| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

السبت 14/2/ 2009



زيارة الشيخ دخيل
للحاكم العسكري العام العقيد رشيد مصلح التكريتي عام 1963

عبد الحميد الشيخ دخيل

في بادئ الأمر سأتطرق إلى بعض من الانتهاكات والممارسات التي مارسها الحرس القومي ضد مجموعة تربطني معهم صلة القرابة والصداقة والجوار والذين كانوا يسكنون في محلة المهدي / الدورة يوم الانقلاب الأسود في 8 شباط 1963 ، والتي لها صلة بزيارة الشيخ دخيل إلى العقيد رشيد مصلح التكريتي صاحب البيان رقم 13 المشؤوم.

هنالك الكثير من الانتهاكات المعروفة والموثقة التي تعرض إليها الكثير من الوطنيين من أبناء الشعب العراقي ومن بينهم الكثير من أبناء الطائفة المندائية ، وهنالك كوكبة من الشهداء المندائيين الذين قدموا حياتهم ثمنا لوطنيتهم ومبادئهم السامية من أجل الحرية والديمقراطية وحبهم للعراق جراء هذا الانقلاب الأسود .

المقدمة
ما قام به النازيون في الحرب العالمية الثانية أثناء احتلالهم للعديد من البلدان الأوروبية وحتى في ألمانيا نفسها ، مارسه أحفاد هتلر من القوميين والبعثيين وبإسناد ودعم من جهات عديدة معروفة، الداخلية منها والخارجية، يقف في مقدمة تلك الجهات دعم أعوان النظام الملكي والإقطاعيين المتضرر يين من قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958 ومن صدور قانون الاستثمار النفطي ، وهذه من المكاسب المهمة للشعب العراقي بموجب قانون 80 لسنة 1961 ، وكذلك دعم من قبل الأنظمة الرجعية المحيطة بالعراق وبالمنطقة.

التقت المصالح والأهداف لهذه التجمعات المعادية للثورة وكذلك مصالح القوى الاستعمارية الكبرى التي كانت تخوض صراعاً محتدماً وعنيفاً مع القوة الناهضة الجديدة للمعسكر الاشتراكي وكرّسوا كل قواهم وخبراتهم لتنفيذ عملية الانقلاب في 8 شباط من عام 1963 وبقيادة النازيين الجدد من أجل القضاء على المنجزات التي تحققت في ظل حكومة الثورة التي إقامت النظام الجمهوري على مبادئ الحرية والمساواة والعدالة بين أبناء الشعب العراقي دون تمييز وسيادة القانون وتصفية القوى الوطنية الناهضة والمؤثرة في الشارع العراقي.

في تمام الساعة 40/9 صباحا من يوم 8/شباط 1963 أذيع بيان رقم (
1) المتضمن القضاء على (الطاغية الخائن المجرم) عبد الكريم قاسم في وزارة الدفاع ، علما بأن هذا الكلام الوارد في البيان المذكور غير صحيح ومخالف للحقيقة ، لكون المقاومة العنيفة للانقلاب كانت لاتزال مستمرة، وتعاقب ذلك العديد من البيانات المتعلقة بالانقلاب حتى وصلت الى رقم 13 المشئوم الصادر من قبل الحاكم العسكري العام / مجلس قيادة الثورة – العقيد رشيد مصلح التكريتي ، وهذا البيان لم يكن موجها إلى فئة سياسية معينة بل كان بمثابة إعلان إبادة جماعية موجهة ضد الشعب العراقي بكل أطيافه وأقلياته المتعددة ، فهم أول من مارس وطبق شعار الاعتقالات والقتل والقمع والإرهاب الجماعي بحق الشعب وقواه الوطنية.

وكان نصيب الأقليات الحصة الكبيرة في هذه الاعتقالات وخاصة من العناصر الوطنية المثقفة ورجال العلم والفن وغيرهم ، فقد كانت هذه العناصر الوطنية في مقدمة المدافعين عن الثورة ، حيث وجدت الأقليات في ظل الحكم الجمهوري الجديد بأن أمنهم وحقوقهم مصانة في ظل ذلك النظام فاندفعوا للدفاع عنه ، وهذا ما تحقق لأبناء الصابئة عند زيارة الشيخ دخيل للزعيم عبد الكريم قاسم قبل شهرين من استشهاده وما قدمه من دعم وإسناد للطائفة والحصول على قطعة ارض المندي في القادسية والتي تبرع بها الشيخ دخيل للطائفة ، كان عبد الكريم قاسم في مقدمة المدافعين عن الأقليات الدينية والداعمين لحقوقهم .

هذا ما كان ينظر له الأعداء بنظرة عدائية وينتظرون الساعة التي تأتي لمعاقبتهم على إخلاصهم وولائهم للثورة والدفاع عن الوطن ، وهذا ما ظهر خلال الاضطهاد الذي تعرض له المندائيون وغير المندائيين من الأقليات الأخرى لأنهم اضعف الحلقات الموجودة في المجتمع ، ولا يساندهم أو يدافع عنهم أحد .

ما جرى علينا من اضطهاد وتنكيل خلال تلك الأيام المشؤومة قد فاق ما تعرض إليه الآخرون وذلك نسبة إلى عدد أبناء الصابئة.

قبل ساعات من صباح يوم الإنقلاب المصادف ليوم الجمعة 8/شباط 1963 ، ذهب والدي إلى الصالحية / الكريمات للالتقاء بالشيخ عبدالله الشيخ سام في بيته الكائن في الكريمات مقابل السفارة البريطانية وبالقرب من الإذاعة والتلفزيون وذلك لمتابعة بعض الأمور التي تتعلق بشؤون الطائفة ، وأثناء تواجده في بيت شيخ عبدالله سمع دوي الانفجارات المتلاحقة والتي استهدفت كما تبين لاحقاً مبنى الإذاعة والتلفزيون في الصالحية ومبنى وزارة الدفاع حيث المقر الرئيسي لتواجد عبد الكريم قاسم ، بعد أن حلقت إحدى الطائرات الحربية التي يقودها منذر الونداوي في سماء بغداد لقصف تلك الأهداف وغيرها ..

وتسارعت الأحداث حينها وامتلأت شوراع بغداد بآلاف المتظاهرين لتأييد الزعيم عبد الكريم قاسم والدفاع عن الثورة وانقطعت حركة المرور والسير ثم فرض منع التجول ، وقبل انقطاع خطوط الهاتف وتوقف خدمة التليفونات الوحيدة والمتوفرة آنذاك، اتصل بنا والدي وأخبرنا بأنه سيبقى عند بيت أبي عبد الجبار/ شيخ عبدالله لحين رفع منع التجول وسير المواصلات وأوصانا ألا نغادر البيت من أجل المحافظة على سلامتنا ، وبعد ذلك لم نسمع منه شيئاً ما أو وصية لانقطاع طرق و وسائل الاتصال مع بعضنا البعض .

جلسنا نتابع الأخبار المتلاحقة من الراديو والتلفزيون في البيت حول تطورات الانقلاب وكانت أصوات البنادق والمدافع تسمع في كل مكان وتشكلت مجموعات من أهالى المنطقة حاملين مختلف الأسلحة المتوفرة عندهم وأخذوا يجوبون شوارع المحلة تعبيراً عن تضامنهم مع ثورة 14 تموز وما حققته لهم من مكتسبات ، وكانت محلة الدورة وضواحيها آنذاك من المعاقل المهمة لتواجد البعثيين والقوميين وعلاقتنا معهم كمندائيين علاقة سيئة بسبب نظرتهم الخاطئة عن الصابئة ونعتهم لهم بأنهم شيوعيون ويحبون عبد الكريم قاسم ،وهذه المعلومات وغيرها كانت تتسرب عن طريق عملية التنصت من خلال الهاتف ومن خلال المراسلات التي ترسل للشيخ من قبل عبد الكريم قاسم ، حيث كان بعض ممن كـُـلـّف لمهمة المراقبة والتنصت تلك يجتمعون في مقر البدالة الكائن خلف بيتنا ويتابعون جميع المكالمات التي تستلم عن طريق البدالة ويرفعون تقاريرهم حول ذلك الى مرؤوسيهم .

شعرنا في تلك الأوقات بأن زمن تلك الأيام قد أصبح ثقيلا وطويلا وأن عقارب الساعة مع القلق الذي يغلف نفوسنا تتحرك ببطء وبصعوبة، وكنا نتمنى أن تنجلي تلك الأوقات ، لا الأيـــام، لنرى ما سيحصل من تطورات وأحداث لصالح إرادة الشعب الذي خرج ضد هذه العصابات المأجورة ..... وكان هذا دعاؤنا...لا غيــــر !.

بدأ الحزن والقلق والخوف يتنامى في داخلنا ويخيم علينا كلما اقترب الظلام من المصير المجهول الذي لا نعرف أين ستكون نهايته ، وكنا نتوقع أن الساعات القادمة لا تمر بسلام على الإنقلابيين نتيجة المقاومة الشديدة في معظم مناطق بغداد والمحافظات .

بعد صدور بيان رقم 13 المشؤوم، شملت الاعتقالات مئات الآلاف من الوطنيين وبغض النظر عما إذا كانوا سياسيين أو غير سياسيين من قبل عصابات الحرس القومي المنفلتة والهوجاء التي داهمت البيوت في الليل وامتلأت السجون والمعتقلات واستخدم الانقلابيون الملاعب الرياضية ودور السينما والنوادي الرياضية وغيرها والدور السكنية كمعتقلات لحشر الآلاف فيها من الناس و دون تمييز يذكر ، ومارسوا فيها كل أنواع التعذيب التي لم يعرف التأريخ الحديث للبشرية مثيلاً لها .

بعد الساعة التاسعة ليلا.. سمعنا طرقــاً على باب الحديد الخارجية للبيت ، وطالعنا بخوف و ترقب من خلال شبابيك البيت فشاهدنا مجموعة من أفراد الحرس القومي حاملين أسلحتهم النارية والموجهه إلى دارنـــا ! كان لابد لنا من أجل التمويه على عدم تواجد أحد ما في البيت عدم الاستجابة إلى نداءاتهم هذه .

لم يكتف هؤلاء بما هم عليه فأعتلى قسم منهم سياج الدار ودخلوا إلى داخل الحديقة وأحاطوا البيت من جميع جوانبه وأخذوا يضربون بقوة على الباب الداخلية. وهددوا بكسر الباب الخشبية تلك في حال عدم الاستجابة لنداءاتهم !

في لحظات عصيبة وحرجة للغاية لا تزال في ذاكرتي ، سألت هؤلاء عما هم قادمون إليه ، فطلبوا أولاً أن أفتح باب الدار لهم ، لكي أعرف منهم ما هو الهدف الذي جاؤوا من أجله.

طلبت من أخي رياض أن يجد له مكانا بعيداً عن أنظار القادمين إلى البيت، يختبئ به ، قبل خروجي لهم ، داعياً له ولنا بالأمان والسلام وبحماية الحي العظيم لنا .

كان أخي رياض في الصف الخامس علمي /الإعدادية المركزية وأنا في الصف الرابع/ إعدادية التجارة ودعت أمي وأخواتي وإخواني الخائفين مما يحدث وخرجت لهم وأنا بملابس النوم التي كنت عليها.

قال أحدهم وهو كريم الجاسم ، الذي أصبح بعد الانقلاب رئيس اتحاد الجمعيات الفلاحية :

أين الشيخ...؟ وأين أخوك......؟

قلت لهم ، ذهبوا إلى بغداد وانقطع الطريق وبقوا هنالك .....

وأوضحت لهم .. لو كان والدي موجودا لخرج لكم ولم يسمح لي بالخروج لكم..! ماذا تريدون مني ومن والدي ..؟!

قال أحدهم سوف ندخل للبيت ونفتشه ..! لم أمانعهم في ذلك .! وأخيراً وبعد أن يأسوا من العثور على أحد ما أو شيء ما ، قال كريم الجاسم : تعال معنا !

إلى أيــن ؟ أجبتهم .. . نادى عليّ متهجمـــاً وبلكنة تعلوها لغة الغطرســـة والعدوانية بكل معانيهما :

تعال معنا إلى مخفر الشرطة للاستفسار عن بعض المعلومات.....! ( وبالمناسبة هذا المخفر استحدث بناءا على طلب والدي لحماية المندائيين من السرقات والاعتداءات) !!

قال أحدهم مستفزاً .. قبل أن تأتي معنا، اجلب لك فراشا لتنام عليه ! ( خلف الله عليه )

قبل مغادرتي البيت ،جلبت معي ( لحافا ومخدة وفرشة ) .. ودعت والدتي وأخواتي وأخوتي وأنا أطالع عيونهم التي تذرف الدموع خوفاً وقلقاً على مصيري من هؤلاء المجرمين......!!! وقلت لهم ما عندنا غير الدعاء للحي العظيم أن يجنبنا هذه المحنة ...

كان هذا الموقف عصيباً علي وعلى أهلي ولا زال شاخصاً في ذاكرتي حتى اللحظــــة !

خرجت معهم وكانوا بحدود عشرة أفراد مدججين بالسلاح ...،ومن سكنة محلة المهدي/ الدورة ، وغالبيتهم ممن كانوا متسكعين في شوارع المدينة والأحياء ، تلفظهم كل نواحي الحياة الطيبة والنزيهـــة .

دخلت مخفر الشرطة وقد فوجئت بوجود الإخوان بشير ساجت سعيد والمرحوم عباس ساجت وحسن ساجت والمرحوم شنور عوفي الكلمشي و حسني عبدال أبو لمعي واثنان من الأخوة المسلمين أصحاب مقهى ويتمتعون بالأخلاق الطيبة ومحترمون وهم من الجبور ، كنا نجلس في مقهاهم للمطالعة ولعب الطاولي ... وصادف أن الذين اعتقلوا هؤلاء هُم من أقاربهم ومن الجبور أيضا ،كان أحدهم مدرسا والآخر يدرس في الجامعة ويعتقدون بأن هنالك علاقة حزبية تربطنا بهم ..!

بعد التحية عليهم ، علمت بان حضورهم للمخفر كان قبلي بكثير... ويبدو أنهم كانوا مترددين في المجيء لنا ، ولم يجلبوا أي شخص من بعدي . سجلت أسماؤنا وانتظرنا لحين مجيء سيارة ( لوري عسكري ) لنقلنا إلى مكان آخر..!

صعدنا بصعوبة إلى عجلة ( اللوري ) وخاصة من قبل كبار السن والبدناء ، وكان من بيننا المرحوم شنور عوفي وزنه ثقيل وبصعوبة فائقة تم صعوده بعد تقديم المساعدة له في ظل الأمور الطبيعية ، أما في حالة تعرضنا للضرب من قبل عصابات الحرس القومي ورجال الأمن في الأمن العامة فقد كانت صورة مأساوية تعرضنا إليها ، وكانت أشبه بيوم كربلاء حينما سحبنا شنور عوفي من الأرض إلى اللوري ! ولو كـُنا قد تركناه على الأرض، لكانت هذه نهايته حينذاك .

اتجه اللوري بنا وبصحبتنا مجموعة من الحرس القومي إلى مركز شرطة البياع ( المحطة الثانية ). نزلنا من اللوري وجلسنا في المركز بعد تعرضنا للإهانة والضرب والشتائم والاستفزاز من قبل هذه العصابات ، وكان هناك مجموعة معتقلة من أهالي البياع . تم تسجيل أسمائنا وعناويننا مجددا ، وأصعدنا ثانية في اللوريات بعد أن ازداد عددنا وأصبح عدد اللوريات ثلاثة ، وسارت بنا إلى المحطة الثالثة ... !

في ليلة الانقلاب وكنا نتنقل من مكان إلى آخر وكانت السيطرات وعصابات الحرس القومي منتشرة في بعض الشوارع وأصوات الرصاص تسمع وتطلق النيران بشكل عشوائي ، لا نعرف من أين توجه النيران ومن أين مصدرها ..!! ونحن متكدسون واحدا فوق الأخر ونحاول إخفاء رؤوسنا إلى الأسفل قدر الإمكان خوفا من رشقات الرصاص التي تعترضنا أثناء المرور في الشوارع والمناطق الملتهبة .

وصلنا إلى المحطة الثالثة وهي مركز شرطة الكرخ الكائن في الشواكة / شارع حيفا حاليا ، ونزلنا كالعادة (ورحبوا بنا على طريقتهم المعتادة وقالوا أهلا بالشيوعيين المقاومين الأبطال ).

أين كنتم تقاومون...؟ وبعد الإجراء الروتيني بطلب المعلومات مجدداً ، صعدنا إلى ( لورياتنا ) مجددا والتحق بقافلتنا عدد قليل من منطقة الشواكة ... إلى أين ... ؟ لا ندري.. !

وسارت بنا اللوريات وكانت مغطاة بالجادر وكان الجو باردا ونحن بملابس النوم ( الثوب والبجاما ) لا غير !! وخلال تحرك اللوري كنا نسرق النظرات من خلال الثقوب الموجودة في الجادر ( الغطاء الذي يغطي اللوري ).

اتجهت بنا اللوريات من الشواكة مرورا بالكريمات والصالحية وكرادة مريم ، كانت هذه من المناطق الساخنة والملتهبة والمقاومة فيها على أشد درجاتها وقد تعرض اللوري إلى النيران أثناء مروره ، وبالقرب من الإذاعة والتلفزيون وقفت اللوريات من قبل السيطرة ، وقال أحدهم : من هم هؤلاء ..؟ قالوا لهم : شيوعيون مقاومون ... وطـُلب من الحرس المرافقين لنا أن ينزولنا لإعدامنا ، ورفض هؤلاء ذلك .. وكانت هذه من أصعب اللحظات التي مرت بنا ، فقد فقدنا الأمل من نجاتنا لكثرة المعارك الدامية في تلك المناطق أثناء مرورنا بها , بزغ ضوء الفجر ونحن في طريقنا إلى المحطة الرابعة ... ! وأين هذه المحطة الرابعة ... ؟ لا نعرف ...! وأصبح لدينا شعور وإحساس كلما تقدمنا أكثر بأن الخطر يزداد وحيواتنا مهددة نتيجة تأزم الوضع وكثرة الحوادث والعنف والاقتتال الدائر ما بين الانقلابيين والمقاومة وهذا ما شاهدناه في المحطة الرابعة ... وهي الأمن العامة .

وقفت اللوريات في بداية أحد الشوارع المؤدية إلى الأمن العامة (ووقف الجميع من رجال الأمن والحرس القومي والجلاوزة والمجرمين لاستقبالنا ) وعلى شكل صفين متقابلين ابتدءا من مكان اللوريات وهو بداية الشارع حتى نهاية الشارع المؤدي للأمن العامة ، وكان بحوزتهم أدوات الضرب والتعذيب والأسلحة يلوحون بها وينتظرون نزولنا من تلك العجلات والمرور بينهم حتى نصل مركز التجمع في الأمن العامة وهي ساحة تتوسط الدور (مكاتب الأمن ) والذي يصل إلى ذلك المكان بكامل قوته فهو بطل...!!!

كان طول الطريق لهذا الشارع بحدود 200م تقريبا ، اقترحت على الإخوان الذين معنا وبحوزتهم الفراش ، فتح الفراش , الفرشة والبطانية وتغطية رؤوسهم وأجسادهم بها لحمايتهم من شدة الضرب عليهم ، ومرورنا بينهم كمجموعة متصلة واحدا بالأخر لكي نتقي الضربات بسرعة علينا من قبلهم ، وأن نسرع في السير قدر الإمكان.. وكان من يسرع أو يركض للتخلص من الضرب الموجع هذا، تمتد له الأرجل ويسقط على الأرض ويتلقى الضربات مجدداً من كل جهة ...( هذه الأمور تحتاج إلى لياقة بدنية وقوة شباب لتجنبها قدر الإمكان )! سلمنا أمرنا للباري ، وسلكنا هذا النفق المظلم وإذا بأولاد هولاكو والمغول المجرمين يقدمون لنا كل أنواع الفنون المستخدمة في التعذيب والاضطهاد ، وكان القسم الأكبر منا قد سقط أرضــاً ونال حصة أكثر من غيره من الضرب بالأرجل والبساطيل.. وربما إذا كان أحد بين أرجلهم ساقطاً ولا يقوي على الحراك، فإنه سيفقد الحياة ، وسالت الدماء من شدة الضرب وبكل الوسائل، وقسم منا قد تعرض للإغماء والكسور نتيجة الضرب الشديد والقاسي علينا ، وربما قد تعرض البعض من الذين جاءوا لهذا المكان أكثر منا ، ومن الملاحظ في ذلك الوقت أنه كانت تأتي إلى الأمن العامة مجاميع كبيرة من المعتقلين وأعدادهم تتزايد أكثر فأكثر ولا يعرفون ماذا يتصرفون معهم ..... !!!

جلسنا على الأرض في الساحة، منهكين ومرهقين وكان الوقت صباح يوم 9 شباط ، واخذ بعض من أفراد الأمن أو الحرس القومي يتجول بيننا حاملين البنادق وهي معلقة على صدورهم ، مختارين البعض منا وبطريقة عشوائية، طالبين منا النهوض وهم يسألون عن اسم الشخص وعمله وسكنـــاه وأين كان يقاوم ! أما الاتجاه السياسي ، فلن يسأل عنه ، فالكل شيوعيون مقاومون ضد الإنقلاب . هذا ما كان في تصورهم ، وأثناء طرح هذه الأسئلة وأثناء الإجابة عليها، كانت توجه للمتحدث ضربات مفاجئة بأخمص البنادق على وجهه وغيرها من أنواع الضرب ، وعلى أثر ذلك تم عزل أشخاص من بيننا .

بقينا في الساحة الواسعة جالسين على الأرض وحيث أجواء البرد والمطر وهو يتساقط علينا لما يقارب الثلاث ساعات ..

وخلال وجودنا في الأمن العامة أتضح لنا أن هنالك أفراداً من الإنقلابيين قد تعرضوا للقتل والإصابات نتيجة التصادم مع جماهير الشعب المقاومة، مما أثار سخطهم علينا ونحن بين أيديهم .

بعد ذلك تبين لنا أن الوقت المخصص لاستقبالنا في الأمن العامة قد انتهى وطلبوا منا التهيؤ للرحيل إلى المحطة الخامسة التي تكرمت علينا باستقبالنا واستضافتنا لديها ....!

خرجنا منهم ( وودعونا بنفس الحفاوة والتكريم التي استقبلونا به ) وسارت بنا اللوريات في الشارع المؤدي إلى معسكر الرشيد وإلى الجانب الأيسر من مدخل معسكر الرشيد ، همس أحد الموجودين معنا وقال هذا طريق سجن رقم واحد العسكري في معسكر الرشيد ! من المتعارف عليه أن هذا السجن يعتقل به الشخصيات المهمة والوزراء والمسؤولين المهمين في الدولة والعسكريين . نزلنا من السيارات ودخلنا واحدا بعد الأخر إلى غرفة صغيرة وكانت غرفة الاستعلامات وفيها عسكريون ومدنيون لا يتجاوزون الخمسة أشخاص ، ولديهم قوائم بأسمائنا زودتهم بها الأمن العامة ، وعند الدخول تطرح بعض الأسئلة ونجيب عليها منها الاسم / العنوان / المهنة / القومية / الدين / الاتجاه السياسي / عسكري / مدني / هل اعتقلت سابقا / العمر / كيف ألقي القبض عليك / وهل لديك وثائق / وغيرها من الأسئلة ( السخيفة والاستفزازية ) التي يسخرون بها ....

وعند مجادلتهم أو مناقشتهم من قبلنا فإن الشخص يتعرض للضرب والإهانة والسب. بعد الانتهاء من الاستفسارات تلك تم توزيعنا على غرف عديدة في المعتقل ،وكان المعتقل يتكون من عدة غرف متجاورة وتشكل قاطع ( بلوك ) وكل قاطع يقابله قاطع أخر ويفصل بينهما مساحة لا تتجاوز 15م كحديقة ، وكانت مساحة الغرف صغيرة بحدود30م و20 م وكل غرفة فيها شباك من الحديد وبدون زجاج وبابها من الحديد ، ويمكن مشاهدة الأشخاص في الغرف المقابلة عن طريق الشباك في حالة خروجهم ودخولهم .

وضعوا في كل غرفة من غرف السجن أعداد كبيرة أكثر من طاقتها وكانت كل غرفة تحتوي ما بين 40 و60 شخص وكان البعض من المعتقلين لا يستطيعون النوم لعدم توفر المساحة الكافية للنوم ، إضافة لذلك ففي اليوم الأول لم يسمحوا لنا بالخروج للتواليت، وعوضــاً عن ذلك فقد وضعوا في داخل كل غرفة صفيحة دهن فارغة (تنكه) تستخدم لقضاء الحاجة .

أنا وإخواني من المندائيين بقينا في غرفة واحدة وكان معظم الذين معنا هم من الطيارين العاملين في سلك القوة الجوية خريجي الإتحاد السوفيتي وضباط آخرون من الجيش ومن مختلف الصنوف. وفي اليومين الأول والثاني لم يعطونا أرزاقا ووجدنا بعض الصمون اليابس والمتروك ومن مخلفات الأكل الذي كان يقدم للطلبة البعثيين الذين كانوا معتقلين في هذا المكان قبلنا ، واضطر البعض لتناوله رغم عفونته ، وشاءت الصدف أن أحد الجنود من الحراس لهذا القاطع كان مندائيا وهو نسيب السيد طالب ناصر الكلمشي قد تعرف على المرحوم عباس ساجت ، وكان يخبأ بعضاً من الصمون ويضعه داخل ملابسه العسكرية وكلما يمر من جانب الشباك ، يرمي لنا ما يحمله من قطع الصمون تلك وعلبا من الجبن من خلال الشباك .

كان من ضمن المعتقلين أعضاء من محكمة المهداوي ووزراء وقد شاهدت المرحوم عبد الجبار عبدالله عند خروجه ودخوله من الغرفة وكان في الغرف المقابلة لنا .

خلال ساعات الليل ينادون على بعض من المعتقلين ، ولا نعرف هل للتحقيق معهم ام لقتلهم وتصفيتهم جسديـــاً ....!! وقسم منهم يعود لغرف الاعتقال يئن من أوجاع الضرب أو ينزف والقسم الأخر لا يعود .... !!! كما نسمع في الليل صوت إطلاقات ناريــــة لا نعلم في أية أجســـــاد استقرت !!

بقينا في هذا السجن ثمانيــــة أيام .. وفي اليوم الأخير، قرأوا بعض الأسماء للمعتقلين في مختلف الغرف وطلبوا منهم التهيؤ لإطلاق سراحهم ، ورغم كل الآلام التي كنا نعانيها فقد سررنا لسماعنا هذا الخبر، لكونه يشمل مجموعتنا التي تضمنتها تلك الأسماء . لكن المفاجأة التي أقلقتنا وقتلت ( فرحتنا تلك ) ونحن في طريقنا الى السيارات المعدة لنقلنا قد جاءت من الجندي المندائي الذي أخبرنا بعدم صحة ما سمعناه وأن حقيقة الأمــــر هو أننا سننقل الى جهة غير معلومة لا يعرفها هو شخصياً !!

سارت السيارات بنا إلى المحطة السادسة في ليل قارس البرودة ، تزيد من قساوته ذلك القلق القاتل وتلك التساؤلات المتتالية عن مصير ما نحن عليه وما اليه ذاهبون ، وفيما إذا كانت هذه هي المحطة الأخيرة أم ستليها محطات أخرى .. !! الأيام القادمة ستجيب على هذا السؤال ! اتضح لنا بعد الوصول والترحاب المعتاد عليه لنا ولأمثالنا من أن المكان الجديد هو معتقل خلف السدة / معتقل الخيالة وهذا المعتقل يتكون من اكثر 12 قاعة كبيرة متروكة ، تتسع كل قاعة إلى أكثر من 300 معتقل تقريبا ، كانت هذه القاعات متروكة وأرضياتها مغطاة بالتراب والأوساخ ولا يمكن النوم فيها لكثرة الأتربة والروائح الكريهـــــة التي لا تطاق !

كان لابد لنا والحال هذه أن نعتاد على مثل تلك الأجواء التي يتم إعدادها لنا مسبقاً .

وفي صباح اليوم التالي كان لابد لنا من أن نبدأ بحملة كبيرة لتنظيف هذه القاعة رغم الآلام التي نحن عليها وكانت تسلسل ورقم هذه القاعة هو ( 9 ) .

كانت هذه القاعات يحيط بها سياج مكون من الأسلاك الشائكة ويبعد ذلك السياج عن القاعات بمسافة تقدر ب 500م تقريبا ويمكن مشاهدة الأهالي خلف السياج عند مجيئهم إلينا عبر هذا السياج ومن بعد ..

توالت الأيــــام كسابقاتها ومضى على اعتقالنا أكثر من شهر ونحن في هذا المعتقل، وذات يوم سمحوا لنا بالخروج من هذه القاعات والوقوف إلى خارجها لمشاهدة أهالى وأقارب المعتقلين الذين جاءوا لزيارتنا وكما يبدو بأنهم على معرفة بهذا الموعد مسبقاً وقد جلبوا معهم بعض من الحاجيات والطعام والتي تم تسليمها للحراس المتواجدين لجلبها إلينا .

شاهدنا عبر ذلك السياج الشائك جمهور كبير جدا من أهالي وذوي المعتقلين واقفين يتطلعون الينا لمعرفة أولادهم وأخوتهم أو معارفهم من المعتقلين، وكنا نحن بالمقابل نتلهف واقفين نتطلع إلى تلك المجاميع من الناس الزائرة ، متأملين أحدا ما قد يأتي لزيارة هذا الشخص أو ذاك .. وقد شاهدت من بعيد ومن بين الواقفين والدي وكانت شخصيته مميزة من خلال ملابسه البيضاء وعقاله المقصب ولحيته البيضاء وقامته الطويلة وإلى جانبه أختى منيعة أم بسام وابن عمتي ساجت سعيد . وقد كانت فرحتهم لا توصف وكبيرة بانت على وجوههم ونحن نلوّح اليهم بأيادينـــا..

لم يكن بمقدورنا مقابلة أحد ما ، سوى أننا استلمنا الطعام والحاجيات الأخرى المرسلة لنا ، وعملنا في القاعة مائدة طعام كبيرة توسطت أرضية القاعـــــــة وقدمنا ما أرسل لنا للآخرين ممن لم تصله أية ( معونات ) ودعوناهم لمشاركتنا في تناول الطعام ، فلم تعد هناك من حواجز تذكر بين هذا وذاك في ظل هذه الظروف وهذه الآلام التي نتحملها جميعاً ..

كان الطعام المرسل لي من قبل الأهل في ( سلــّة ) يحوي على دجاجة محشاة ورز ومرق أعادتني نكهتها إلى وجه أمي ودفء حنانها ولذلك البيت الجميل والأمين الذي كان الوالد رمزه الكبير ..

قبل أن أتناول الطعام مجتمعاً مع الآخرين أمتدت يدي الى (حشوة) الدجاجة ، فوجدت ورقة صغيرة مطوية ومغلفة بقطعة صغيرة من النايلون .. أخفيتها متوجســــاً في جيبي وفضلت أن أقرأها بعد تناول الطعام ، وراودتني بعد حين كثير من الأفكار أثناء تناولي الطعام ، عما إذا كانت هذه الورقة قد تحمل أخبارا سارة الينـــا ، أم أخبارا حزينة لا نريد لها أن تضيف إلى أوجاعنـــــا التي نحن عليها المزيد ... والمزيد ..

اكتفيت بتناول بعض من الطعام دون أن أشبع بطني وذهبت لأفتح الورقة المرسلة لي لمعرفة ما تتضمنه .. وجاءت الكلمات لتقول ...

(( ولدنا العزيز حمودي .. نتمنى لك الصحة والسلامة .. خلال هذه الفترة الماضية والصعبة التي مرت بنا وبجميع المندائيين كانت منْ أصعب ألازمات علينا ونتمنى ان تعدّي علينا بسلام . قابلت الحاكم العسكري رشيد مصلح وقال لي سيطلق سراحك وكل الذين عمرهم دون الثامنة عشر وبدون اتخاذ أي أجراء بحقهم ....)) .

فرحت بهذا الخبر وأخبرت الذين حولي من الأصدقاء والمعارف وبعض الأحداث الذين تقل أعمارهم دون 18 سنة بهذا الذي علمته رغم أن القسم الأكبر منهم قد أصابهم اليأس والإحباط والعيش بأمان لم يصدقوا بحكايتي تلك وأعتبروها نوعــاً من الهذيــــان !

هنالك البعض من الأحداث الذين تتراوح أعمارهم ما بين 12سنة و17 سنة كانوا قد اعتقلوا في السجون وقد اعتدى عليهم جنسياً، كما أغتصبت العديد من الفتيـــات والنساء .. وهذه من أبشع الجرائم التي مارسها جلاوزة الحرس القومي ومرتزقتهم .

بعد ثلاثة أيام من استلام رسالة والدي ، علمنا أن هناك برقية من الحاكم العسكري العام معنونة إلى كافة السجون والمعتقلات ، تطالب بأسماء الأحداث الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة وعناوين سكناهم وإرسالها فورا إلى الحاكم العسكري العام وقيادة الحرس القومي .

حينما راودتنا أخبار تلك البرقية في داخل المعتقل، كان على المعتقلين الذين معي أن يزدادوا قناعة بما أخبرتهم به في سابق الأيام .....

مرّت أيــــام عدة ، حتى جاءت برقية أخرى من الحاكم العسكري العام رشيد مصلح التكريتي تطالب بإطلاق سراحنا فورا..

ودعت معارفي وأصدقائي في هذه الردهة وكانت هذه المحطة الأخيرة بالنسبة لي ، وتمنيت لإخواني الذين بقوا من بعدي السلامة وخروجهم من الاعتقال بأسرع وقت .

كان عدد الذين تم الإفراج عنهم كبير جداً وقد تم توزيعهم على 6 ( ست ) لوريات .. وزعت الموقوفين على مختلف المناطق .. أحد هذه اللوريات أوصلنا إلى مركز شرطة السراي واتصل المركز حينها بوالدي الذي جاء مسرعاً ومعه أخي مانع لإخراجي من هناك .

عدت إلى البيت بعد اعتقال دام 42 يوماً وربما كنت اول المندائيين الذين اعتقلوا وأطلق سراحهم خلال تلك الفترة ، إما الأخوة الذين لم يطلق سراحهم أو الذين اعتقلوا من بعدي ، فقد كانت لهم معاناة أخرى أضيفت إلى معاناتهم السابقة.. !!

وبعد وصولي للبيت تحدثوا لي عن المعاناة والظروف الصعبة التي مرت بهم وخاصة على والدي الذي كان يعاني من المرض وكبر سنه ، وتألم كثيرا عند اعتقالي وقال .. لو كنت موجودا ، حتى ولو اقتضى الأمر فأنا اذهب معهم ولا يأخذون .. حمودي ، فهو كان متعلقاً بي كثيرا ، هذه الأحداث والأخبار المؤلمة والاضطهاد الذي تعرضت له الطائفة قد زاد من آلامه وأحزانه كثيراً لما يشاهد ويسمع من مآس يتعرض له عموم الناس والمندائيون خاصـــة دون ذنب اقترفوه .

وكما أسلفت ... بقى والدي في بيت شيخ عبدالله في الكريمات / الصالحية طيلة أيام منع التجول ، يتابعون سير الأحداث و أخبار الإذاعة والتلفزيون والأخبار الأخرى التي تصلهم عن المندائيين من هذا الطرف أو ذاك ...

تألم وحزن شديدا لهذه الأحداث ،وخاصة عندما سمع وشاهد مقتل الشهيد عبد الكريم قاسم في اليوم الثاني 9 شباط للانقلاب الأسود عن طريق التلفزيون.

كان هناك قبل شهرين من هذا الانقلاب لقاء ما بين الشيخ دخيل والشهيد عبد الكريم قاسم وبدعوة من قبله للتباحث حول أمور ومطالب الطائفة المندائية التي تقدم بها الشيخ دخيل وفي مقدمتها الحصول على قطعة ارض مندي القادسية ، وأكد الزعيم خلال لقاءه بالشيخ على تلبية ودعم تلك المطالب المشروعة ، وكانت هنالك معرفة وعلاقة ما بين الزعيم والشيخ خلال وجوده في الناصرية .

في مقتل الإنسان عبد الكريم قاسم وبعيداً عن أية اعتبارات أخرى كان هو عليها، فإن الطائفة المندائية قد خسرت صديقا ومعينا ونصيرا قويـــاً و نزيهــــاً و مخلصــــاً لمطاليبها الإنسانية .. وهذا ما شعر به الشيخ دخيل وكل أبناء الطائفة الذين عاشروا تلك الأيام ..

خلال وجود الشيخ دخيل عند بيت الشيخ عبدالله ، وبعد رجوعه إلى الدورة اتصل به الكثير من أبناء الطائفة يشكون ما حصل لهم من ظلم واضطهاد واعتداءات على أبنائهم ونسائهم وبيوتهم من قبل عصابات الحرس القومي والزمر الإرهابية التي جاء بها الانقلاب الدموي الأسود وما رافق ذلك من قتل وإباحه أرواح الأبرياء وبدون سبب مبرر سوى نتيجة حقدهم الأعمى والعداء للقوى الديمقراطية والتقدمية.

الشيخ دخيل و رغم الحال التي هو عليها لم يهدأ له بال ولم يقبل على تلك المظالم وتلك التجاوزات والأعتداءات التي تعرض لها الكثير من أبناء طائفته الذين زجوا في السجون والمعتقلات ودوهمت بيوتهم وتعرضوا للتنكيل والاضطهاد والاعتداء، بل مارسوا كل أنواع التعذيب بحقهم وتجاوزا على النساء والأطفال وحتى الشيوخ ، ولم يقف بوجههم أحد وتجاوزا على كل القوانين و الأديان والأعراف والأخلاق وكل الحقوق الإنسانية .

خلال الأيام الأولى للانقلاب كان الوضع ملتهبا ومتأزما وصعوبة التحرك لمراجعة دوائر الأجهزة الأمنية والشرطة ، إضافة إلى التغيرات التي حصلت في المواقع والمسؤوليات داخل الدوائر وخاصة الأمنية .

رغم ذلك فقد بادر الشيخ دخيل لمراجعة بعض المسؤولين في الدوائر الأمنية ، الشرطة والداخلية ومقرات الحرس القومي لعرض معاناة أبناء الطائفة والبحث عن ولده الموقوف ، وكذلك بعد أن سنحت له الفرصة راجع الحاكم العسكري العام العقيد رشيد مصلح التكريتي في مقر الحاكمية في ساحة النسور – المأمون ، ففي الأيام الأولى منعت الزيارات الخاصة ، وتكررت زيارة الشيخ لمقر الحاكم العسكري عدة مرات .. وفي كل مرة يقدم طلب لمواجهته ، دون أن يُستجاب طلبه ، وبعد مراجعات متكررة ومعاناة مرهقة.. أستجاب الحاكم العسكري الذي كان برفقته كارت شخصي للشيخ دخيل لتلك الطلبات وتم تحديد موعد لمقابلة الشيخ دخيل.

العقيد رشيد مصلح التكريتي * كان ضابط في الناصرية لعدة سنوات وله معرفة قوية بأهالي مدينة الناصرية وخاصة الشخصيات الدينية والاجتماعية فيها ، كما أن له معرفة قوية بالشيخ دخيل وبعض الشخصيات المندائية .

كان العقيد رشيد ضابط في حامية الناصرية ويسكن مع عائلته إحدى الدور المخصصة للضباط وبالقرب من الحامية ، وكان خلال ثورة 14 تموز متواجداً هناك، وبعد الثورة انتقل إلى بغداد .

بعد تحديد موعد اللقاء هذا الذي جاء بالضد من رغبة وإرادة الشيخ للقاء هذه الزمرة التي قادت العراق وأبناءه إلى أسوء مرحلة مرت على العراق في العصر الحديث وما جلبت لهم من مآسي لهم وخاصة المندائيون منهم ، فقد جاءت الكلمات التي نطق بها الشيخ الجليل قوية وصريحة وحكيمة لا تخشى العواقب، فقد كان معروفاً عنه أنه ذو شخصية قويـــة تفيض مودة وحكمــــة وبلاغة متناهية في النطق و المحاججة الصريحة ، فقد التقى من قبل كل من شخصيات أجتماعية وحكومية عديدة سنتطرق إليها لاحقاً ، منهم عبد الرزاق الحسني وعبد السلام محمد عارف و غيرهم :

كيف أمد يدي وأصافح اليد التي قتلت الصديق الزعيم عبد الكريم قاسم؟! اليد التي بطشت بأبنائنا وبناتنا وبكل أبناء الشعب العراقي الطيبين..... اليد الآثمـــة التي وقعت بيان رقم 13 المشؤوم ، بيان إبادة الخيرين من الشعب العراقي..!!!

إن حصل هذا .... فأغفر لي يا إلهي ......

من أجل شكوى وأنين المعذبين والمظلومين الأبرياء الذين زجوا في السجون والمعتقلات وبلا ذنب، لإيصال شكواهم للباري أولا وللظالم ثانيا ، وأنا رجل دين وهذا واجبي إن أقف بوجه الظالم ونصرة المظلوم ، ومن أجل حريتهم ، ومهما كلف الأمر من نتائج .

يقول الشيخ دخيل .. جاء الموعد المنتظر الذي طالما كنت انتظره بفارغ الصبر ومتلهفا لهذه الساعة لأتحدث ما بداخلي من آلام ومعاناة وشكاوى ، سمعتها وشاهدتها ، وسبقتني نظراتي لتتحدث قبل لساني عندما دخلت غرفة رشيد مصلح التكريتي وأثناء استقباله لي...

وقف رشيد مصلح التكريتي خلف طاولته مرحبا بي وكان هنالك اثنان من الضباط معه ، إضافة إلى مرافقه ، وعرفني على الضابطين الذين كانا جالسين معه ، وقال لهم أقدم لكم سماحة الشيخ دخيل، رئيس طائفة الصابئة في العراق وهو من الشخصيات البارزة في الناصرية وكانت بيننا معرفة خلال وجودنا في الناصرية ، فرحبوا بي .

- تفضل , استرح

ثم تحدث رشيد مصلـــح ...

- كانت آخر فرصة للقائنا قبل 1958 وبعدها سمعت أنك قد تحولت إلى بغداد، وانقطعت إخبارنا عن بعض ، واليوم نلتقي بعد 5 سنوات ، وأنا اليوم سعيد بمجيئك ولقائك بنا ... !

قال الشيخ :

أشكرك على هذه التحية وكان بودي أن يكون هذا اللقاء في جو طبيعي نعيش فيه بسعادة وامن بعيدا عن العنف والظلم والاضطهاد.

ثم واصل حديثه قائلا :

في البداية قد أحتاج لقليل من الوقت لأعبر عما يدور في خاطري وهو ربما قد تستفيدون منه عند سماعكم لهذه المعلومات......

زيارتي لكم في هذه الظروف الصعبة جاءت غير متوقعة وقد فرضت علي لأسباب كثيرة ، وسأكون صريحا جدا معكم ، والصراحة ربما قد تكون مُرّة وقاسية وأنت تعرفني جيدا ، فلابد التحدث بحكم مسؤوليتنا وعلاقتنا مع المواطنين وانقل لكم شكاواهم ومآسيهم وما يتعرضون إليه من ظلم واضطهاد واعتداءات على حرياتهم ، وأرجو إن تتسع صدورنا لتقبل الانتقاد على ما يحصل من سلبيات وتجاوزات واعتداءات على المواطنين في مثل هذه الأوقات والظروف التي تمر بنا ، ومن أجل وضع حد لهذه الانتهاكات ومحاسبة المعتدين والخارجين عن القانون والأعراف الإنسانية، فالذي يحدث اليوم من اعتداءات وتجاوزات لم نشاهد أو نسمع بها طيلة حياتنا ، خاصة نحن اليوم في ظل حكومة لها قوانينها وأنظمتها .....

فهل الذي يحدث وفق هذه الأنظمة والقوانين ؟!

مضى أكثر من أسبوعين وفي كل مرة أقدم طلبا لمقابلتك ، رغم العلاقة والمعرفة التي بيننا ، وقد استغربت بعدم الرد عليها ، إلا في المرة الأخيرة والتي كلفت احد الزوار لكم وعن طريقه قدم كارتي الشخصي ومرفق معه طلبا ، وجاءت الموافقة بعد ذلك !!

لقد عانيت كثيرا من الإرهاق والتعب نتيجة تنقلاتي من البيت لكم بين يوم وآخر تقريبا ، ولم اكتف بمراجعتكم فقط وإنما راجعت كثيرا من المسؤولين في بعض الدوائر ، كالشرطة والحرس القومي والداخلية رغم مرضي .. وكبر سني وصعوبة التنقلات في الشوارع لوجود السيطرات ...!! والاختناقات..!! بسبب التفتيش .....

قال رشيد مصلح للشيخ :

لم أطلع على طلباتك ، وحينما عرض علي طلبك وكارتك الشخصي، كتبت موافق وبأقرب فرصة ممكنة...

وقال :

يظهر أن هنالك بعض الطلبات لم تعرض أمامي نتيجة كثرة الطلبات وزحمة العمل والمراجعات ... وأنا اعتذر عن ما حصل لسماحتك.

سيادة العقيد .. واصل الشيخ حديثه :

لا يخفى على سيادتكم أن الدين الصابئي هو من أقدم الأديان في هذه المنطقة وان أتباع هذه الديانة عاشوا طيلة تأريخهم مع الديانات الأخرى اليهودية والمسيحية والإسلامية وبغض النظر عما يحدث هنا وهناك من تجاوزات نتيجة التعصب الديني ،وكان يحدث هذا بسبب قلة الوعي والثقافة وعدم وجود حكومات وقوانين وأنظمة تنظم وتحمي حقوق الناس وحرياتها ، فلقد انتهت تلك الفترة ، وعشنا مع الإسلام في كل مراحل حكمهم، وقد تميز كثير من أبناء الصابئة في مجال الطب والفلك والعلوم والترجمة والثقافة وفي مختلف العلوم وعملوا مع إخوانهم المسلمين جنبا إلى جنب وبنوا وساهموا في بناء هذه الحضارة ، والمهم ان هذه الديانة وأتباعها ليس لهم امتداد أو ارتباط خارج أرض الرافدين ولا توجد لديهم أحزاب أو تكتلات أو أطماع أو تعصب أوقتل للإنسان الذي يعتبر من محرمات الدين الصابئي . كل ما يسعون ويعملون من اجله هو إن يعيشوا بسلام وأمان وبحرية وكرامة وعليهم واجب حماية هذه الأرض التي عاش عليها أجدادهم ، فهذه نظرتهم في الحياة ولا يطمعون بالقيادة أو الحكم ...

أنا رجل دين وعمري تجاوز الثانية والثمانين سنة ومودع لهذه الحياة إلى العالم الآخر وهذا بإرادة الله سبحانه وتعالى ، عملت طيلة حياتي من أجل خدمة الباري عز وجل وما جاء بوصاياه وحسب عقيدتي وإيماني ، فكل الأديان جاءت لخدمة البشر ونشر العدالة والمساواة بينهم وتؤكد على أهمية صون حقوق الإنسان وكرامته ، ومنها الدين الإسلامي الحنيف  .

سيادة العقيد ...

أنت اليوم الحاكم العسكري العام ، وما يصدر عنك ينفذ من قبل أجهزتكم ومن الدوائر والجهات المرتبطة بكم، وكل ما يجري اليوم هو باسمكم وبإرادتكم فأنتم أعلى جهة تحكم البلد ومن الطبيعي تعلمون بما يجري من قتل وظلم واضطهاد وانتهاكات وتجاوزات ومداهمات واعتقالات للمواطنين واعتداءات على النساء والأحداث والكهول ، وفي شهر رمضان ،فإن حصل هذا بعلمكم فهذه مصيبة كبرى .....

أنا حزين جدا على ما يجري اليوم لأبناء طائفتي....!!!! وقلت لك يا سيادة العقيد إن كلامي سيكون قاسيا بسبب صراحتي .... ولا أعرف الخوف .... لأنني على حق .... وأنا في نهاية العمر .. فلا أخاف أحدا .. سوى من رب العالمين.

رجالكم من الحرس القومي داهموا بيوت المواطنين وكسروا الأبواب وشهروا السلاح بوجه العوائل، والنساء والأطفال تتباكى .. وأخذوا الرجال والنساء وحتى الأطفال وبملابس النوم ، واعتدى عليهم بكل الوسائل ومارسوا بحقهم كل أنواع التعذيب.في مقرات الحرس القومي .... ولا يعرفون مصيرهم لحد ألان .. !! بأي حق أو قانون أو شرع يحدث ذلك....؟؟؟

ماهو الذنب أو الجرم أو الخطيئة االتي قام بها هؤلاء الأبرياء .... يا سيادة العقيد ..... ؟؟

أجاب العقيد رشيد قائلا...

أوامرنا وتوجيهاتنا واضحة وصريحة وكانت موجهه إلى الذين يقاومون و يقفون بوجه الثورة ...!!

فردّ عليه الشيخ :

أنا في صباح يوم 8 شباط كنت في بيت ابن عمي الشيخ عبد الله في بغداد / الصالحية والد العالم عبد الجبار عبدالله رئيس جامعة بغداد... وهو الآن معتقل ولا نعرف عنه شيء .. !!

تم فرض منع التجول وبقيت عندهم عدة أيام حتى رفع منع التجول ، وعندما رجعت تحدثوا عن مأساتهم التي تعرضوا إليها يوم 8 شباط والأيام الباقية...

في ليلة 8 شباط ، وبعد إذاعة البيان رقم 13 جاءت مجموعة من الحرس القومي مدججين بالسلاح وطرقوا باب الحديد الخارجية لبيتي ولم يفتحوا لهم الباب، ولم يكتفوا بذلك، بل عبر قسم منهم السياج ودخلوا في داخل البيت (الحديقة) وطرقوا باب الخشب ولم تفتح لهم ، وهددوا بكسر الباب .... والأطفال والنساء يتباكون وكانوا مرعوبين وخائفين عما سيحصل لهم...!!!!!!

وبالتالي اضطر ولدي عبد الحميد لفتح الباب خوفا من العواقب ... وخرج لهم ..... وأول سؤال لهم ..

أين والدك الشيخ .. ؟ أين أخوك ولم يعرفوا اسمه .....؟ ويقصدون ابني الثاني رياض ....!

وماذا تريدون منهم ؟

قالوا له نريدهم أن يأتوا معنا للاستفسار في مركز الشرطة... !!

وقال لهم ولدي آنذاك ... ذهبوا إلى الصالحية للتسوق وانقطع الطريق ، وبقوا عند أقاربهم...

وأخذوا ولدي حميد وعمره 17 سنة معهم وتفضل هذه جنسيته يا سيادة العقيد....... ، كما اتضح أن هنالك من أقاربنا وأصدقاؤنا في تلك الليلة اعتقلوهم من بيوتهم أيضا....!!! وهناك بنات من عوائلنا اعتقلهم الحرس القومي ولا نعلم بمصيرهم لحد الآن ....!!!!!!

يا سيادة العقيد .. لو كنت في تلك الساعة هنالك لاعتقلت كما اعتقل ولدي والذي لم يكمل الثامنة عشرة من العمر .. !! ولا نعرف مصيره ومصير الآخرين ومضى عليهم ما يقارب الشهر ......؟؟ وماذا تفسر أول سؤالهم حولي .. أين الشيخ والدك....؟؟؟؟

فهل كنت انا من المقاومين ضد الثورة..... ؟؟ حتى يسألون عني أو كنت شيوعيا .. ؟!!

وهل أن هؤلاء الأبرياء الذين اعتقلوا شيوعيون ومقاومون ضد الثورة؟؟؟؟؟؟

سيادة العقيد ..

هنالك نساء مندائيات من أقاربنا اعتقلهن الحرس القومي من بيوتهن وهذه أسمائهن ولا ذنب لهن.... وهل كن من المقاومات...؟؟؟؟

هذه تصرفات لا يقبل بها أي قانون أو شرع أو دين وتجاوز على كل المبادئ ، وإذا استمريتم على هذا النهج ستخلقون لكم الكثير من الأعداء بسبب هذه الأعمال والتجاوزات على أمن وحرية الناس الأبرياء ، ولا تستطيعون أن تكسبوا الأصدقاء والمحبين لكم.

أسألك يا سيادة العقيد .. أنت عشت معنا سنوات عديدة في الناصرية وعرفت قسما من أبناء الطائفة وسمعت من أهالى مدينة الناصرية ومرت أحداث كثيرة ....... فهل سمعت يوما أحدا منهم قد صدر عنه عمل مخالف للآداب والأعراف أو إساءة أو اعتداء أو تجاوز على الآخرين أو على القانون ...؟؟؟

الصابئة من النخب الجيدة في المجتمع وهذا ما نسمعه من قبلكم ومن قيادات المجتمع في العراق، ولكن إذا كان من بينهم شيوعي او يتهمونه بالشيوعية فهذه ليست جريمة....! ولكن إذا كان قد صدر منه تجاوز فالقانون يحاسب أي إنسان ومهما كان انتماؤه...فهذه النظرة غير صحيحة تجاه أبناء الصابئة ، وقد تستخدم هذه الإشاعة للتنكيل بهم من قبل الحاقدين والمتعصبين...

إن ما تعرض له المواطنون الأبرياء من تجاوزات واعتقالات وإرهاب تتحملون مسؤوليته وعندي الكثير من الكلام حول ما تعرضت له طائفتي ولكن الوقت طال ولا يسمح بذكر هذه المعاناة .. وإن ما قلته عن عائلتي وولدي هو مثال لما يحصل لباقي العوائل والمواطنين .

وكلمة أخيرة أقولها وأنا سأودع هذه الحياة ، عليكم إن تنتبهوا عما يحدث من ظلم على الناس ، وازرعوا المحبة والخير والسلام والتسامح بدل الكراهية والحقد والشر، والمظلوم مهما طال به الظلم لابد من نهاية له ، ولكن آثاره ستبقى لا مُحالــــة !

العقيد رشيد مصلح أمر مرافقه الخاص بإطلاق سراح عبد الحميد الشيخ دخيل فورا والتعميم إلى كافة السجون والمعتقلات بتقديم بيانات بأسماء الأحداث ومن ثم إطلاق سراحهم ، وهذا ما سمعه والدي منه وما تحقق لاحقا ..

كما أوعد الشيخ بأنه سيعمل على متابعة هذه الشكاوى والتحري عن المقصرين وإطلاق سراح الموقوفين،وقدم مجموعة من العرائض و الشكاوى بأسماء المعتقلين المندائيين لهم....

وفي نهاية اللقاء أعرب الشيخ دخيل عن أمله بأن هذه الزيارة ستخفف من معاناة أبناء الطائفة وقد خرج من خلف طاولته مودعا لي .

خرجت وأنا أشعر بالارتياح ، فقد قلت كل ما بداخلي من آلام ومعاناة تلك التي ألمت بالطائفة جراء هذا الانقلاب الأسود.
 


*
اللواء الركن رشيد مصلح التكريتي الحاكم العسكري العام لانقلاب 8 شبلط 1963 ، اعفى من منصبه وجرد من صلاحياته بعد 9 اشهر لانقلاب رئيس الجمهورية عليهم. تسلم منصبا عسكريا بعد تولي البعث السلطة 1968 واعدم بعدها بأمر من صدام لاتهامه بالخيانة العظمى !



 

free web counter

 

أرشيف المقالات