| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الجمعة 12/1/ 2007

 

أرشيف المقالات

 

محنة العراقيين مع اليسار العربي


محمد العامري
m_ali_alamiri@hotmail.com

ماذا عساي أن أكتب أنا العراقي ، بعد المشاهد المخزية والمخجلة لبعض اليسار العربي الذي أزاح اليمين وتصدر البكاء واللطم والنياح على مجرم وطاغية وخائن لشعبه ووطنه هو صدام حسين الذي لا يستحق حتى كلمة " إنسان " أن تطلق عليه . ماذا عسانا ان نقول او نكتب ما يعتمل في نفوسنا ونحن مازلنا لوحدنا نلملم ما تبقّى منّا ، وما تبقّى من عراقنا كوطن . وماذا عسانا ان نكتب ونقول لهكذا " يسار " سمح لنفسه ان يبصق بوجه الآلاف من شهدائنا والآلاف من الضحايا والآلاف من الأرامل والأيتام ، وسمح لنفسه ان يقبّـل أقدام المجرم والجلاد ويذرف الدموع عليه .
ماذا عساي أن أكتب وأنا اليساري العراقي عن " اليسار " العربي الذي انزلق الى يمين المنحدرات القومية الزائفة ، وأركن نفسه في زوايا التذبذب والتراجع الى الدرك السفلي من قاع المجتمع - هذا ليس تجنى وإنما الواقع الملموس يدلنا على ذلك . فبيانات الإستنكار والشجب ومأتم العزاء ولبس السواد للكثير من الأحزاب والتنظيمات اليسارية في البلدان العربية وخاصة الفلسطينية ، لهو دليل واضح على ما نقول . أو رسائل بعض الأحزاب الشيوعية والماركسية تطالب بها الحزب الشيوعي العراقي والأحزاب الوطنية الأخرى التخلي عن سياستها ومد يد التصالح مع حزب البعث الذي يعتبرونه " قائداً للمقاومة " لهو دليل على المنحدر الخطير الذي وصل اليه اليسار العربي . اليس بالأحرى لأصحاب هذه الرسائل ان يسألوا أنفسهم أين كان البعث وأين كان صدام من هذه" الوطنية " خلال 35 عاماً من حكمهم في العراق ؟ وياليتكم تدلوني على الطريقة التي أوصلتكم وأنتم كما تدعون أصحاب التحليل العلمي الى قناعة أن صدام حسين تحول برمشة عين من دكتاتور مستبد طامس حتى أذنيه بالجريمة والإجرام ، الى " رمز الوطنية والشرف " وبإعدامه " أعدمت الإنسانية " و " إهانة للأمة العربية " وما الى ذلك من الدجل والتخريف ؟ ألا تعلمون أن من يصفق ويطبل ويزمر للدكتاتورية والإستبداد ،" ليس له الحق في أن يطالب بالحرية حين تنتهك حريته" .
من هنا أريد أن أقول ان موقف " اليسار " العربي من القضية العراقية منذ الحرب العراقية الإيرانية والى يومنا هذا ، هو موقف متذبذب غير مستقر على منهج علمي ثابت . يومها كانت بعض الأحزاب الشيوعية والماركسية في البلدان العربية تطالب أحزاب المعارضة العراقية آنذاك بتجميد نضالها ضد الدكتاتورية فترة الحرب مع إيران بحجة ان العراق مهدد بإجتياح خارجي و " على جميع العراقيين ان يقاتلوا مع الجيش العراقي ضد إيران دفاعاً عن وطنهم " . لكن الأحزاب العراقية رفضت ذلك ، مؤكدين ان الحرب قد أشعلها صدام حسين ونظامه الدكتاتوري ، وهي حرب عبثية كارثية وغير عادلة ولا مبرر لها ، ويجب السعي لإيقافها ومحاكمة مرتكبيها . واعتبر العراقيون ان الدكتاتورية تشكل خطراً على العراق وعلى المنطقة بكاملها ويجب إزاحتها .
تكرر المشهد نفسه أثناء حرب الخليج الثانية عندما قرر صدام حسين أحتلال الكويت ، وقررت الأمم المتحدة تحريرها ، بعد إن رفض صدام الإنسحاب منها . ولا أريد هنا أن أسرد التداعيات المأساوية التي رافقت الحرب وما بعدها على الشعب العراقي ، وخاصة الحصار الإقتصادي ،لأن الغالبية على إطلاع عليها .
ما بعد تحرير الكويت وقفت غالبية أحزاب اليسار في البلدان العربية مع الدكتاتورية في العراق بحجة ان صدام حسين وقف بوجه الأمبريالية الأمريكية ، فألبسوه وسام شرف الوطنية والقومية ، متناسين كل ما أقدم عليه من حروب عبثية لا مبرر لها ، واستبداد وطغيان وإعدامات وأسلحة كيماوية وبايولوجية ، وتحويل العراق الى سجن لأبنائه . ناهيك عن الخراب والدمار والنهب والمتاجرة بقضية الحصار وأطفال العراق . كل هذا غير مهم بالنسبة لهم ، إنما المهم هو من يتحدى الولايات المتحدة ، وإن كان هذا التحدي من رئيس أحمق وغبي مثل صدام حسين ، وإن كان التحدي سيدمر العراق ويبيد شعبه ، بل سيدمر المنطقة وشعوبها.
نعم ، هذا هو المقياس عند غالبية اليسار العربي ، وهو نفس الموقف الذي تتبناه الأحزاب القومية العربية ، بالرغم من أن هذا المقياس بعيد كل البعد عن العقل والمنطق والتحليل العلمي . فالعقلاء يقولون أن الدكتاتور المستبد والطاغية مثل المجرم صدام حسين لا يمكن تزكيته وطنياً وقومياُ وإن رفع سيفه بوجه الولايات المتحدة . ونحن نفهم أن الوطنية تقاس في الحفاظ على مصالح الشعب والوطن ، تقاس في إحترام إرادة الشعب وحريته ، تقاس في بناء الوطن لا تخريبه ، تقاس في الحفاظ على ثروات البلاد لا نهبها وتبذيرها لشراء الذمم من المطبلين والمصفقين ، تقاس بإبعاد الوطن والشعب عن الحروب ، تقاس برفاهية المواطن وإحترام حقوق الإنسان .
إذاً ما معنى هذا التباكي والمزايدات والنياح ولطم الخدود وشق الصدور . وماذا تدعى المناظر المخجلة لمضارب وخيام تعازي يسار بني يعرب في فلسطين والأردن والجزائر ومصر والمغرب وسوريا ، وصخام الوجه حزناً على مخلوق نزق ومجرم قذر هو صدام حسين الذي وصفه الدكتور خالد منتصر " القتل عنده مثل تحية الصباح " . ولا أعتقد أن هذا اليسار غافل عن البطش والمجازر والعسف والقتل اليومي الذي كان يمارسه صدام حسين وحزبه البعثفاشي ضد أبناء الشعب العراقي طيلة خمس وثلاثين عاماً ، أو إن هذا اليسار ليس على إطلاع على قوائم آلاف الشهداء اليساريين الذين سقطوا ضحايا من يتباكون عليه اليوم .. فإذا كان صدام حسين شهيداً ، ماذا نسمي هؤلاء الضحايا ؟
المشكلة تكمن في أن اليسار العربي ما زال أسير العقلية العربية التي مازالت تعشعش جرثومة البطل القومي في عقولها ، البطل الأسطوري المنتظر صاحب الخوارق والمعجزات الذي سيحرر فلسطين والجولان والإسكندرونة وعربستان وهندستان وكل شبر من الوطن العربي الممتد الى سواحل نيويورك لا سمح الله . ولا أعتقد أن هناك أفضل من صدام حسين من إستغل هذه الجرثومة ونخر بها العقول ، وأجاد هذه اللعبة بمكر ودهاء كبيرين مسخراً كل إمكانيات العراق المالية كعطاءات وشراء ذمم ومكارم سخية لمعظم وسائل الإعلام المسموعة والمرئية ، وشراء الكثير من الأحزاب والتنظيمات السياسية العربية ، وخاصة الفلسطينية والأردنية ، حتى وصلت يده الى بعض الحكام العرب ، وكوبونات النفط تدلكم عليهم .
وإذا أراد هذا اليسار أن يأخذ بيد الشعوب العربية نحو التحرر والتطور والرقي ،عليه أن يتخلص من وباء البحث عن البطل القومي اللصيقة دائماً بالحكام المستبدين والطغاة أمثال حافظ الأسد ومعمر القذافي وعصارتهم المقبور صدام حسين .