربع سنوات. وكانت تقارير افادت ان حسم الامر، الذي كان مقرراً ان يتم امس السبت 11 شباط، تأجل بسبب غياب مقتدى الصدر، المؤيد للجعفري، وبطلب من حزب الفضيلة.
وعبثاً حاول الجعفري وعادل عبد المهدي في المؤتمر الصحفي، عقب اعلان فوز الاول بالترشيح  للمنصب، اخفاء التوتر الذي شاب الصراع داخل الائتلاف واقطابه وارتسم على وجوه الحاضرين. وهو ما لم يفت ممثلي الاعلام والصحافة، فانبرى احدهم (مراسل اذاعة "العراق الحر") بالسؤال: "نرى نظرة عدم الارتياح مرتسمة على وجوهكم..."! فاضطر الغريمان الى مداراة الوضع بابتسامة مفتعلة وتعقيب لم يخف التوتر المسيطر عليهما. وقال الجعفري في معرض رده: "ابتسامتي كانت اعرض على شفتي لو كنت اعفيت من هذه المسؤولية"!

هاجس الانقسام
وفي محاولة لتبديد هاجس الانقسام المخيم على الاجواء، قال عبد المهدي ان "الائتلاف، عكس ما يشاع في الخارج، لن ينقسم". ومن الملفت ان البيان الصحفي الصادر عن دائرة الاتصالات الحكومية، التابعة لمجلس الوزراء (العلاقات الاعلامية)، بعد وقت قصير من المؤتمر الصحفي نقل هذا التصريح بعد ادخال "رتوش" مناسبة، تعكس بدورها حساسية موضوع "الانقسام" ومساعي الجهاز الاعلامي للجعفري/ الدعوة في تهدئتها. فقد جاء في هذا البيان، نقلاً عن عادل عبد المهدي، ان "الائتلاف فوق كل ما يشاع عنه في الخارج" (مع حذف كلمة "لن ينقسم").
ولا يحتاج المراقب الى جهد كبير لرصد التنافس المحتدم، منذ وقت غير قصير، بين المجلس الاعلى والدعوة، وبين القوى التي اصطفت في المعسكرين المتقابلين. وهو تنافس يتوقع ان يتطور، ويحتدم وراء الستار، ليبرز على السطح في تجليات مختلفة.

مشاعر مرارة.. وموقف التحالف الكردستاني
ومما يعمق مشاعر المرارة التي تنتاب حتماً المجلس الاسلامي الاعلى وزعيمه عبد العزيز الحكيم، والقوى التي اختارت الوقوف معه في هذه المواجهة الداخلية، ان كل المؤشرات كانت ترجح فوز مرشحه عادل عبد المهدي. خصوصاً وانه كان قد ضمن تأييد طيف واسع من الكتل السياسية العراقية خارج الائتلاف، في مقدمتها التحالف الكردستاني، بعد اضطراره الى الاقرار بأن تشكيل الحكومة الجديدة لن يستند على الاستحقاق الانتخابي وحده بل سيعتمد ايضاً "الاستحقاق الوطني". وهو ما يعطي، بالتالي، الكتل الاخرى التي سيتآلف معها الائتلاف الموحد لتشكيل الحكومة المقبلة تأثيراً اكبر في اختيار مرشح الائتلاف لمنصب رئيس الوزراء. بل ان التحالف الكردستاني لم يخف موقفه، وسعى عبر منابر مختلفة للتعبير عنه علناً، كما جرى مؤخراً في تصريحات متكررة ادلى بها د. محمود عثمان، مشيراً بوضوح الى اسباب التحفظ على الجعفري، وأحدها "تهميش الوزراء الاكراد" في الحكومة الانتقالية. لكن الاعتراض الاساسي للتحالف يكمن في تلكؤ الجعفري بتطبيق المادة 58 من قانون ادارة الدولة الانتقالي (الدستور المؤقت) المتعلقة بكركوك. كما ان العلاقة بين جلال الطالباني، الرئيس العراقي، والجعفري شهدت الكثير من التوتر في الفترة السابقة، بلغ حد توجيه انتقادات علنية الى رئاسة الحكومة وتجاوزها على صلاحيات الهيئة الرئاسية. وهو ما جعل الطالباني يشترط توسيع صلاحيات الرئاسة للقبول بتجديد ولايته رئيساً.
من جانب آخر، سينعكس ترشيح الجعفري لرئاسة الحكومة بشكل سلبي على المساعي لتشكيل حكومة "وحدة وطنية" واسعة التمثيل. فالاخير وقف بقوة الى جانب وزير داخليته بيان جبر الذي حمّلته اطراف كثيرة المسؤولية عن تجاوزات وانتهاكات ارتكبتها قوات تابعة لوزارة الداخلية وتدين بالولاء لـ"فيلق بدر" الذي تم دمجه في قوات الامن تحت ستار التحول الى منظمة مدنية. وتزايدت في الفترة الاخيرة المطالبة بتسليم وزارتي الداخلية والدفاع الى شخصيتين من التكنوقراط، لا ينتميان الى اي من الاحزاب الاسلامية، منعاً لاستخدام الوزارتين لخدمة سياسات طائفية تتعارض مع التوجه الى بناء مؤسسات امنية وطنية تخضع لاحكام الدستور والجمعية والوطنية.

تشدد تجاه "القائمة العراقية"
ومن المتوقع ايضاً ان يبدي الجعفري، استجابة لشروط كتلة مقتدى الصدر ثمناً لدعمه في السباق، تشدداً اكبر ازاء "القائمة العراقية" واياد علاوي ومشاركتهما في مفاوضات تشكيل الحكومة. وجاء الرد سريعاً من التحالف الكردستاني على لسان الرئيس جلال طالباني، في مؤتمر صحفي عقده مع السفير الامريكي خليل زاده بعد اعلان فوز الجعفري، عندما اعلن رفض أي "فيتو" يوضع على مشاركة القائمة العراقية. وكانت القائمة الكردستانية، بالرغم من استعدادها للاتفاق مع الائتلاف الموحد على برنامج الحكومة المقبلة، اعلنت رغبتها في مشاركة القوائم الاربع الرئيسية الفائزة في الانتخابات في المفاوضات لتشكيل الحكومة. وهي تعبر بذلك عن رغبتها في الحد من هيمنة الائتلاف الموحد على مفاتيح السلطة، عبر اعطاء ثقل مضاد مناسب لجبهة التوافق والقائمة العراقية في التشكيلة القادمة مقابل اتفاقات ثنائية مع الطرفين فيما يتعلق بمطالبها على الصعيد الكردستاني.

حسابات امريكية.. وخفايا العلاقة
واخيراً، لن يخفي الامريكان امتعاضهم من استمرار الجعفري في رئاسة الحكومة، بالرغم من انه لم يقف يوماً ضد توجهاتهم، بل سعى الى تبديد اي شكوك بهذا الشأن. وهو ما تكشّف بشكل صارخ عندما ساعدهم على تمرير تمديد التفويض الدولي لبقاء قواتهم "المتعددة الجنسية" في العراق دون العودة الى الجمعية الوطنية. لكن الادارة الامريكية راهنت على بدائل اخرى، وفضّلت التعامل مع عادل عبد المهدي. فبالاضافة الى اهمية تغيير الوجوه، للايحاء بأن الانتخابات احدثت فعلاً تغييرات ذات شأن في العراق ولتبرير سياسة الادارة امام الرأي العام الداخلي والكونغرس، يعتبر عبد المهدي اكثر مقبولية، لما يتصف به من "براغماتية واعتدال".
وهنا تجدر الاشارة الى مسألة ذات صلة بخلفيات العلاقة بين الادارة الامريكية وقوى الاسلام السياسي العراقية، الشيعية تحديداً. فقد سبق المجلس الاسلامي الاعلى حزب الدعوة في مدّ جسور العلاقة مع الادارة ووكالاتها، ونجح في فتح قنوات غير مباشرة، ثم قنوات مباشرة دون حاجة الى وسطاء. وكان "المؤتمر الوطني العراقي" في التسعينات الخيمة التي وفّرت غطاءً مناسباًَ لهذه العلاقات وتطويرها، وصولاً الى تبني قانون "تحرير العراق" من قبل الكونغرس في نهاية التسعينات، عندما اصبح المجلس الاعلى ضمن القوى العراقية "المؤيدة للديمقراطية" التي يمكن التعامل معها. ولم يكن هذا الموقف يخلو من حسابات تتعلق بايران والسياسة الامريكية تجاهها. آنذاك، لم يكن حزب الدعوة بالحظوة ذاتها لدى الادارة وصناع القرار الامريكان، الى حين انعقاد "مؤتمر لندن" في نهاية 2002 برعاية امريكية ومشاركة العديد من اطراف المعارضة، باسثناء بضعة احزاب رئيسية من بينها حزب الدعوة والحزب الشيوعي. لكن مشاورات اجراها وفد امريكي رفيع المستوى مع الجعفري حينها، سبقت المؤتمر واعقبته، مهدت لحوار مباشر ثم زيارة الى الولايات المتحدة ساهمت بتطوير العلاقات بين الجانبين.
ولابد من الاشارة ايضاً الى تقارير صحفية امريكية تحدثت عن لقاءات اجراها عادل عبد المهدي في الولايات المتحدة خلال زيارة سبقت الانتخابات الاخيرة تناولت موضوع النفط العراقي والخطط المتعلقة بالاستثمار الاجنبي في هذا القطاع الذي يحتل موقعاً محورياً في الحسابات الامريكية الخاصة بمستقبل العراق. وعكست تلك التقارير ارتياح اوساط امريكية نافذة لاحتمال تولي عادل عبد المهدي رئاسة الحكومة في اعقاب الانتخابات.