| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

السبت 14/2/ 2009



شهيد الشعب والوطن .... رافد اسحق حنونا

جلال اسحق حنونا
 
ولد في القوش في 18 تشرين الاول عام 1958..
في ربوعها قضي طفولة قصيرة تميزت بالوداعة والنبوغ المبكر، وكما كان متفوقاً في مدرسة العزة الابتدائية، كذلك شهدت ثانوية الجمهورية وكلية الهندسة في جامعة بغداد، طالباً استحوذ على عقول زملائه وكسب حبهم واحترامهم واحترام الاساتذة على حد سواء، نذر نفسه منذ صباه للعمل الجماعي واالمساهمة في الفعاليات الثقافية والمجهودات الانسانية التي تحمل بصمات القادة الكبار.
كان خياره الاصطفاف مع المناضلين الذين حملوا هموم الشعب ونسوا همومهم، ووضعوا انصب اعينهم سعادة الاخرين.... وكلما ازدادت صعوبة المراحل وتأزمت، كلما قوت عزيمتهم للانخراط الطوعي في مواكب التضحية، وهم مدركون ان الاخطار تحيق بهم، ويتربص لهم الغادرون في كل مكان وفي كل زيوية، وعلى امتداد مساحة الوطن.

قصص ومآثر وبطولات حفرت في ذاكرة الزمن، ونقلت حكاية الانسان العراقي الذي كانت عنده القيم والمباديء اولى الابجديات، واغلى من الحياة.... ارادته اقوى من ان تنال منها حمامات الدم وغياهب الزنزانات والسجون... وكل على طريقته سطر قصته، بالمداد الاحمر في صفحات التاريخ الانساني ، صفحات تفتخر بها الاجيال، وتحفظ ذكراهم بمهابة وخشوع الى ابد الداهرين.

لازلت اذكر ، ولن انساها الى اخر العمر، لحظة الوداع في ليلة الحادي عشر من اب عام 1979 .... اجتمعنا حول اخي رافد، وبعد محاولات مستميتة لثنيه عن عزمه في الهروب خارج الوطن بعد محاولات القاء القبض عليه في الجامعة وفي اماكن اخرى، ولا زالت تلك الكلمات النابعة عن الاصرار والعزم والشجاعة والثقة اللامتناهية في القبض ، لازالت ترن في اذاني.... كان يردد بثقة لا تقبل المساومة ( لن ينالوا مني، ولن أسلّم رقبتي للجلادين... وافضل ان اموت وانا ادافع عن افكاري في ساحة الوغى، على ان يقضى عليّ في دهاليز السجون) .... وأردف ( ان فعل مثلي الكثيرون، فان زمن التضحيات، وعدد الضحايا لا يقاس بما سيحصل ان تركناهم يذبحوننا كالخراف) ... سيشهد الزمن ان النظام ومهما أوتيَ من طغيان، فان غضب الشعب الكامن سيعصف به في الوقت والظرف المناسب....

وها هي النبوءة تتحقق ايها الشهيد البار، فلقد علق الجلاد في نفس الامشوطة التي نالت من رقاب الابرار والابرياء، وسيكون المصير نفسه لكل من يصادر حريات وكرامة الشعوب.

لقد اختط رافد طريقه في الحياة على هدى الاحرار .... وبالرغم من هدوءه ومثاليته المفرطة، الا انه كان كالطود الشامخ لا يهزه ريح او اعصار، ولم تثبط عزيمته الاهوال والمخاطر ... ولتأثره منذ نعومة أظافره بالقيم الإيمانية الجليلة، استمد منها ما تمازج مع مبادئه في ان سعادة الإنسان هي بقدر عطاؤه للآخرين ، والصفحة الأخيرة في حياته القصيرة كانت كتلك السنبلة اليافعة التي أبت ان لا تموت واقفة (في شعر ناظم حكمت) لتهب الحياة للاخرين... هرب من كلية الهندسة / جامعة بغداد / السنة الأخيرة، ليختصر كل توقعاته ويغتزل كل ذكرياته في ساعات قصيرة منذ وصوله البيت ثم مغادرته تحت جناح السرعة الى المجهول، وبعد جولات ومصاعب بعد خروجه من العراق... استقر مع المناضلين في كردستان الحبيبة، صمد مع الصامدين، وأبلى البلاء الحسن مع الثوار والمقاتلين.

19 كانون الأول 1981 ، فجر ذلك اليوم ، وفي معركة الفجر الأخير، وفي عتمة ظلام الكون وضباب التراجع الفكري، وبين سلسلة الجبال الفاصلة بين مسقط راسك، والموقع الذي وهبت فيه روحك لتنير مشاعل الكرامة الخافتة، وفي منطقة ( سينان شيخ خدر) خلف جبل داكان... في ذلك اليوم الذي سقيت الوطن بدمائك الطاهرة، سجلت مآثره وبطولة أخرى... لم يثنيك مرضك من القيام بواجبك في الحراسة ورفضت الانصياع لرغبات رفاقك في الخلود الى الراحة... وعندما لاحت أمامك أشباح القتلة وسط الظلام الدامس مصحوبة بأصوات الاليات ونباح الكلاب، وقبل ان يحكموا الطوق وقبل وقوع المذبحة، كنت قد وجهت قذيفتك إلى رأس رمح القوة المهاجمة، فأصبتَ منهم مقتلاً وارتباكاً وتاخيراً، اصبت واصيب رفيقك عمار إصابة بالغة وهو يقاوم بضراوة... لحظات رهيبة حاسمة، ومحاولات بائسة للافلات من الكمائن المعدة للإخلاء .... شريط الذكريات يمر بومضات تنقل أشباح الوالدين والاخوة والأهل والأصدقاء، يمتزج مع غشاوة الرؤيا وظلام الكون قبل الظلمة الاخيرة.... نظرت الى حافات السماء البعيدة ، ونظرة أخيرة إلى رفيقك المسجى الى جانبك ... أطبقت جنونه وأودعته بقبلة على جبينه المخضب بالدماء، في حين لم يكن هناك من يغمض لك جفونك.

سبقتنا نواقيس الكنائس تطلق نغماتها الحزينة حداداً وجزعاً ، ولم نسمعها الا بعد اشهر من استشهادك... الى اللحظة الأخيرة وفي الرمق الأخير كنت وفياً واميناً لمبادئك... اللحظة التي ابيت فيها الا تتوازى مع سطعان النجوم، دافعت عن المبدأ والعقيدة، وفديت رفاق الساعات الاخيرة لتمنحهم سبل النجاة.

وقبل ايام من ذلك اليوم القاتم كانت دموعك الغزيرة، وكانت الحسرة وشوق الاهل وانت على سفح جبل القوش الأشم وانت تلقي بانظارك لتلتقط صورة ذلك البيت القديم الذي ترعرعت فيه متمنياً بان تجده عامراً بأهله الذين هجروه، وان تنعم بالدفء بين أحضانهم وتتلفح أنفاسهم وتتوسد سرير الطفولة الذي هجرته مبكراً.

في ذاكرة الزمن ابحث عن وجهك الباسم
وفي ثناياه أتلمس جمال الروح وبهاء الطلعة وصورة الوداعة الممزوجة بالعنفوان في أول عتبات العشرين.
وعندما اطرق أبواب الذكريات، يختلط طيفك ويتشابك مع ثائر صامت قوي الشكيمة، وحكيم غزير العلم والمعرفة، وناسك اختار صومعته ليس للانعزال، بل في صياغته الأمل وصياغة المستقبل.

رافد ... وحيث اقترن اسمك بينبوع الحياة، اختارتك الأقدار لان تجمع بين من حمل صليب البشرية، زاهداً بكل شيء الا بما يصون كرامتها... ومن ثائر قضى على طريقة جيفارا، مجاهداً من اجل الغد الأفضل... ومن مفكر طرق أبواب أفلاطون في بحثه عن حقيقة الإنسان والكون والإنسانية.

والمواساة أيها الإنسان الإنسان، إن الذاكرة حفرت أرشيف حياتك واحتفظت بابتسامتك التي لم تعرف غيرها وانت في أحلك الظروف وأصعب المواقف واحرجها.... وهدوءك كان عنوان شخصيتك وهويتك... وصورة شبابك التي ودعت فيها الدنيا، ستبقى نبراساً تخلق الغد السعيد لكل الشباب.

المواساة ايها الثائر الكبير، ان صناع الحياة واللحظات التاريخية هم الذين يحيلون عذاباتهم هدايا لسعادة الآخرين، ومن آلامهم وهمومهم جسوراً تمتد عبر المسافات وبين الشعوب.
المواساة ايها الفقيد الغالي، اننا لم نراك الا مبتسماً حتى ساعة الوداع في تلك الظهيرة القائضة... وتحت تلك الابتسامة تسترت ارادة لا تقهر.

ايها الفقيد الشهيد، شهيد الشعب والوطن والانسانية... ان نسمات الفرح باتت تدغدغ احياناً شغاف القلب لتتلاشى سريعاً، ولكن نصال الحزن الذي اصابته في السويداء ستبقى ابدا، وان كانت خسارة رجال المبادئ لا تعوّض، فان الضياء لا يفارق مجاهل حتوفهم لينيروا الطريق.... ولأنهم، ومهما تفرق الركب، ومهما جار الزمن، ستبقون أسس الوطن، وأساسات المستقبل الأفضل.

 

free web counter

 

أرشيف المقالات