| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأربعاء 15/10/ 2008

 

مستلزمات بناء الدولة الوطنية الديمقراطية

د. عبد المنعم عنوز  *

لقد اهتم بتناول موضوع بناء دولة ديمقراطية كثير من الباحثين السياسيين انصار الحرية والعدالة والمساواة. وهم يتوقون جميعا لوطن يضمن الحد الادنى من معالم ومقومات الانسانية في عالم مليء بالصراعات وتفاعلات وتصارعات الوحدات الاساسية للنظام السياسي الدولي.
ان هذا الهدف يبحث عن مستلزمات واقعية وموضوعية ذات صلة بالواقع البيئي الذي تقطن فيه وتتفاعل مع معطياته مصادر متعددة، منها السياسية بكل صراعاتها، والقانونية بواقع التباين في قواعد استنباطها، والاقتصادية بكل انماط انظمتها وبرامجها، والاعراف الاجتماعية التي تتغذى من وجدان تاريخها الديني وفلسفة عقائدها، وغيرها من عناصرالنشوء والتطورالتي تقررالى اين تتجه بوصلة بناء الدول.

لابد من التسائل في معرفة اي من العناصرالمارة الذكر اكثر تاثيرا في تقرير بناء دولة ديمقراطية؟
هل يعتبرمعيار دولة القانون اساسا جوهريا لبناء الدولة الديمقراطية؟ وماذا عن مضمون قانون هذه الدولة، الاقتصادي والثقافي والعقائدي وغيرها من القوانين ....
وفي جميع الافتراضات، فمهما تكن طبيعة هذه العناصرالتنظيمية في اسسها القانونية ، فهي لن تكون وطنية الا عندما تستمد مضمونها وفلسفتها من واقعها وتلتصق بهويتها كي تنتج آثارا قابلة للحياة وتحقق مقاصدها. هذا من جانب، ومن جهة اخرى لابد من ان تتوفر آلبات التنفيذ الملائمة والقادرة على فعل البناء والتغيير في الواقع باختلاف مواضيعه.
يكثر الحديث دائما في ان بناء الدولة الوطنية ( العراقية) الديمقراطية يقوم على تاسيس دولة القانون.
وفي كل مناسبة يتردد هذا الشعار في خطب السياسيين دون ان ندرك باننا لا نعرف هذا القانون ابتداءا قبل ولادته وشرعية آليات تنفيذه. فما هو هذا القانون الذي نتحدث عنه؟ اننا نجهل طبيعة ومضمون هذا القانون . ومن غير الجائز ان يتمتع ب (ال) التعريف طالما ان محتواه ومقاصدة غير محددة مسبقا. ولهذا يجب ان نقول دولة قانون وليس دولة القانون والاختلاف شاسع بين المصطلحين من حيث البعد الموضوعي وتشخيص المقاصد لكل منهما. فماهو مضمون القانون الاقتصادي ؟ وما هو مضمون القوانين التي تتناول الحريات والحقوق الاساسية للمواطن ؟ لايكفي ان نجد لها سندا دستوريا يقرر التزام مؤسسات الدولة على التقيد بمقاصدها. يجب ان ننتبه بانه ليس كل قانون هو عادل او انساني او يهدف الى تحقيق المساواة والتطور لحاجات المجتمع.
يفهم من ذلك ان الدولة الديمقراطية لايمكن ان تكون دولة اي قانون. فكل دولة هي دولة قانون يكون معبرا عن شكل النظام الذي تنتجه وتطبقه ويخضع الى سيطرة السلطات المخولة لهذه الواجبات. رغم ذلك، قد لاتكون هذه الدولة ديمقراطية . ولكن عندما يثبت ان الدولة ديمقراطية فهي بالضرورة دولة قانون. كيف يتحقق ذلك؟ الجواب هو ان السلطة التنفيذية الادارية والعسكرية والسلطة القضائية يخضعان كليهما لاحترام القانون الذي شرعه البرلمان. وهذا هو الركن الاولي لبناء الدولة الديمقراطية. وكما هو معروف ان مبدأ الديمقراطية هو ليس الية تنفيذ مجردة وقائمة بذاتها. انما هي تعبر عن فلسفة انسانية باسمى رقيها الحضاري المعاصرطالما انها تتجاوز منافع السلطات لتهتم بمنافع المواطنين في مفردات حياتهم وعلاقاتهم المحلية أو الدولية من خلال تفاعلات دولتهم وحضورها في النظام السياسي الدولي.
وكما تناولنا سابقا مفهوم الديمقراطية وتعدد السلطات للدولة العراقية في مناسبة اخرى، اكدنا على ان الديمقراطية الصائبة لا تسير لحالها دون أن تستقي أحكامها من أيديولوجية غنية بالأفكار الجديدة المنادية بالتغيير في الاتجاه الأفضل والأبقى إنسانيا. هذا هو المبدأ الجوهري الذي يكشف محور مقاصدها. وهي بهذا الغرض، لابد أن تكون محددة الأهداف ومعروفة المقاصد بكل أنواعها سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية. ومضمون هذه الأيديولوجية هو الذي يخلق معالم الحياة المستقبلية لبناء الدولة بكل عناصرها. ( فعندما يكون هذا المضمون حضاريا وإنسانيا فانه في طبيعته سيجعل من هذه الديمقراطية عامل قوة واستقرار وازدهار) ليس فقط في رابطة الدولة مع مواطنيها ومع اهتمامها بالأرض والبيئة والاقتصاد ،هذا من جانب ، ولكن أيضا في إطار علاقة الدولة مع أعضاء الجماعة الدولية من الدول والمنظمات كي تتمكن من تحقيق المقاصد والغايات التي تضمنها ميثاق الأمم المتحدة.أما على خلاف ذلك، فليس مستغربا أن تقود وسائل الديمقراطية إلى السلوك الفوضوي الذي سيؤدي بالضرورة إلى الظلم وانتهاك حقوق الإنسان والعدوان والديكتاتورية، وهذا ما ينبغي التحذير منه.
يجب اذن التعامل بحذر شديد في انتقاء مقومات الديمقراطية وتشخيص اركانها الفلسفية والعملية الصالحة.
في هذه الكتابة المتواضعة والمختصرة لانتطرق الى مبدأ فصل السلطات الثلاث : التشريعية والتنفيذية والقضائية وضرورة استقلالها التام قبل السلطات والاحزاب السياسية، باعتبار ان هذا المبدأ هو الحجر الاساس لبناء دولة قانون مسترشدة بمعاييريراد منها بناء دولة ديمقراطية. وكما نؤكد دائما بأن مقياس التخصص والفصل في المهمات التشريعية والتنفيذية والقضائيةهو من الامور الجوهرية لبناء دولة قانون وديموقراطية .
لايتوقف الامر عند هذا القدر من المباديء والقواعد الدستورية التي يقررها دستور الدولة دون ان نحدد مصير الحقوق الجوهرية التي ينبغي ان يمنحها قانون الدولة الى مواطنيها. ويهمنا ان نعطيها بعض الاهمية في هذه المناسبة. وهذه الحقوق تجد قواعدها القانونية في ثلاث محاور اساسية نتناولها بايجاز وهي :

1- ممارسة مفهوم الدولة - ضمن اي مفهوم تمارس الدولة سلطاتها؟
ان اساس مفهوم الدولة الديمقراطية يقوم على معايير قانونية وانسانية وواقعية تلتزم باحترامها هي ذاتها اولا. وهدفها ابتداءا هو وقاية المواطنين من الانماط والسلوك التعسفي للسلطات العامة.
لاشك ان من آليات سلطات الدولة لتحقيق برنامجها وتامين السلم الاجتماعي ان تتمتع بفرض الالتزامات لادارة شؤون رعاياها في الداخل والخارج،لان العقد الاساسي للدولة هو الذي يسمح بشرعية وجود ونشأة تلك الدولة ويعتبرها حامية وضامنة للحريات والحقوق المقدسة التي جاء بها الاعلان العالمي لحقوق الانسان، متمثلة بالحرية والعدالة والاستقلال . ولكن من جانب آخر نتحسس بان طبيعة هذه الالتزامات التي تقررها قواعد دستورية والتي تتعرض بقدر او بآخر للحريات العامة ، ينبغي ان تكون ( رسمية السند القانوني ، محايدة في من حيث موضوع التنفيذ، آمرة في قوة الالزام، توقع العقاب الذي لامفر منه من قبل مرتكبها). فهي تتمتع بصفة العمومية والموضوعية ولايمكن لاي مواطن ان يتهرب من تطبيقها.
ولكن للمواطن الحق في الاستعانة بالقواعد القانونية العليا وآلياتها عند تعرضه للتعسف وتجاوزحدود السلطات. وهذا هو جوهر مهمات الرقابة القضائية على مشروعية قرار السلطة الادارية وما ينتج عنه من آثار كالبطلان للقرار الاداري عند التعسف في استعمال السلطة ، وكذلك الامر بالتعويض واعادة الحال الى ماكان عليه قبل اتخاذ القرار الاداري للسلطة العامة ان كان باطلا او ملغيا بحكم القانون او القرار القضائي الصادر بشأنه.
الدولة الديمقراطية تتعارض مع نظام الدولة الاستبدادية التي يكون فيها اصدارالقرارات غير قابلة للطعن ( نفذ ثم ناقش)، او تلك الدولة التي لايتبع فيها التسلسل القانوني للمراجع التنفيذية. في الدولة الديمقراطية، للمواطن الحق في الاستعانة بالقواعد القانونية وجهة تنفيذها طبقا لصفة التسلسل في المراجع ابتداءا من الدستور والقوانين المتفرعة والانظمة وحتى المعاهدات والاتفاقيات والتفاهمات الدولية الموقعة التي تصبح بحكم القانون الداخلي . ومثال ذلك الاتفاقية الدولية لحقوق الانسان في شقها المتعلق بالحقوق الفردية أو حقوق المجتمع ، وكذلك الاتفاقيات التي تهدف الى حماية البيئة وغيرها من الاتفاقيات الدولية. ويدعم هذه الحقوق ماهو من طبيعة النظام السياسي ذاته وفلسفته للحقوق العامة والخاصة.

2- الحقوق السياسية :
يترتب على مفهوم الدولة الديمقراطية تشريع القوانين التي تضمن لمؤسساتها ومواطنيها كثير من الحقوق الاساسية ومنها حرية التعبير، وحق التصويت السياسي والتعددية ..... وهذه الحقوق تسمح للمواطنين المساهمة الفعلية في تقرير نوع النظام السياسي للدولة . كما انه تعبير صريح عن واقع الارادة العامة الحرة عند المجتمع متحررة من كل انواع القيودالتعسفية.
وعند تاسيسها مبدأ الحرية الفردية وتنظيمها في اطار حرية الجماعة في العقيدة والتجمع التعاوني والرأي المستقل ، فلابد ان يتمكن المواطنون من المساهمة الفعلية والموضوعية القائمة على الادراك الحقيقي لنوع الحياة السياسية لوطنهم واختيار ممثليهم على اسس المعرفة والخبرة والاخلاص للوطن . وقد يتقدم كل ذلك معيار النزاهة والشرف والامانة.
من جهة اخرى ، يترتب على الدولة احترام حقوق الانسان وتامين اللامركزية في السلطات العامة، ومنح الثقة بشريحة واسعة من بناتها وابنائها كي تتحمل المسئولية وتساهم في بناء الدولة الديمقراطية. وعند ذلك تولد الكفاءات الادارية الجديدة وتنمو وتتطور نماذج من اصحاب القرار في مؤسسات الدولة.
ان هذه النتائج تقوم على اولويات الحوار والتشاور وكذلك الدعم المتبادل بين المجتمع المدني والسلطات العامة. ولكن ماهي آليات انجاز مثل هذه المهمات والاهداف؟
اول هذه الاليات هي اجراء انتخابات حرة وشريفة ومضمونة من حيث الاجراءات والنتائج لكل التيارات الاجتماعية، من منظمات مدنية اوجمعيات مهنية او نقابية، كذلك التيارات السياسية واحزابها. وعلى ضوء ذلك يترشح المجلس التشريعي ومقرري السلطة التنفيذية والقضاء والمجالس المحلية بمعايير الوطنية والكفاءة والمقدرة.
يجب ان لانغفل ايضا دور وسائل الاعلام بكل اصنافها . وحينما تكون حرة مستقلة قابلة للتطور في الشكل والمقاصد، تعمل متمسكة باهداف انسانية وطنية. واهمية وسائل الاعلام الحرة والمتنوعة تكون رافدا اكيدا للرقابة الاجتماعية على السلوك العام لمؤسسات الدولة باعتبارها مصدر معلومات مستقلة ، لها من امكانية الرؤى الناقدة حيال فاعليات السلطات العامة بكل فصائلها. الا ان للاقتصاد ايضا اثرا مهما في تقرير نشأة الدولة اليمقراطية  .

3- التفاعل بين الاقتصاد والديمقراطية.
يشكل الاقتصاد عصب الحياة لبناء دولة ديمقراطية عندما توظف نتائجه للتنمية وتامين حاجات الناس وتقليل التفاوت الطبقي وتحقيق التطورالانمائي للاقتصاد الوطني. ومن المعروف والثابت ان دولة القانون والديمقراطية تؤمن كليا بالتطور الاقتصادي والعلمي. لكنها تتجنب ان يتجه ذلك الى ميادين السلاح الا بقدرالحاجة لرد العدوان والتمرد على مؤسسات الدولة.
ان الدولة لاتتطور الا عندما تحقق قدرا من تراكم رأس المال الوطني وفرص العمل المنتجةمن هذا التراكم . عند ذلك تنحو نحو الديمقراطية كما هو مثال كوريا الجنوبية. هذا من جانب ، يضاف الى ذلك ضرورة العمل بمبدأ اللامركزية في اقتصاد الدولة وتتنفيذ برامجها الاقتصادية. لقد جرب النظام السياسي السابق في العراق اقتصاد الدولة المركزية في كل شيء. وكانت النتائج ان مؤسسات الدولة الانتاجية والخدمية لم تتطور ولم تكن قادرة بالنهوض لتفعيل اغراض تاسيسها ، وان كانت تزامنها بعض الشركات الصغيرة والمؤسسات العائلية. ثم راينا كيف ان رأس مال الدولة اتجه الى عمليات الحرب والتصنيع العسكري . وهو بطبيعة انتاجه لاينفع ولايخدم حاجة السوق المحلية من السلع والخدمات او توفير فرص العمل المنتجة والمتطورة.
ان مبدأ السوق الاقتصادي للدولة يخضع الى معايير مهمة ومتعددة ومنها معايير العمل والصناعة والزراعة والخدمات والتعليم. وعندما تتمتع هذه بحيازة مستلزماتها وتكون قادرة على التفاعل مع واقع السوق، يتحقق تجديد الطاقات الانتاجية المادية والاجتماعية للعاملين فيها وكذلك للعائلة بشكل عام. ويصبح الاهتمام بالمعاهد التربوية والتعليمية التي تهتم بالاعداد لحياة مهنية متطورة تتجاوز اطار المستلزمات المنزلية التقليدية. وقد يؤدي ذلك الى ان فلسفة الاديان والمعتقدات تكون داعمة لمقتضيات العمل المنتج وحتى مفهوم الربحية الناتج من أداء العمل المشروع حينما لايتعارض مع القواعد الاخلاقية والنظام العام والآداب لدولة المجتمع الديمقراطي فيصبح فائض قيمة العمل مشروعا ومقبولا.
في الواقع ، ان الديمقراطية لا تتحقق الا بعد تحقيق مستوى من التطورالعام لطبقات المجتمع.وهذا يعني بانه في اللحظة التي يعم فيها التفاعل الطوعي المتبادل بين العاملين ومالكي العمل ، فاننا نقترب ماديا لتحقيق المنفعة العامة لكليهما ، ومن اجلهما فان دولة القانون تأخذ شكلا ديمقراطيا لضمان ديمومة حالة التوازن الدائم لهذه المنفعة المشتركة. فتقوم بتنظبم علاقات العمل من خلال ايجاد التشريعات الملائمة لضمان الحقوق وترتيب الواجبات.
الدولة الديمقراطية تعيق حالة الاثراء لمالكي العمل الذي ينتج عن التعسف في استغلال الطاقة المنتجة، وتوفر للعاملين حرية النقابات وحد ادنى للاجور . وعندما يوفر السوق الاقتصادي فرص العمل، فانه سيسمح في ازالة التفاوت في مستوى دخل الافراد ويخلق لهم مشاريع حياة تبعث عندهم الوفاء الدائم للهوية الوطنية.
ومن الجانب المالي. فان زيادة مرتبات العاملين او مساهمتهم بارباح المشاريع التي يعملون فيها، بامكانه خلق طبقة وسطى من شأنها ان تولد سوقا داخلية منتجة مضادة الى السوق الخارجية. وعندها تتحقق التنمية الوطنية وتتطور كي تستمر بتوفير فرص العمل لمن يقدر عليه، ويدعم الاقتصاد الوطني لتوظيف راس مال الدولة للانتاج والعمالة وليس للاستهلاك. ولقد تبنت الصين هذا المبدأ في نظامها الاقتصادي الذي سمح لها ان تحقق نموا اقتصاديا متسارعا بعدما كانت مثال الدولة المركزية الشمولية في شكل اقتصاد الدولة.

نخلص من كل ماتقدم ، ان مستلزمات بناء الدولة الديمقراطية تجد لها حضورا متشعبا ولا يمكن اختصارها بالمحاور الثلاث التي تناولها الموضوع وبهذا الايجاز. انه يتطلب قدرا كبيرا من البحث والتشخيص لعناصر بناؤها ولكن يبقى حجر الاساس لانجاز هذا البناء هو ان نرى ولادة دولة قانون عادل وواقعي يطمح في الحرية والمساواة الاجتماعية وسعادة الانسان. وهو ما يهمنا اولا واخيرا.


انتهى

لايبزج ، في 17 ايلول 2008


  *
دكتوراه في القانون - فرنسا
عضو نقابة المحامين العراقية
استاذ القانون في الاكاديمية العربية المفتوحة - دانمارك

 

free web counter

 

أرشيف المقالات