| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأحد 13/7/ 2008

 

الثورة والرمز - 14تموز
والزعيم عبد الكريم قاسم (أنموذج )

مهدي الشمسي

الثورة هي الترجمة الفعلية لرفض واقع سياسي معين ومحاولة استبداله باخر,من المفروض ان يلبي حاجة ابناء الشعب ويدفع بعملية التغيير نحو الاحسن , وهذا الرفض هو وعي سياسي اولا واذا ما توج بعمل فعلي ناجح تكون الثورة , وحديثي هنا عن الثورة السياسية والتي ستنسحب عليها ثورات اخرى والتي من الضروري حدوثها كي تبرز او تؤكد نجاح الثورة , أي ان الثورة السياسية هي بمثابة الهزة الارضية الاولى والتي تكون عنيفة تتبعها هزات ارتدادية كرد فعل لقوتها , ومن هذه الهزات الارتدادية للثورة السياسية الثورة الاقتصادية , والثوره العلمية والثورة الاجتماعية وغيرها من الثورات والتي وضع المخططون للثورة السياسية في برنامج عملهم حسابات لها والتي يجب ان تنفذ في حال نجاح الثورة الام واقصد بذلك الثورة السياسية . ليس بالضرورة ان تكون الثورة الام ثورة دموية ولكن نلاحظ ان كبريات الثورات العالمية والتي غيرت مجريات التاريخ الحديث كانت دموية وذلك لغياب الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة ومن هذه الثورات الثورة الفرنسية وثورة اكتوبر البلشفية وغيرها من الثورات .

لكل ثورة مبرراتها وحسب طبيعة النظام القائم وما يدور حوله من سياسات وتحالفات والتي يجب ان تؤخذ بالحسبان , حيث ترتبط بعوامل داخلية وخارجية تملي عليها ضمنا تقديم الادلة المقنعة لقيامها حتى تجد التاييد وتستوفي شروط تلك المبررات وهذا هو التحدي الاول للثورة . فالعوامل الداخلية او المبررات الداخلية هي امر مضمون للنخبة المفكرة بقيام الثورة والا فلا داعي للمخاطرة خصوصا اذا كان النظام القديم دمويا واستبداديا ,اما العوامل الخارجية فهي عوامل غير مضمونة ترتبط بالتجاذبات والتناحرات المحيطة ومصالح الانظمة وسياساتها المعلنة والغير معلنة وتكون ممولة في اغلب الاحيان لقيام الثورة .

الصفوة او النخبة المفكرة بقيام الثورة تضم بينها عناصر وطنية مخلصة ومؤمنة بحتمية التغيير , وهذه الحتمية ناتجة عن النضج الفكري للنخبة والذي يجب ان يترجم الى واقع فعلي ملموس يدفع بالاخرين الى اعتناق مبدأالثورة وشرح مبرراتها وايجاد برنامج عملها واهدافها وضمان وجود البدائل في حال فشلها وغيرها من التحضيرات والحسابات الضرورية لقيام الثورة , كما تضم النخبة عناصر نصف وطنية والاخرى منتفعة وغيرها الحاقدة على النظام القائم والتي تكون عادة ممولة ومجازفة بمستقبلها في حال فشل الثورة . هؤلاء جميعا كانوا يراقبون اداء النظام السابق عن كثب ومتربصين لاخطائه فاضحين سياساته التعسفية وفشله في تطبيق البرامج التنموية والتي تكفل لابناء الشعب العيش الكريم ومستقبل يؤمن لابنائه فرص التعليم والتقدم المستمر والاستفادة القصوى من ثرواته المختلفة وغيرها من المكاسب والتي يجب ان يتمتع بها ابناء الشعب ,اضافة الى الارتباطات المشبوهة للنظام مع دول استعمارية او حليفة لها , كما تراقب هذه النخبة الاضطهاد التعسفي لاجهزته البوليسية تجاه ابناء الشعب وموالاته لشرائح بعينها دون اخرى كان تكون طائفية او عنصرية او عرقية ومصادرته للحريات المختلفة وملاحقته للطبقة المثقفة والواعية من ابناء الشعب وزجها في المعتقلات وحملات الاعدام الظالمة لقياداتها وغيرها من الاخطاء والاخفاقات . كل ذلك يكون مدعاة لقيام الثورة حيث توفرت المبررات المقنعة للتفكير بقيامها واعلانها على الملاء بعد ان استوفت شروط ومبررات انبثاقها .

فالثورة هي غير الانقلاب في المفهوم السياسي , فالانقلاب هو حركة تصحيحية لمسارات سياسية وبرامج اعدت مسبقا لكيان سياسي معين الا ان هناك انحرافات او تجاوزات في تنفيذها من قبل قياداتها او القائمين على رعايتها , كان تكون انحراف ايدلوجي او تهميش فئة او الاستاثار بالسلطة او الفساد العام وغيرها مما يعطي مبرر للانقلابيين بالاطاحة بالتشكيلة القديمة والغير مرغوب فيها وتنصيب اخرى تحمل نفس التوجه الفكري والايدلوجي للنظام السابق ولكن بوجوه جديدة أي هي حركة تصحيحية او اصلاحية والامثلة على ذلك لاحصر لها . وهذا يختلف تماما عن مفهوم الثورة والتي تحمل معاها رياح التغيير الجذري للدولة وللمجتمع , لذا نلاحظ ان الثورات في القاموس السياسي للعالم معدودة ويمكن للمتعلم ان يحصيها لانها تركت بالغ الاثر على مجتمعاتها وعلى العالم اجمع عكس الانقلابات والتي لا عدد واضح او مثبت لها لانها كثيرة وقد طواها النسيان .

المقدمة اعلاه ضرورية للدخول مباشرة الى مبررات قيام ثورة الرابع عشر من تموز عام1958 الخالدة ولنفترض جدلا افتراضين اولهما هو عدم التفكير بقيامها اساسا او قل فشلها , اما الثاني فهو استمرار نجاحها وعدم حدوث كارثة 8 شباط السوداء , ونناقش مستقبل العراق في ظل قيام الافتراضين ونجاحهم كل على حده .

الافتراض الاول غير ممكن لاسباب يعرفها الذين عايشوا تلك الحقبة واصبحت معروفة للجميع واهمها هي حساسية الشعب العراقي لمفهوم التغيير , هذا الشعب الذي يملك طبقة واسعة ومتنامية من المفكرين والمثقفين والمتنورين والتي ابت ان تبقى متفرجة على وطن وشعب يرزح تحت وطاة الفقر والقهر في حين لها القدرة على المساهمة في خلاصه والتفكير بقيام ثورة , والسبب الاخر والمهم هو قدرة المثقف العراقي والسياسيين منهم على مغازلة العالم المتطور والاستجابة السلسة لمبدا النهضة الواسعة والتي من الصعب تحقيقها الا بقيام ثورة والاستفادة من تجارب الشعوب المنتصرة وفي كافة المجالات , ومن الاسباب المهمة في عدم امكانية التفكير بالثورة هو فشل النظام الملكي واخفاقاته وعلى شت الاصعدة وارتباطاته المشبوهة مع الدول الاستعمارية ونهب ثروات الشعب والقهر والظلم لطبقته المثقفة ولعموم ابناء الشعب , فالنظام الملكي اصبح عبء على الشعب في الوقت الذي ازدادت فيه الفجوة بينه وبين ابناء تلك الشعب وخيم الفقر والحرمان على طبقة واسعة من ابنائه وتنامت الامية والجهل بشكل مخيف ولد شعور بالاحباط والبحث عن البدائل والتي تكفل الخلاص لهم من تلك الماساة فكانت الثورة هي طوق النجاة المنقذ .

لتلك الاسباب ولغيرها الكثير والذي اختصرته بات التفكير بالثورة امر حتمي تمليه ضرورات المرحلة انقاذا للشعب ولمستقبله . ولنا ان نتصور عدم قيام الثورة او فشلها في ظل تلك الظروف الماساوية للشعب العراقي وهو الذي يملك ارصدة لا حصر لها من العلماء والمفكرين واصحاب العقول المتنورة .
ان قيام ثورة 14تموز الجبارة امر حتمي للمعطيات الانفة الذكر , انبثقت وهي تحمل مبررات قيامها فايدها الشعب العراقي على كافة شرائحه كما ايدتها الشعوب المحبة للحرية والسلام .

وعودة الى الافتراض الثاني وهو ان تكمل الثورة مسيرتها وعدم جرها الى مسالك خطرة ومن ثم الاطاحة بها .
وهذا ما كان يرنوا اليه العراقيون وعلى مختلف مللهم , فقد تذوقوا طعم الحرية وتنفسوا الصعداء فجر 14 تموز ولمسوا ثمار تضحياتهم عندما شاهدوا باعينهم بلد يشيد ومكاسب لا حصر لها تبرز للوجود وتحت ظل قيادة وطنية وامينة اخذت على عاتقها تطبيق برامج تنموية لا حصر لها وترى النور لاول مرة في تاريخ العراق , وكان عبد الكريم قاسم عبد للشعب متفاني في حبه مما دفع الاخرين للاقتداء بنهجه فكان بحق القائد والرمز وهذا ما اغاض الاعداء والهب لديهم النزعة العدوانية القذرة , كان رمز حقيقيا ولايزال , انتظره الشعب فكانت ولادته فجر الرابع عشر من تموز المباركة ,لم يكن رمز كارتونيا صنيعة الاعلام كما كان غيره وطبل له المنتفعون بل رجل واثب آمن بالشعب وبالحقيقة القائلة ان الوطن اغلى من عيوننا وان الشعب في حدقاته لا يعز عليه شيء فصعد الى مذبح الحرية وهو يهتف عاش الشعب العراقي عاش العراق الموت للجبناء والمتآمرين . فقد فوت الجبناء فرصة ثمينة على الشعب العراقي واختطفوا ثورة 14 تموز الخالدة , كان هذا الشعب قاب قوسين او ادنا من الخروج من عنق الزجاجة المعتم وادخلوه في مهالك ومزالق دموية لا نزال لحد هذه الساعة ننزف دما جراء ارتكابها وندفع اثمان غالية لحماقاتهم واخطائهم الفادحة .

لم تكن ثورة تموز صنيعة احد , بل هي ثمرة لجهود وتضحيات الخيرين من ابناء الشعب وطليعته المفكرة والمناضلة, ولم تسهم بانبثاقها ايه جهة اجنبية كما فعل الجبناء , بل هي عراقية صميمية صرفة استوفت كل شروط الثورة وبامتياز , هي غيرت وجه العراق والمنطقة ولو شاء القدر ان تستمر لاحدثت زلزال مدوي يقلب العروش فوق اصحابها والذين تنادوا وتعاووا من اجل اسقاطها تقف خلفهم القوى الامبريالية العفنة دفاعا عن مصالحها ومصالح حلفائها والتي تتواجد اليوم وبنفس السيناريو لتدافع عن الشعب العراقي والذي تآمرت عليه وذبحته بالامس.

تحية لتموز الثورة وتحية لرمز الثورة زعيمها وشهيدها وملهمها , تحية للشعب العراقي الذي فجر الثورة وانجب عبد الكريم قاسم , وتحية لشهداء العراق ومناضليه , وسلاما على فقرائه الذين يتطلعون اليوم الى غد افضل .
هي البشرى فالشعب حي ولا يزال يحمل مشعل الثورة والحرية .


13-7-2008

 

free web counter

 

أرشيف المقالات