| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

السبت 15/11/ 2008

 

الكهرباء في العراق:
من سيء الى أسوأ

بقلم مراقب

في الوقت الذي يسود فيه الذعر في جميع أنحاء العالم من تداعيات الأزمة الاقتصادية المالية التي تهدد النظام العالمي باسره، يبدي وزير الكهرباء العراقي د.كريم وحيد نشاطا استثنائيا لعقد صفقات مليارية لمشاريع يشاع انها ستزيد انتاج الطاقة الكهربائية. ان دول العالم ومؤسساته العالمية وكبريات شركاته متخوفة حد الرعب من المصير المظلم الذي ينتظرها .وتشهد كل أسواق العالم وبورصاته انتكاسات خطيرة وتدنت أسعار النفط بالذات الى ما دون الستين دولارا للبرميل من ما يقارب ال 150 دولارا في تموز الماضي أي بانخفاض يزيد على 250% وما يعنيه ذلك من شحة في الموارد. وأزاء هذه الخلفية نرى المسؤولين العراقيين وفي مقدمتهم وزير الكهرباء ، يتسابقون في عقد الاتفاقيات مع الشركات العالمية "الهالكة" ويمدون لها أطواق النجاة ويسعون لتوقيع عقود بنفس الأسعار التي كانت معروضة قبل الانهيار الأخير أو حتى أكثر. فبأي أموال يقامرون؟ أليست هي أموال الشعب العراقي الجائع المنكوب المحروم المشرد أبناؤه في مختلف بقاع الدنيا؟ أو لا توجد قوانين تحاسبهم على هذا الهدر وهذا التمادي في تدمير الوطن ومقومات عيشه؟ لا يريد أحد من المسؤولين العراقيين أن يكونوا ضليعين في الاقتصاد ولكن يكفي لهم أن يراقبوا حركة أسعار العملات والسلع والمنتجات خلال الأسابيع الماضية ليدركوا جسامة الأنهيار الذي يواجهه العالم. الذهب والنحاس والحديد والبلاتين ناهيك عن النفط واليورو والاسترليني وغيرها كلها تتهاوى.
فلماذا هذا التسرع للتوقيع على عقود بأسعار وشروط ما قبل الانهيار؟! قبل مدة أعلن وزير الكهرباء نيته لاتمام الصفقة مع شركة GE وتوقيع العقود معها لتجهيز باقي الوحدات التي اعلن عنها سابقا بتوليد 12 ألف ميغا واط في العراق. وأخيرا جاءت الأخبار تترى عن عقد صفقة مع الملياردير الكويتي الخرافي بتجهيز العراق ب:
" 20 وحدة من المولدات الكهربائية الحديثة التي تعمل بمختلف أنواع الوقود لحساب وزارة الكهرباء". وراح مسؤلو الوزارة ، دون استشارة او موافقة مجلس الوزراء ومجلس النواب كما يقتضي الدستور والقوانين العراقية النافذة بتوزيع هذه الوحدات على المحافظات المختلفة كما لو انها صارت أمرا واقعا بالفعل. فما هي قصة هذه الصفقة.
اننا ننشر الحقائق التالية عنها لغرض اطلاع الرأي العام العراقي ومجلس نوابه ووزرائه كي يكونوا على بينة من الأمر :

أولا : لقد جاء الخرافي بهذه الوحدات في شهر تموزعام 2007 لغرض نصبها في الكويت وقطر. وجاء في التصريح الصحفي الذي نشر عنها في حينها، في 27 تموز 2007 ماهو آت :

"تلقت شركة GE للطاقة عقودا تزيد قيمتها الاجمالية على 1,8 مليار دولار لتجهيز 32 توربينا غازيا ومعدات اضافية لمشاريع محطات الطاقة في الكويت وقطر والتي ستضيف اكثر من 5 غيغا واط (5000 ميغا واط ) من القدرة لتلبية الطلب المتزايد بسرعة على الطاقة في الشرق الأوسط".

وجاء أيضا :
" ستزود جي ئي عشرين توربينا غازيا من نوع (فريم 9 ) الى شركة الخرافي الوطنية الكويتية لمحطة الطاقة في الصبايا والتي ستضيف أكثر من 2,5 غيغا واط (2500 ميغا واط ) من القدرة على توليد الطاقة الى دولة الكويت".

وأكدت التقارير أن هذه الوحدات تعمل على الدورة البسيطة للحمل الاساس وان تجهيزها سيتواصل ما بين تشرين الأول عام 2007 وحزيران 2008 وأنها سوف تشغل في المراحل الابتدائية على الوقود الثقيل لحين توفر الغاز الطبيعي بعد ثلاث سنوات .

والحقيقة التي يعرفها الجميع أن مجلس الأمة الكويتي قد رفض هذا العقد وأرغم وزير الكهرباء والماء على الاستقالة متهما اياه بالتورط بقضايا الفساد فيما يتعلق بهذه الصفقة المشبوهة. وراح الخرافي يحاول بعد ذلك المستحيل لتمشية هذه الصفقة ولم يجد "سذجا" يمكن اقناعهم بها . ومن جملة محاولات الخرافي ، كانت مع محافظة بابل حيث أوردت وكالة الملف بريس تقريرا بتاريخ 28/6/2007 ما يلي :

" أعلنت عدد من الشركات الكويتية عن استعدادها لتنفيذ استثمارات في المجالات الخدمية في محافظة بابل لاسيما في قطاعي الكهرباء والاسكان . وقال المهندس محمد المسعودي الذي ترأس وفدا زار دولة الكويت الاسبوع الماضي تلبية لدعوة رسمية ان الوفد ناقش مع عدد من الشركات تجهيز ونصب محطة كهربائية بطاقة انتاجية تبلغ 400 ميغا واط تكفي لسد حاجة محافظة بابل من الكهرباء". مشيرا الى أن الاتفاق ينص على ان يتم تسديد 20% من قيمة المحطة فيما يتم تسديد الباقي على شكل كميات من النفط الخام على شكل دفعات".
وحيث أن مجلس محافظة بابل لا يمتلك صلاحية التعاقد مع جهات اجنبية فقد تعثر المشروع، ولكن الخرافي لم ييأس بل رمى شباكه أبعد من ذلك... الى الحكومة المركزية ويبدو أنه نجح في ذلك.

فما هي أوجه الاعتراض على هذا" المشروع" "الصفقة" ،
أولا- ان التقارير الرسمية الصادرة في تموز 2007 اكدت ان الوحدات التي تخص الكويت هي 20 وحدة بقدرة توليدية تساوي 2500 ميغا واط وكلفة اجمالية تعادل 1,8 مليار دولار في حين اشارت التقارير المنشورة في العراق ان شركة الخرافي ستجهز العراق بطاقة اجمالية تعادل 1750 ميغا واط وبكلفة 1,4 مليار يورو. ومع التحفظ الشديد لتحويل التسعيرة من الدولار الى اليورو نقول أن كلفة هذه الوحدات بالنسبة للعراق حسب سعر الصرف الحالي لليورو مقابل الدولار تساوي 1,761 مليار دولار. ولو أجرينا عملية حسابية بسيطة ما بين 2500 م.و. و1750 م.و. لوجدنا أن الكلفة التي كانت يجب أن تعرض على العراق هي 1,250 مليار دولار أي أن 500 مليون دولار اضافية قد حُمّلت على العراق رغم تدهور الأسواق العالمية مما يوجب أن يخفض الأسعار لا أن يرفعها .

أما سبب تقليص عدد الوحدات المنوي تجهيزها الى العراق فقد كشفته أخبار من سوريا مفادها أن شركة مشتركة مابين الخرافي والقطاعين العام والخاص في سوريا سوف تتلقى وحدات بقدرة 750 ميغا واط .

ثانيا- لما كان هذا العرض قد رفض في الكويت عام 2007 وأدى الى اقالة وزير الكهرباء هناك واتهامه بالضلوع في الفساد، فكيف حصل على "الغسيل" بهذه الصورة ليأتي نظيفا الى العراق .
ويعتبر مكسبا يضاف الى "المكاسب" التي حققها أيهم السامرائي والتي كلفت مليارات الدولارات وانتهت معظمها في المزابل حسب اعتراف السلطات الأميركية و العراقية على مختلف المستويات ؟!

ثانيا : لما كانت وزارة الكهرباء قد أبرمت عقودا مع شركة جنرال الكتريك الأم فلماذا تلجأ لشراء وحدات مشبوهة من الوسطاء؟

ثالثا : لقد تم استيراد الوحدات موضوع البحث وفقا لاحتياجات الكويت وظروفها الخاصة بمنظومتها و هذا لا يصلح بالضرورة للعراق.

رابعا : لقد اكد التقرير الأولي الذي تناقلته وكالات الأنباء العالمية والمحلية قبل أكثر من سنة أن تنفيذ المشروع يتطلب ما بين 16 شهرا الى 3 سنوات ولكن المسؤولين العراقيين يصرون على خيار ال 16 شهرا لتطمين الناس الذين فقدوا صبرهم وما عادوا يصدقون كلمة واحدة يقولها وزير الكهرباء وطاقمه المعروف. فمن الذي سيضمن الالتزام بهذه المدة التنفيذية؟ خاصة وأن وعودا مماثلة لا تعد ولا تحصى قد اطلقت سابقا ومنذ سقوط النظام السابق ولكن شيئا من ذلك لم يتحقق.
ولنفترض جدلا أن الوزارة قد أفلحت في تحقيق ما تدعيه فهناك مشكلتان كبريان لا يمكن تجاهلهما ولكن لا احد من مسئولي الكهرباء يعير ايا منهما اهتماما كافيا:
1- ان وضعية البنى التحتية من شبكات النقل والتوزيع في المنظومة الكهربائية أكثر ترديا من وضعية التوليد على تعاستها. فحتى لو طرأ تحسن في التوليد ،وهو أمر مشكوك فيه لأبعد الحدود بسبب السلوك العام والماضي الناطق للمسؤولين ومن يقف وراءهم ، فسوف نواجه مشكلة النقل والتوزيع. ان هذا القطاع يعتبر من القطاعات كثيفة العمالة، كثيفة رأس المال ومستهلكة للوقت. بعكس قطاع التوليد الذي يعتبر أسرع نسبيا في التنفيذ ولا يخضع للتخريب بنفس النسبة التي يخضع لها قطاعا النقل والتوزيع ...
فما الفائدة من وجود طاقات توليدية بدون دعم كاف من شبكات حديثة وكفوءة للنقل والتوزيع وبدون ضمانات أمنية كافية للمحافظة على هذه الشبكة؟

2- وهناك أيضا مشكلة الوقود، حيث أن هذه الوحدات تعمل بصورة مثلى على الغاز وبدون التنسيق الدقيق مع وزارة النفط وأجهزة الدولة الأخرى تصبح هذه الوحدات عبء على الاقتصاد. وموقف وزير النفط يكاد لا يختلف عن نظيره وزير الكهرباء من حيث نظرتهما الى الاقتصاد الوطني. فكلاهما يعتبر أن وزارته هي العراق والعراق هو وزارته فلا تنسيق بينها ولا أسبقيات لخدمة الاقتصاد الوطني اولا. فوزارة النفط ومن يقف وراءها لا هم لها سوى الحصول على الأموال بأي وسيلة وبالتالي فأنهم يسعون الى تصدير الغاز ومنحه الى الجهات الاجنبية بدلا من تعزيز الاقتصاد الوطني. ولا يمكن التفكير بأي حلول ناجعة لازمة الكهرباء دون ان تحسم هذه المشاكل لصالح المصلحة الوطنية العليا والاقتصاد الوطني.

3- ان هذا الافراط في نصب الوحدات الغازية سيحول قوام المنظومة Backbone الى هذه الوحدات التي لا يُعوّل عليها كثيرا، حيث أن الكفاءة الحرارية لهذه الوحدات لا تتعدى ال 31% . فمهما سُطّر من أرقام تتعلق بالقدرات التوليدية فانها تتضاءل في الواقع الى أرقام متدنية جدا، علاوة على كثرة العطلات وكثرة الحاجة الى صيانتها . كما كان الحال فعلا مع الوحدات التي نصبت سابقا والتي كتب عنها الكثير في الصحافة العالمية المتخصصة وفي تقارير الوكالات الأميركية المعنية وفي مقدمتها المفتش العام المختص لاعادة اعمار العراق(سيجير) ومكتب المحاسبة الحكومي(غاو) . وقد تطرقنا سابقا الى هذه المواضيع ولا نبغي التكرار .

ان المعالجة الجادة والحقيقية لازمة الكهرباء تتطلب نظرة شمولية بين مختلف أجهزة الدولة التخطيطية والصناعية والتجارية والأمنية لكي تخرج بحلول ناجعة ومستدامة لا حلولا احادية الجانب وشوهاء .




 

free web counter

 

أرشيف المقالات