| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الثلاثاء 14/10/ 2008

 

بعْ بيتك، وإشترْ فيلماً في ( أقاصي الجنوب )!!

فالح حسون الدراجي - كاليفورنيا
falehaldaragi@yahoo.com

قرأت الرسالة المفتوحة التي وجهها المخرج السينمائي هادي ماهود، الى فخامة رئيس الجمهورية الأستاذ جلال الطالباني، و دولة رئيس الوزراء الأستاذ نوري المالكي، والتي تضمنت طلباً ودوداً لدعم إنجاز فيلمه الروائي المرتقب ( في أقاصي الجنوب )، كما تضمنت الرسالة دعوة وطنية جريئة لدعم القطاع السينمائي في العراق، وبقدر ما كانت الرسالة شفافة بيضاء ناصعة، أشاد فيها كاتبها، ومرسلها بدعم بعض الجهات المحلية كمحافظ السماوة مثلاً، فإنها كانت أيضاً منقطة ببعض السواد، ومنقعة بحبر الوجع النبيل، ذلك الوجع الذي لن يشعر به غير الفنانين، والشعراء، والعشاق، والشهداء، (والمجنونين) بحب العراق!!
ولفرط الألم والحزن المنبعث من أعماق الرسالة، كدت أسمع صدى أنين الكلمات ينساب من بين سطورها، وكدت أشم كذلك رائحة الأسى وهي تتدفق من عيني كاتب الرسالة، ولكم أن تقدروا حجم ذلك الأسى؟  فهذه الرسالة التي كان المخرج هادي ماهود قد بعثها من قبل، لفخامة الرئيس عبر مستشاره الأستاذ جلال الماشطة، وبعثها أيضاً لدولة رئيس الوزراء بواسطة مستشاره الأستاذ سامي العسكري، قبل أن يضطر لنشرها في عدد من مواقع الأنترنيت، وبعض الصحف المحلية، وقبل أن تصلني وتصل بعض الزملاء الكتاب نسخة منها عبر الأيميل، حيث يطلق فيها ( هادي ماهود ) نداءه الوطني، ويرفع صراخه السينمائي عالياً، بعد أن كاد يجف أمامه ينبوع حلمه وأمله،  وقبل أن يضطر لبيع بيته للإنفاق على إنتاج هذا الفيلم!! حيث يقول هادي في ختام رسالته :  ( نعم، قد أضطر الى بيع بيتي، سأفعلها لأني في النهاية سأحقق فيلما عراقياً، سيعّمر طويلاً، أنتصر به للإنسان الريفي العراقي الذي طالما استهان به التلفزيون والمسرح عبر أعمال هزيلة، سأتعامل مع جماليات الريف العراقي التي لم يتعاطى معها الفنانون كثيراً عبر فيلمي الجديد، الذي أسعى إلى انجازه : (في أقاصي الجنوب) وأنا إذ أتطلع لدعم مشروعي الفني الوطني، أرى أن صورة العراق الجديد، سوف لن تكتمل بلا ثقافة، وبلا سينما على وجه الخصوص )!!!  لا أكشف سراً لو قلت، بأني خفت كثيراً على بيته، وخشيت على مأوى عياله من البيع، خاصة وأني قد تيقنت من ان هذا الرجل صادقٌ في كلامه مائة في المائة، بعد ان أخبرني أحد الأصدقاء الذين قدموا من السماوة قبل أيام قليلة، بأن هادي ماهود قد عرض بيته للبيع فعلاً!! حتى أني فكرت بالإتصال ببعض الأصدقاء والمعارف العاملين في مكاتب رئيس الوزراء، وديوان رئاسة الجمهورية، ورئاسة مجلس النواب، من أجل أيصال هذا الموضوع الى مسؤولي الرئاسات الثلاث، عسى أن تلتفت أحدى الجهات الرئاسية لدعم مشروع  ماهود السينمائي  والوطني مادياً، دون اللجوء لبيع بيت العائلة الذي لا تملك بيتاً سواه !! صحيح إني لم ألتق هادي ماهود غير مرة واحدة في السليمانية، حيث ألتقينا عن طريق الصدفة قبل خمسة أشهر تقريباً، إلا أني كنت أعرفه جيداً، وأعرف عن إبداعه الفني، وإندفاعه الوطني الكثير الكثير،  سواء ما كان يصلني عنه من بعض الأصدقاء (السماويين) أو عبر ما ينقله لي الأحبة الأوفياء ( من لاجئي رفحا )، أو ما يصلنا من إنجازاته الباهرة التي حققها في المنفى الأسترالي البعيد ... ولكني لم أتحقق شخصياً من موهبة هادي ماهود الفذة، وشجاعته المجنونة، الا بعد أن شاهدت  فيلم ( العراق موطني) الذي بثته فضائية الفيحاء العزيزة قبل سنتين تقريبا، فرأيت ( سوادينه ) السينمائية، ( وأخبالاته ) الوطنية بأم عيني، فتأكد لي ( بعد ثبوت الرؤية الشرعية )، بأن هذا الرجل ( مو صاحي )، وإن فيه مَساً ( وطنياً ) صاعقاً، وهوساً سينمائياً عارماً، فهو ليس مخرجاً غير طبيعي فحسب، ولا حالة سينمائية إستثنائية نادرة فحسب أيضاً، بل هو شخص وطني (غير طبيعي) وإستثنائي كذلك، ولا اظن أن واحداً من الذين رأوا ذلك الفيلم، سيختلف معي حول ( لا طبيعية ) هذا الرجل!! وللحق، فإني أعجبت ببسالة هادي ماهود، وعراقيته الرائعة، وجنوبيته الفائقة، بالتساوي مع إعجابي بمادته السينمائية، وبخصوصية تجربته الفنية، فأنا لا أجيد، بل ولا أحبذ تقييم الأعمال الفنية من طرف واحد، دون النظرالى الطرف الثاني، فأعظم الأعمال ( فنياً ) لا تساوي عندي شيئاً دون إتساقها وإلتحامها مع الموقف الوطني والإنساني النبيل، إذ كثيراً ما تجد أمامك (شيئاً) فنياً عظيماً لكنك سرعان ما تصطدم (بتفاهة) صانعه، وهشاشة موقفه (ولا وطنيته) أيضاً، أو قد تتعرف على شخص وطني رائع، لكنك تصطدم بسذاجة منجزه الشخصي، وهشاشة صنعته الفنية!! من هنا وجدت نفسي منحازاً- مع سبق الإصرار- لجنون هادي ماهود الإبداعية، ومتلائماً تمام التلائم مع ( سوادينه ) الوطنية الجميلة، ولم أخف إعجابي بهما معاً، بخاصة وأني قد وجدت في هذا (الماهود) ما لم أجده لدى الكثير من المبدعين الآخرين، إذ ليس من السهل قطعاً أن تجد اليوم وفي خضم هذه (الخبصة) السياسية والطائفية والقومية العجيبة، مبدعاً عراقياً يجمع الموقف والإبداع معاً، فيمضي بهما الى (أقاصي الجنوب) ليصنع لك، ولأبنائك - وأنت الجنوبي -  فيلماً عراقياً  ريفياً نزيهاً صافياً يهزَّك، ويهزَّنا جميعاً بنبله، وصدقه، (فيضحك له ) المشاهد البغدادي، ولا يضحك ( عليه ) مثلما كان في السابق، كما يبكي عليه المشاهد الجنوبي، ولا يبكي منه كما هو الآن، وقبل الآن أيضاً..!! وربما لن تجد بسهولة سينمائياً عراقياً، يصنع  لبابل الحضارة، وناسها المتحضرين عشرين فيلماً عراقياً حقيقياً وباهراً ليس فيها صورة واحدة ( لنبوخذ نصر الأمس ..صدام حسين اليوم ) فتعرض هذه الأفلام بنجاح منقطع النظير في مهرجان متحف برلين بألمانيا، ولتنال إعجاب الدنيا، وشكر العالم كله، دون أن يتنازل فردٌ منا، فيقول لهادي ماهود مرة واحدة : - شكراً  يا أبا حسن، فقد ( بيَّضت وجوهنا ) أمام العالم!!!! ولا أظن بأن من السهل علينا، أن نجد أحداً يبادر كما بادر هادي ماهود  ( دون تكليف رسمي) فيصنع من فاجعة اللاجئين العراقيين ( تيتانيك)  جديد، وليوثق بفيلم أسماه : ( سندباديون).. كارثة المركب الذي أبكى العالم،وأدمى قلوب البشرية يوم غرق في عمق السواحل الأندونونسية، محملاً بمئات العراقيين الهاربين من (جنان البعث العربي الإشتراكي) الى (جحيم) الإمبريالية الغربية، فحقق بشرف عال مع زملائه الممثلين وعدد من الناجين من فاجعة الموت، فيلماً تراجيديا مؤلماً، أثبت فيه عراقيته العالية، وإنسانيته الفذة. وليس من السهل أيضاً أن تجد سينمائياً عراقياً ( حافياً ) جاء من أزقة السماوة، ومقاهيها الشعبية ( بنص نعل) الى مخيم رفحا السعودي، بعد أن خرج على النظام الصدامي منتفضاَ مع المنتفضين الأبطال ليقتحم بعدها (تلفزيون أستراليا العتيد) ويشارك بمسابقته الفلمية، فيفوز بفيلمه الرائع ( الرحيل موتاً )،  وليحصل على جائزة أحسن فيلم فيه، ثم يفوز بجائزة الأمم المتحدة للسلام، عدا جوائز الحب التي نالها من الجماهير. فأي فتى عنيد، وأي مغامر مدهش هذا؟! وأجزم، بأن ليس من السهل ان تجد سينمائياً يترك ( جنة ) أستراليا، ويأتي الى ( نار ) العراق المفخخ بسيارات الإرهاب الطائفي، وعبوات البعث العربي الإشتراكي، عارضاً كل مواهبه، وخبراته الفنية  مجاناً  ( لوجه العراق )..  واضعاً روحه على كفه، متحدياً سفالة الإرهابيين، وأحزمة التفجير، ورصاص الغدر بكاتم الصوت، ليتقدم بنفسه نحو مطحنة الموت المباشر- كما ظهر جلياً في فيلم العراق موطني - ولينتج ويخرج لنا فيلماً وطنياً باسلاً، ومقداماً، أصبح وثيقة عراقية دامغة، ستحكي قصة المجد العراقي، وتروي إسطورة الشعب الذي واجه رماح الإرهاب بصدره العاري، فسحقه، وأنتصرعليه رغم شلالات الدم، وليثبت من خلاله أن العراقيين ( أقوى من الموت )، وأشد من مفخخات الآخرين!! ويقيناً انك لن تجد بسهولة  مُعلماً خبيراً يقيم لك (مدرسة سينمائية ) عراقية رصينة، دون أن ينتظر منك كلمة شكر، أو يطلب عليها جائزة مالية!! ولا تجد أحداً يخدم مشروعك الوطني العلمي والفني بإخلاص تام، وهِمَّة عالية، وأنت مطمئن بأن هذا الزاهد القنوع لا يطمح بالصعود على أكتافك، والتسلق نحو منصبك الوزاري، او أن يفكر مجرد تفكير في أن يصبح مديراً عاماً، أو أن يلتف (من وره ظهرك) فيسطو عليك، ويسرقك ليصبح بين ليلة وضحاها مليونيرا عاما، أين ستجد ( في هذا الزمن الأغبر ) رجلاً راضياً بعيش الكفاف، ومقتنعاً تماماً برغيف الخبزالسماوي، المضمخ برائحة تراب العراق الزكية؟!! ويقيناً إن هذا الرجل الموهوب، الذي غزا بموهبته، وقدرته العراقية الفذة مهرجانات الدنيا في أوربا، وأستراليا، والشرق الأوسط، وأقتحم بإبداعه قلاع الفن الموصدة ليحصد الجوائز، والميداليات ويحصل على شهادات التقدير من أرقى المعاهد والجامعات الفنية والعلمية في العالم، ولينال الإعجاب من كبار أساتذة الفن العالمي، إن هذا الرجل الذي إسمه هادي ماهود يعرض اليوم في مدينة السماوة رصيده الإبداعي ونياشينه السينمائية الإستحقاقية، وأوسمته الفنية، كما يعرض إسمه، ومنجزه،   ( وماء وجهه ) للبيع، لا من أجل ان يبني قصراً فخماً له في الجادرية، ولا  لكي يشتري مزرعة لأولاده، وأحفاده على ذراع دجلة، أو ليتملك أراض وعقارات في بغداد، أو النجف، أو كربلاء، أو تكريت، أو العشار ولا ليشتري فيلا لزوجته في المنصور، أو منطقة زيونة، إنما أراد فقط تمويل، وتسيير أمور فيلمه، بل وفيلمنا جميعاً : (في أقاصي الجنوب)!! فالرجل مستعد لأن يضحي بكل شيء، من أجل سواد عيون الجنوب، والجنوبيين، ومن أجل رفع إسم العراق، والعراقيين، ومن أجل شرف الإنتماء لهذا الوطن المُبجَّل، ولرسالة الفن الوطني الملتزم ، لذا فليس غريباً أن تجد الماهود يجامل هذا المسؤول مضطراً، ( ويتنازل ) لهذا الأفندي مكرهاً، أو يبتسم لذاك ( المعمَّم ) مغصوباً، فهو يسعى لأيصال فكرة الفيلم الى برِّ التنفيذ، كي لا يظل الفيلم قصة مسطرَّة، ومحنطَّة في ورق الرواية التي كتبها خضير فليح الزيدي، أو تظل فكرته حبيسة في سيناريو عبد الحسين ماهود. لذلك فقط طرق المخرج العنيد كل الأبواب ونشط في كل الإتجاهات، فتحدث بهدوء تام، وتحدث بصوت عال، وطالب بحق الفيلم العراقي الملتزم في كل المنتديات، والقاعات التي ظهر فيها، مستغلاً فرصة اللقاءات التلفزيونية، والمؤتمرات الصحفية، فهو لا يريد لهذا الفيلم الجميل أن يذبح بسيف الإهمال، والتهميش، واللامسؤولية، ولا يريد له أن يدفن ( حياً ) مع عشرات الأعمال الجميلة المدفونة قبل الولادة، ولأجل ذلك فقدعرض فيلمه على الدولة العراقية، حيث بعث برسالة خاصة الى فخامة رئيس الجمهورية، والى دولة رئيس الوزراء أيضاً، لكنه للأسف لم يتلق جواباً منهما، ومن باب الأحتياط  ( والإحتياط واجب كما يقولون )، وخشية أن لا تكون رسالته قد وصلت السيدين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، فقد قام بنشرها مفتوحة، ليقرأها الرئيسان أولاً، ويقرأها الجميع أيضاً، لكنه لم يتلق جواباً كذلك، فماذا يفعل الرجل، بخاصة وقد وصل الى قناعة تامة، بأن لا أحداً يريد سماع صوته، وصراخه، فيعاونه على إنتاج فيلمه الوطني الجميل... فماذا يفعل كي يحقق مشروعه الفني والوطني، وهو الذي عاهد نفسه، وأهله، وجنوبه، وعراقه العزيز بأن يصنع فيلماً لائقاً بهم، فماذا يفعل، غير أن يبيع بيته الوحيد، لينتج بثمنه فيلمه المنشود؟! إذاً، فهذا هو هادي ماهود، وهذه حكايته من طقطق الى السلام عليكم، أفلا يستحق أن نقف معه، ونؤيده، ونسنده، لاسيما وقد قدم نفسه لنا بموقفه الوطني الشرس، وفنه الجميل المدهش، وعرض حياته بتلك البسالة التي تصل حد التهور، الا يستحق مثلاً أن نحترم موقفه، وفنه وبسالته، وأن نحترم كذلك جنونه وسوادينه، وإرهاصاته، فنمنعه عن بيع بيته الوحيد، الذي لا بيت له غيره.... الا يستحق الرجل أن نطلق من أجله، ومن أجل السينما العراقية الوطنية، والتقدمية حملة كبيرة وشاملة، فنسمع بها حكومتنا العزيزة، وكل أركان دولتنا المحترمة صوتنا، وأصوات كل الفنانين، ألا يستحق أن نرفع من أجله أيادينا عالياً  لنعترض على كل مسؤول حكومي يصرعلى وضع القطن في أذنه، فنقول له بصوت واحد :- أرفع القطن من أذنك يا رجل، وأسمع لحن أغنياتنا، وتراتيل أحلامنا، وأسمع كذلك همسات أمانينا الشجية، تلك الأماني التي ستزهرغداً بنفسجاً، وطيوراً، ونخيلاً، ومرافيء مضيئة.. ثم ألا يستحق أطفال هادي ماهود أن يظلوا هانئين في بيتهم السماوي الوديع، فيتطلعون من نوافذه الخضر نحو الضوء القادم من أقاصي جنوبهم ... أم  ستجبرونني على أن أقف، وأقول لهادي ماهود بصراحة : - بع بيتك ياهادي، وأشتر لنا فيلماً راقياً ( في أقاصي الجنوب )!!
 


 

free web counter

 

أرشيف المقالات