مقالات وآراء حرة
الجمعة 13/7/ 2012
14 تموز يوم الأمل الذي إغتالوهعلي بداي
بعد هزائمها التأريخية، تقف الشعوب الحية عادة أمام أعماقها لتتفحصها ناقدة، ثم تنهض من جديد . هكذا فعل اليابانيون والألمان ولم نفعلها نحن. حين تختل البوصلة أمامها ، قد تفقد بعض الشعوب صوابها ، فتجري في متاهات الماضي الخربة وتتجه لنهش تأريخها ونتف صفحاته دون ترو ولا شفقة ملقية بها الى القمامة، خالطة الهزائم والإنتصارات،الصالح والطالح ، الغث والسمين ، لافرق فكل ماكان، كان بلاءاً من الأجيال السابقة التي حملتنا وزر هزائمها ومغامراتها.
في خضم هذه الأجواء وتحت ضغط الحاضر المأساوي المتردي تسود عادة الفوضى الفكرية، فتسوّق مفاهيم ساذجة وأفكار أكثر سذاجة وضحالة، في محاولة لسبر غور للواقع العراقي الشائك. وضمن هذا الفعل، من الهروب المستمر أمام إستحقاق الحوار العميق، ينبري حشدٌ من الكتاب والسياسيين منذ فترة لتحميل ثورة 14 تموز كل خيبات العراق ومآسيه اللاحقة بإعتبار أنها كانت إنقلاباً "فتح الباب لحكم العسكر"، و"فاتحة لتدشين دورة العنف وصراع الأحزاب السياسية"، وكأن الحكم الملكي كان حكم ملائكة، فلم يعلّق قادة أحزاب مدنية غير مسلحة على أعمدة المشانق، وكأن الحكم الملكي لم يطلق يد شيوخ عشائر الجنوب وإقطاعييه المتعجرفين للعبث بحياة وكرامة آلآف الأسر الفلاحية ويحرمهما حتى من قوت اليوم الكفاف ، وكأن الحكم الملكي لم يكن مسؤولاً عن خلق الفرق الهائل بين مستوى معيشة الفئة الحاكمة وتجارها وموظفيها المعدودين بالمئات وعامة الناس المعدودين بالملايين.
في عام (1960) زار العراق الكاتبان التشيكيان "ميروسلاف زكموند" و "ييرجي هانزلكا" (M Zikmunt ,J Hanzelka) وهما من كتاب الرحلات ضمن رحلة طويلة في الشرق الأوسط ، وكتبا كتاباً مصوراً نادراً بإسم " الف ليلة وليلتان" (Tisic a dve noci). التقى الكاتبان خلال الرحلة "عبد الكريم قاسم" الذي تحدث لهما بالتفصيل عن خبايا الثورة واهدافها ورؤيته لحل مشاكل العراق.
وضمن قناعتهما بالطابع الوطني المباغت للثورة الذي حيّر الجميع، عرض الكاتبان لردود فعل الغرب على الثورة، حيث أن صباح 14 تموز كان قد وقع كلطمة هائلة على رؤوس سكان البيت الأبيض الأمريكي ووكالة المخابرات الأمريكية ، فلقد فوجئ كل من كان هناك بهذا العبد الكريم قاسم الذي بزغ كعفريت من حكاية بغدادية إسطورية! من تراه يكون عبد الكريم هذا ؟ كيف فات ال CIA ان تنتبه له وهو الذي إجتاز عدة دورات عسكرية في معاهد امريكية؟
في تلك الصبيحة التأريخية 14 تموز 1958 ، إستدعى رؤساء وكالة المخابرات الأمريكية ، نائب وزير الخارجية "هرتيرا" لغرض الإجابة على السؤال المحير:" كيف يمكن لضابط عراقي ان يزوغ عن مراقبة المخابرات الأمريكية؟؟ " وبعد يوم كامل من التدقيق والإستجواب والفحوص المخابراتية أقر مسؤول الشؤون الخارجية في مجلس الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ " وليام فولبرايت" أمام الصحفيين إنه لم يسمع من أي أحد في الحكومة او المخابرات اي شئ سوى ما اذيع من الراديو وما خرجت به الصحف!!!ولم يكن ما ساقه الكاتبان هو الإعتراف الوحيد بالطابع المستقل والمباغت للثورة بل أن وسائل إعلام بريطانية وأمريكية كبرى عبرت عن شعورها بالهزيمة في أعقاب ثورة 14 تموز فكتبت " مجلة " ايكومنومست" البريطانية بحرقة وأسى أن " الجياد فتحت باب الإسطبل وهرب أثمنها ولذلك لابد من العمل بأي ثمن من أجل منع هروب جياد أخرى ، بل لابد من إسترجاع الهارب الكبير". وطالبت المجلة بالتدخل العسكري المباشر للإنقضاض على الثورة لمنع تدهور مركز الغرب في الشرق، أما مجلة "تايم" الامريكية فقد قدمت ملفاً مطولاً عن احداث 14 تموز والأخطار التي ستترتب على الغرب الرأسمالي وإستراتيجيته في الشرق الأوسط جراء الثورة. وفي كتاب الإستخبارات البريطانية والعمل السري "British Intelligence and Cover Action لكاتبيه بلوك وفزجرالد (J.Bloch،P. Fitzgerald ) تتأكد مرة أخرى عراقية الثورة وأصالة منهجها .
و كتبت " "ديلي تايمس" الهندية في 14 شباط 1959 " أن خطة قد أعدت من قبل حلف بغداد رداً على الثورة ، تتمثل بهجوم تركي في نيسان 1959على سوريا والعراق والإستيلاء على حلب والموصل وضمهما اليها وفي ذات الوقت كان مخططاً أن تهاجم إيران المتبقي من الشمال الشرقي العراقي وتضمه اليها، وتستولي باكستان على كشمير، لكن الذي عطل تنفيذ هذه الخطة هو الإلتفاف الجماهيري العراقي غير المتوقع حول الثورة والتضامن العالمي الذي حظيت به.
كانت ثورة تموز إذن مفاجئة لأمريكا وبريطانيا ومهددة لمصالحهما بحيث أن الدولتين كادتا أن تشعلان حرباً إقليمية بسببها، ثورة هددت مصالح " الإستعمار والإمبريالية" تهديداً جدياً حقيقياً، عبر برنامج وطني لايشبه بشئ مسرحيات " أم المعارك" و" القادسية" و"المنازلات الكبرى" التي أنزلت العراقيين الى أسفل درجات التخلف والفقر والعزلة!
كان عبد الكريم يتحدث للكاتبين عن الإقطاع ، وفساد الحكام الملكيين، عن نيته عدم قتل الملك وعائلته وهو الأمر الذي لم يكن ضمن برنامج الثورة ، قال ان العراق سيتحول الى دولة راقية بعد سنوات قليلة وسوف يلحق بالدول المتقدمة بل وسيقدم لها المساعدة!!!
وحين زار الكاتبان حزام البؤس الذي كان يلتف على بغداد ، قدما وصفاً موجعاً عبر عن صدمتهما بالواقع المريع لحياة أكثر من 100 الف عائلة تشكل قرابة 30% من سكان العاصمة كانت تعيش في أكواخ بلا أدنى مستوى من مستويات الحياة اللائقة ببشر القرن العشرين: " مساء بغداد يشنف أسماع سكانها بسمفونية تطلقها حناجر ألآف الكلاب السائبة، بعواء مؤلم حزين على خلفية دخان الروث المتصاعد من صرائف فقراء بغداد المختبئة في ظلال السدة الترابية..إنها مآساة مروعة يندر أن يكررها حكم إقطاعي في اي بلد آخر" . صدمت بغداد بنصفها الفقير البائس المختبئ خلف السدة الترابية الكاتبين اللذين سبق وزارا بلداناً عديدة ، بحيث أنهما أبديا شكهما بقدرة "عبد الكريم قاسم" على معالجة هذا الموضوع الشائك،
لكن عبد الكريم كان قد وعد بإختفاء هذا القسم البائس من بغداد خلال خمس سنين! كان عبد الكريم يواصل الليل بالنهار عملاً، كان ثائراً مؤمناً بنفسه وبالعراقيين الى حدود بعيدة، وكان يؤمن بعمق بقدرة الشعب على القفز بوثبات عريضة لتجاوز التخلف.
لقد كشف عبد الكريم عن فهمه العميق لترابط عوامل التبعية للرأسمال العالمي مع عوامل التخلف الحضاري الداخلي وقدمت تجربته القصيرة المثمرة منطقاً متماسكاً لإرتباط الشعار بالعمل. بعد ثورة تموز 1958 مباشرة ،إتجهت حكومته عبد الكريم قاسم 1958-1963 لتصنيع البلاد وتعزيز ثرواتها والإفادة من خبرات أبنائها، وتوجهت لحل مشكلة الأمية فتضاعفت أعداد التلاميذ أضعافاً وشيدت بفترة قياسية مئات المدارس وأعلن التعليم مجانياً، وإنبرى عبد الكريم شخصياً للتصدي لمشكلة السكن فكان يزور مناطق البؤس حول بغداد بنفسه ليوعز بإنشاء أحياء كبيرة كالثورة في الرصافة والحرية والشعلة في الكرخ، بغرض إسكان سكان الصرائف وفقراء بغداد، كما انشأت هذه الحكومة مدناً ومجمعات في كل انحاء العراق للعسكريين سواء الضباط ام المراتب، مثل مدينتي الضباط في زيونة واليرموك،ومدينة لنواب الضباط في منطقة الاسكان. كما قامت بانشاء أحياء حسب المهنة (تماما مثلما يفعل حكامنا الان بتوزيع الاراضي على البرلمانيين!!)، فانشيء حي المعلمين و حي المهندسين و المحامين، والمطابع،والسكك وتم توزيع الاراضي على موظفي الدولة وتأمين المصرف العقاري لتقديم القروض لإنشاء المساكن بتسهيلات كبيرة. وساهمت عمليات البناء الهائلة في تشغيل عشرات آلاف العاطلين كما ساهم تطور البلاد بإرساء أسس تشكل الطبقة الوسطى ذات الدور الفاعل في إستقرار وتقدم البلاد.
كشف عبد الكريم في تلك المقابلة عن أمور غاية في الأهمية حين قال:" أننا وضعنا ايدينا على مخططات حلف بغداد السرية التي لو نفذت لجعلت بلادنا والمنطقة تغوص بالدماء"!
وحين سأله الكاتب التشيكي : هل لازالت هذه المخططات بحوزتكم سيادة الزعيم؟
أجاب: "نعم وفي هذا تكمن قوتنا ، لم ننشرها ولكننا نحتفظ بحق فعل ذلك!!"
وبعد أكثر من نصف قرن نتساءل الآن، الم يكن عبد الكريم صادقاً في كل ما قال؟ ألم تنفذ هذه المخططات حرفياً ؟ اليس الذي يجري في العراق منذ عام 1963هو بالضبط ما حكاه عبد الكريم قاسم للكاتبين التشيكيين؟ ألم تغص بلادنا والمنطقة بالدماء عبر أحداث غريبة رتبت بشكل عجيب مثير للشك كخلق وتأهيل "صدام حسين" تدريجياً وتصفية كل خصومه بنجاح باهر ، والحرب ضد إيران، وغزو الكويت ثم غزو العراق؟و قبل أن يتم عبد الكريم قاسم عام حكمه الخامس نجح تحالف ذوي العمائم ومن لف لفهم (آباء حكامنا الحاليين) من المتضررين مدعوماً من الخاسر البريطاني والخاسرالأمريكي والخاسر الأردني، وبتدخل فض من عبد الناصر وقومجيته ومطبليه أمثال "محمد حسنين هيكل" و"أحمد سعيد" ، تمكن هذا التحالف من ذبح عبد الكريم ورفاقة بمعركة كان عبد الكريم ورفاقه خلالها أبطالاً مقدامين وطنيين وكان ذباحوهم كما تبين لاحقاً مثال الهمجية والخسة والإستعداد للعمالة التي أدت ببعضهم من "الملوك" للإشتغال للأمريكان بوظيفة عميل براتب مليون دولار سنوياً بكل ما يعنيه هذا العمل من دلالات.
مضى عبد الكريم مفضلاً الموت على أيدي الأنذال، على إحتمال نشوب حرب أهلية ،وأعقبت عبد الكريم قاسم وجوه أعقبت وجوهاً ، وشعارات ولدت كوارثاً، ومشاريع اعمار شامل تحولت الى مشاريع دمار شامل، وأحزاب تحولت الى عوائل مالكة للأرض ومن عليها. وها نحن نعيش العام التاسع بعد بداية ديموقراطية أمريكا بلا ماء ولا كهرباء وبملايين الأميين والمتسولين. مضى عبد الكريم ،شامخاً، مكللاً بحب نادر، حب غير متكرر، حب لطالما حاول الآخرون أن يشتروه عبثاً بالمال وبالكلام وبالوعود والكذب الكبير، مضى عبد الكريم ورفاقه، وبقيت آثارهم ، قوانين وطنية متقدمة، ومساكن، ومستشفيات، ومدارس إنتشلت الآلاف من أبناء الفقراء من التسكع في الطرقات ومن ظلام الأمية، مضى عبد الكريم ورفاقه، وإضطر الكذابون الذين شوهوا سيرتهم للكشف عن كذبهم بعد أن كشف التأريخ ضألة قاماتهم وتوارى آخرون عن الأنظار كأحمد فوزي وآكاذيبه التي سطرها في مؤلفه المضحك " عبد الكريم وساعاته الأخيرة"، مضى عبد الكريم ، وبقيت صوره منقوشة على الصحون التي خبأتها الجدات بعيداً عن وحوش الحرس القومي ، وبقيت صوره المنقوشة على الصدور التي إستقرت في القلوب بعناد عراقي وفيما مضى قاتلوه الى مصير مخز، كان الكثير من أصحاب الضمائر الحية الذين لم يكونوا يوافقوا "عبد الكريم قاسم" في سياساته قد إختاروا أن يسندوه وهو في صراعه المرير( بعد الموت) مع من أراد له النسيان! انطفأت الابتسامة المشرقة لعبد الكريم قاسم وبذلك غرقت البلد بعتمة قاتمة ، وغابت البسمة عن شعب بكامله لسنين... وسنين... وسنين
نعم فقد كان العراق قبل 14 تموز أحد الخيول في إسطبل بريطانيا وأمريكا ، والآن أعيد هذا الجواد "الذي لم يعد جواداً جامحاً بعد أكثر من خمسين عام على الثورة ، الى الإسطبل الإمبريالي الرجعي، إتت أمريكا غازية حطام ماتبقى من العراق، لتقدمة هدية لذات القوى الرجعية الدينية المتحجرة والقومية التي لاترى سوى نفسها والتي حاول عبد الكريم قاسم وثوار تموز تحجيم دورها التخريبي في المجتمع. الآن عدنا الى البدء في صراعنا مع الرجعيين والقومانيين وتجار الشعارات وكتاب التعاويذ ..فكم كان عبد الكريم ورفاقه وطنيين مخلصين ؟