| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأحد 15/6/ 2008

 

“ابو سعيد" عبد الجبار وهبي ..
"أبو كاطع" شمران الياسري..
عندما يكون الصحفي لسان حال الشعب

ريبورتاج : بسام عبد الرزاق

الى أين يأخذنا "الريل" هذه المرة، وأية محطة تستوقفنا؟، وهن كثر في حياة وإبداع الراحلَين. نضال وغربة وشهادة. قلم ساخر موجع، كاريكاتير من حروف الوطن... يغرفان الحبر من دجلة والفرات لقلميهما، فتنهال الحسچة واللغة الرصينة من تنور الريف الى المدينة حتى أعالي الجبال، وكأن الشعب يكتب بقلم واحد، وعذوبة استنطقت عذابات الناس، وأسست قاعدة اسمها الحب، وجيلاً يجهر الرفض بوجه الطغاة، باتحاد او طريق اسمه الشعب.

بين حبهم للكبيرين وألم الماضي، يكتب زملاء ومجايلون لهم عاصروا أقلامهم السحرية، وذاقوا طيب الكلام والعناق. فأبتدانا بالفنان الكبير يوسف العاني الذي اتكأ على مرضه وحدثناه في دولة الاردن، واعتذر هاتفيا عن التصريح متيقناً أنه لايعطي الحق الوافي للشهيد "ابو سعيد" واحالنا الى مادة كتبها سابقا عنه. ولقصر الوقت لم نستطع العثور عليها وندعوا قراءنا ان وقعت بين ايديهم ارسالها الى "طريق الشعب" لنشرها.

وباتصال اخر بالكبير محمود عبد الوهاب في بصرته / بصرتنا، واتت كلماته عن الشهيد "ابو سعيد" لتأخذ مكانها في صفحاتنا.

وعلى غراره باتصال مع سامراء يحدثنا الاستاذ الشاعر دينار السامرائي عن "ابو سعيد" ورحلة العمر الجميل... وفي استضافة بـ "مركز الاتصالات الاعلامية للحزب الشيوعي العراقي" للرائدين العزيزين حمدي العاني (أبو حمادة) وهادي الطائي (أبو علي)، حدثانا عن "ابو سعيد" وذكرياتهما عن اروقة اتحاد الشعب ومقال الشعب.

أما "ابو كاطع" فقد حدثنا عنه وكتب الينا مبدعون مرموقون اجلاء، ابتدأنا هاتفياً بالاستاذ ناجح المعموري الذي اعد لنا مقالاً عن الراحل وارسلها لتأخذ مكانها بين اعمدة الصفحة. وفي اتصال آخر بالاستاذ عبد المنعم الاعسم الذي استفدنا من وجوده في بغداد، ليعد لنا مقالاً عن الراحل. والى دار ثقافة الاطفال رحلت امتعتنا لنلتقى بالاستاذ جمال العتابي فحدثنا كثيراً عن "ابو كاطع" ورفقته الحلوة. وبين جدران "الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق"، اختتمنا جولتنا مع المبدعين عدنان منشد وكاظم غيلان وهما يكتبان بحيرة المحب العاشق.

وهاكم اعزاءنا من رحلة الذكرى ما جمعناه، عن قامتين عاليتين أسسا مدرسة جديدة في فن كتابة العمود الصحفي.
 

وجهة نظر نحتاجها

محمود عبد الوهاب

كان" أبو سعيد" صاحب مقالة مؤثرة في زمنه، وكنا ننتظرها ونقرأها بمتابعة جادة وتواصل دائم، كونه يعبر عن الحال آنذاك بشكل صادق، وكان يقدم وجهة نظر نحن بحاجة إليها. كتاباته كانت تعبر عن الواقع و تحاول أن تعطي نوعا من المقترحات أو الحلول أحيانا، وفيها سخرية حادة، حيث كان يأتي بالأمثال والحكايات الشعبية، كما كان أسلوبه من الناحية اللغوية سليما ومركزا وذا مهارة .

و تميّز عن بقية كتاب الأعمدة بنقله الواقع بإخلاص ولكن مع مفارقاته وسخريته ، وكان لجريدة "اتحاد الشعب" دور في تميزه، إذ كان الكثير من القراء في تلك الحقبة يتابعونها، و يتواصلون معها، لذلك كان كتابها يحظون باهتمام و اعتزاز.

جدير أن أذكر بأني قد زرته عدة مرات في بيته ، وبصحبة حسين مردان ورشدي العامل ونزار عباس،ومرة جاءنا إلى البصرة ضيفا على نقابة المعلمين ، وقد أشاد بعمود صحفي كنت أحرره لجريدة الحزب البصرية "صوت الطليعة" عامي 1959ـ1960


أبو سعيد...ملح الغذاء المعرفي

هادي الطائي

ان الحديث عن" ابو سعيد" طويل وعريض وشيق، ومهما تحدثنا لا نستطيع الوصول الى ما نريده، كون الذي يتحدث عن "ابو سعيد" يجب ان يمتلك بيانه وبلاغته حتى يصدق في شخصيته الثقافية و الوطنية والنضالية.

كانت جريدة "اتحاد الشعب" تصدر و توزع بشكل سري، لكن بعد ثورة 14 تموز واطلاق الحريات للصحافة صدرت علانية وكان من كتابها الأساسيين المناضل عبد الجبار وهبي وهو يكتب عمودا بعنوان "كلمة اليوم" في الصفحة الثامنة، ومعه كان الكثير من المناضلين يكتبون في الجريدة ومنهم محمد حسين ابو العيس وعامر عبد الله وعبد القادر اسماعيل وغيرهم.

كانت "اتحاد الشعب" من الجرائد واسعة الانتشار كونها تمثل لسان حال الحزب الشيوعي العراقي، وكان للراحل تأثيرا واسعا جدا في اوساط شرائح المجتمع العراقي و طبقاته كافة.

كنا نتلقف الجريدة ، وعيوننا تتسارع الى الصفحة الثامنة قبل غيرها لنرى جديد "ابو سعيد" لذاك اليوم. ويذكر ان احد الصحفيين الانكليز لاحظ ظاهرة لدى العراقيين وهي قراءتهم الجريدة من الصفحة الاخيرة وكان يعد هذا الطبع قلة في المعرفة، والحقيقة ان العراقيين يذهبون الى الصفحة الثامنة/الاخيرة لقراءة "كلمة اليوم".

في تلك المرحلة كان الناس ينتظرون الجديد من احداث سياسية واقتصادية واجتماعية من قلم "ابو سعيد" اذ كان يعبر عن احتياجاتهم وتطلعاتهم في هذه الحالات. "أبو سعيد" يعد أحد ابرز محرري "اتحاد الشعب"، ومعلما كبيرا، اهتم بالقضايا التي تمس الشعب بشكل مباشر بعماله وفلاحيه وطلابه ومثقفيه.

ويعتبر "ابو سعيد" ناقدا سياسيا ساخرا شبيها بالممثل شارلي شابلن في فن إيصال الفكرة، اذ يجعل الناس تشتاق الى مقالاته، ومن عناوين هذه المقالات "شائعات واشياء اخرى" وفيه يسخر من العملاء و المعاميل، و"سارق الاكفان" و"اقطاب و اذناب" وكانت هذه العناوين تخبيء بين سطورها الكثير الكثير من المتعة والجدوى.


الرجل المدرسة

كاظم غيلان

حفلت حقبة سبعينيات القرن الماضي بالعديد من الاحداث السياسية الساخنة ولعل في مقدمتها تجربة الجبهة الوطنية التي شهدت تحالف البعث الحاكم وقتذاك مع حزبنا الشيوعي العراقي الذي استجاب لما تمليه المصلحة الوطنية طاويا كل صفحات ماضي البعث الاسود ترفعا وليس تذللاً فيما كان البعث يخطط كما هي عادته للغدر وإجهاض تجربة الجبهة و مارس استفزازاته الدونية مع قواعد الحزب و خاصة مع قطاع الطلبة والشباب.

في خضم تلك الفترة الحرجة كان عمود الفقيد "ابو كاطع" ملاذنا الوحيد و متنفسنا .. لم يكن عمودا صحفيا وحسب انما كان بيانا صارخا فاضحا لكل تردي تتسبب به حكومة البعث، وكثيرا ماأحرجت قيادة الحزب مع البعثيين الذين اصبحت قيادتهم مؤرقة قلقة بما يكتبه "ابو كاطع"، واتذكر جيدا كيف كنا نحط ابصارنا على عموده الشجاع قبل ان نطلع على افتتاحية الجريدة التي تمثل راي قيادة الحزب، توفر العمود (بصراحة ابو كاطع ) على العديد من عناصر النجاح، ولعل بساطة اللغة المكتوب بها في مقدمة هذه العناصر، الى جانب الحبكة الصحفية العالية التي اكتسبها الفقيد من خلال تجربته الصحفية العريقة بالاضافة لخبرته النضالية وروحه الفلاحية الشجاعة ما اشاع الاهمية في ذلك العمود للحد الذي جعل الناس يتشوقون لشخصية(خلف الدواح) صديقه الفلاح الذي صنع منه بطلا لعموده. ناهيك عن تجربته في كتابة الرواية إذ اجمع معظم المختصين بالرواية العراقية على تصنيفه ( روائي الريف) بينما أطلقوا على غائب طعمة فرمان صفة ( روائي المدينة).

اليوم ومع هذا الانفتاح الإعلامي الذي يشهده عراقنا الجديد، لابد لمن يعدون أنفسهم كتاب للاعمدة الصحافية ان يقراوا اعمدة" ابو كاطع" ويتخذوا منها الانموذج وعليهم أن ينهلوا منه، ويتعلموا اصول وقواعد كتابة العمود الصحفي ..

باختصار .. ابو كاطع مدرسة صحفية مرجعيتها تاريخ حزبنا الشيوعي العظيم.


قطعة أدبية لم نعهد مثلها

حمدي العاني

في احد الايام اخذنا الشهيد "ابو سعيد" انا ومجموعة من الشباب الى المطبعة وكان عمري وقتها لا يتجاوز الـ23 عاما ، وبدأ يكتب عموده الشهير "كلمة اليوم" ونحن نترقبه وهو يكتب، فكان ناقدا بارعا ولاذعا يتابع الاحداث اليومية ويعطينا معلومات عن الجو السياسي، وهذا الاسلوب الذي اعتمده في الكتابة جعلنا نرى عموده قطعة ادبية لم نقرأ مثلها من قبل.

كان متمرسا و قديرا ومثقفا كبيرا، ويعد اسلوبه استيعابيا اذ يستقطب مشاكل الشعب بشكل دقيق جدا.

مرة كتب مقالا بعنوان "اسال الشرطة ماذا تريد... وطن حرّ ونوري سعيد" وهذا المقال اثار كثيرا من الانتقادات، اذ كانت الشرطة ترفع سابقا شعار (اسال الشرطة ماذا تريد... وطن حر وشعب سعيد ) لكن بعد ان قامت بالتعرض الى الوطنيين واعتقالهم وايداعهم السجون، لم يفلتوا من كتابات" ابو سعيد" الصريحة والمعبرة.

كنا يوميا نقرأ الجريدة من الصفحة الثامنة/الاخيرة و نبدأ بمقال" ابو سعيد" ، وحتى الاعداء كانوا يقرأون مقالته اذ ياخذون الحيطة والحذر منها ومن حدتها، وكانت الجماهير في ذلك الوقت تبحث عن مقال" ابو سعيد" كونه يدافع عن مصالحها ومشاكلها.


الضمير

دينار السامرائي

لا استطيع التعبير عن" ابو سعيد" بسهولة، اذ كان الشعب ينتظر مقالاته بكل اطيافه و شرائحه لاعتماده لغة العامة البسيطة واجادته السخرية التي يمكن ان نعبر عنها بالسخرية السياسية حيث يوصل المشهد السياسي للجماهير بشكل مبسط ويحوله الى مثل شعبي بسيط.

وقد تجاوز في مقالاته الاطار الحزبي الى الاطار الشعبي وهذا مثال على الجذب الجماهيري، فتراه يتناول القضايا السياسية والاجتماعية مرتبطة، ويعبر عن مشاكل الشعب والجماهير في تلك الفترة، ويأخذ المشكلة من المواطن ويطرحها بطريقة تجعل المواطن يشعر بانه هو المتحدث ويستشهد بالحوادث العامة التي تتحول الى وطنية يطرحها بطريقة سهلة يتقبلها المواطنون، كان من الصعب على كاتب العمود الصحفي ان يخلق له جمهورا فهذا يعتبر من اصعب الاشياء لكنه اشتهر بعموده وتفرد به، فهو من القلائل في الصحف العالمية من الكتاب الذين حصلوا على جمهور واسع . وفي سنوات 1959 ـ 1960 لم يكن يوجد شيء يطغى على عموده في الصحافة العراقية، ولا يوجد منافس له وكان للحزب دور في هذا لكنه كان ايضا لولبا و عمودا اساسيا في الحزب، كونه يعبر عن الضمير الانساني والذي عرف به الحزب الشيوعي.

خاصية" ابو سعيد "تكمن في مدرسته التي اسسها في الكتابة ومن اهم طلابه "ابو كاطع".


عالم"ابو كاطع"

عبد المنعم الاعسم

الذين عاشوا مع" ابو كاطع" سنوات ابداعه الروائي و حفره تلك الخواطر الغزيرة في الحياة والسياسة كانوا يعرفون عن قرب طاقته "التوليفية" الفذة في التقاط مدلولات الواقع وشحنة المفارقات اليومية وتحشيدها في النص المكتوب، وبكلمة، كانوا يعايشون كيف كان" ابو كاطع" يصطاد الفكرة، بمهارة بنائية حاذقة، من تناقضات اللغة او من تناقض الواقع ويعيد انتاجها في توليفات شعبية تلقائية بسيطة على لسان ابطاله وزوار مناماته واحلامه ومحاوريه.

وبكلمة ايضا، كنا نحن، شركاؤه في تجربة عقد من السنين (من اواخر الستينات الى اواخر السبعينات) وفي رحلة "طريق الشعب" بوجه خاص شهودا على "اسرار" صنعة ابو كاطع المثيرة، بل وكان بعضنا مشاركين في لعبته التي شغل بها القراء والسلطة الفاشية على حد سواء.. لعبة "الحسجة" التي بلغت ما بلغته المناشير السرية من قوة التحريض والتجهيز والتبصير.

ولا اكشف سرا بالقول ان" ابو كاطع" كان يستل البعض من فواصل خواطره من بين حواراتنا ومناقشاتنا ومحاكينا العابرة، ثم يطورها ويثريها، لنجدها بعد ايام على لسان "خلف الدواح" او في سطور" غنم الشيوخ"، وعلى ذكر "غنم الشيوخ " هذه، اتذكر في مطلع السبعينات، وقبل صدور "طريق الشعب" وحين كنت محررا للصفحة الاخيرة في صحيفة "التآخي" اهداني الجزء الثاني من روايته التي صدرت توا بعنوان "غنم الشيوخ" فنشرت خبرا عنها لكن، خطأ، بعنوان "شيوخ الغنم" وكان ذلك موضع فرح "ابو كاطع" إذ قال لي ان هذا العنوان المقلوب ألهمه فكرة مثيرة.

لقد كان "ابو كاطع" جهازا من الحساسية والامعان والتخيل، ولم تكن لتفوته جملة او مفارقة او حكاية نتداولها من دون ان يتوقف عندها ويعني بتفكيك اوصالها وخلفياتها..

واحسب ان عبقرية" ابو كاطع" تعبر عن نفسها في هذه المهارة: تحويل مفارقات الحياة اليومية الى نص متفجر باللغة والمعاني.. نص لا يتقادم، ولا يموت.
 

اسطورة الصحافة العراقية

جمال العتابي

ابو كاطع ( شمران الياسري )، كان صديقا ورفيقا رغم فارق العمر بيني وبينه، عملت بصحبة عدد من الشباب معا في "طريق الشعب" وكان بيننا و بينه فارق في العمر، الا انه كان يميل الى هذه المجموعة من الشباب، وجدنا فيه اشياء كثيرة، عنفوان و اندفاع شبابي ومزاج ثائر ضد التقليد والجمود ولذلك كان يعيش أجواء الشباب الصاخبة و المشاكسة حتى ضمن السياقات العامة الموجودة في الجريدة آنذاك، وكان قريبا الينا ونحن ايضا، فالودّ والمحبة كنا نكنها لهذه الشخصية المثيرة للإعجاب، فهو رجل يكتنز وعيا كاملا لدوره و مهمته وانتمائه الوطني والسياسي والحزبي والمهني /الحرفي. كان فريدا ومتميزا تماما في هذه المواصفات. عرفته بعد ثورة 14 تموز 1958 كإذاعي في احد البرامج الذي أثار انتباه المستمعين، وقبل ان يبدأ بكتابة عموده المعنون (بصراحة ابو كاطع)، لما يطرحه من قيم وأفكار مهمة وحساسة، مطلبية وضرورية وملحة، كان يمثل ضمير الشارع العراقي بفلاحيه وعماله ومثقفيه رغم استخدامه اللهجة الشعبية احيانا، لذلك استطاع ان يستقطب ويكسب جمهورا واسعا من المستمعين لحيوية مواضيعه وسخونتها، فهو ساخر وجاد في نفس الوقت اذ يجمع النقيضين معا، الا انه موضوعي ولم يؤلب و يشهر ويشتم ويهاجم، بل كان يضع يده على الجرح تماما، هذا الجرح الذي تلبس العراقيين طويلا.

انتقل الى المدينة بعد ان عاش تجربة الريف بكل تفاصيلها، تجربة حية منحته القدرة الهائلة ووفرت له هذا الخزين من الموروث الشعبي للحياة الريفية، تمكن من تسخيره بمضامينه الانسانية و الايجابية لموضوع ثقافي وحضاري، وبلغة سهلة وبسيطة. انتقل "ابو كاطع" الى العمل الصحفي في الكتابة بدءاً في مجلة" الثقافة الجديدة" واتذكر انه عندما دخل الى غرفة تحرير "الثقافة الجديدة" كان يرتدي زيه الريفي، عمل مديرا لتحرير مجلة "الثقافة الجديدة"، وكتب عمود (بصراحة ابو كاطع) وكان العمود ملاذا للقراء وكانت آنذاك تصدر بثماني صفحات، لكن هذه الجريدة بصفحاتها القليلة كانت غنية مكتنزة مدهشة مكتظة بالمعلومة والفكر والمادة والخبر، لذلك تقدمت بل فاقت كل الصحف التي تصدر في تلك المرحلة انتشاراً واقتناءً، ولعمود "ابو كاطع" سبب اساسي في هذا الانتشار وكان جمهور واسع من القراء حريص على ان يقرأ الجريدة من صفحتها التي فيها "بصراحة ابو كاطع"، فاستطاع ان يحقق رصيدا مهما بين القراء ليس في اوساط الفلاحين باعتباره يكتب بلغة ريفية انما المثقفين ايضا ، فالكل كان يتابع هذا العمود، وبذلك كانت لديه القدرة الكاملة على توظيف هذا الموروث الذي اختزنه في تحريك الوسط السياسي والثقافي، فعمل على كتابة هذا العمود يلغة بين الفصحى والشعبية، وتمكن بأداء ومهارة وكفاءة من خلق مدرسة خاصة بكتابة العمود الصحفي، وبطريقة لم نألفها سابقا ولم تتكرر ولايمكن حسب اعتقادي بهذه الخصوصية التي امتلكها ان تتكرر مرة اخرى، وكل ما كتب او حاول البعض تقليده كان تقليدا ممسوخا فاشلا.

غالبا ما كان يصعّد من سخونة الاجواء السياسية بصادمه المعلن مع (الحزب الحليف) الذي كان يرأس الحكم وقتها وكثيرا ما كانت كتاباته تتسبب باشكالات وتقاطعات مع السلطة الحاكمة.

كان "ابو كاطع "حريصا على ان ينشر مادته كما هي ولا يسمح بشطب شيء مما يكتب وكان يقبل بعدم نشر عموده لكنه لا يسمح ومن غير المقبول لديه ان يقوم احد زملائه في الجريدة بشطب شيء من عموده، وكان هناك كتّاب مهمّون في الجريدة ومنهم رشدي العامل ويوسف الصائغ وعدد كبير من الاسماء المهمة في الصحافة العراقية، لكنهم لم يمتلكوا هذه القدرة التي مكنته من ان يحظى بثقة و متابعة القراء. واستطاع ان يكتب رواية مهمة و معروفة وهي ( رباعية ابو كاطع ) واعتقد ان هذا تأسيس لأدب جديد تمكن منه في هذا الزمان، للاسف الشديد اقول انه اختار الغربة والمنفى القسري بعد معاناة مع ازلام النظام القمعي ورحل في مغتربه وهو لم يكمل تجربته الابداعية والروائية.

كان مشروع "ابو كاطع " كبيرا ومهما للمشهد الثقافي العراقي، ونحتاج الى دراسة كتاباته في مجال العمود الصحفي والرواية، والى الان لم تظهر أي دراسة بهذا الخصوص ربما كانت هناك كتابات هنا وهناك لكن الحاجة ماسة الى دراسة بحثية وأكاديمية تستطيع ان تمنهج ما قدمه، ليدرسها طلاب كلية الاعلام وقسم الصحافة.
 

هل تجرؤ كلية الإعلام على تدريس تجربة "أبو كاطع"؟

ناجح المعموري

عرفته في "طريق الشعب" خلال فترة السبعينات وانا اتابع مواد المكتب الصحفي في بابل والفرات الاوسط، وكنت اخذ قسطا من الراحة في القسم الثقافي، لاتفرغ لقراءة القصص المرسلة الى ثقافية الطريق، حيث اجد الصديقين العزيزين، المرحوم غانم الدباغ وفهد الاسدي قد فرغا من تقييم القصص وكنت متوافقا معهم في ملاحظاتهم حول صلاحيات النصوص ، لكن المرحوم (ابو كاطع ) لم يكن ياخذ بالملاحظات فقط لاسباب سياسية ، وضوابط العلاقة مع (الحلفاء) واتذكر في يوم من الايام قدمت قصة لي اسمها [صباح الخير ايتها الغابة] حازت على تزكية الصديقين، وعندما قرأها المرحوم (ابو كاطع ) وضعها في جرار منضدته، ولحظة دخولي الى غرفته في يوم خميس، لأني كنت احضر اجتماع صفحة مرحباً يا اطفال مع العزيزين عدنان حسين والمرحوم مؤيد نعمة. استقبلني "ابو كاطع" ضاحكا وهو يقول : القصة جيدة وممتازة وعلى الرغم من المحاولة الترميزية الواضحة، تظل القصة طافحة بالجنس، اعتذر عن نشرها ولم اقل له شيئا واكتفيت بالصمت. لكنه بادرني بضحكته المعهودة قائلا : لم يستطع الرمز التكتم على الاتصال الذي بين الفتاة والحصان، وهي مثيرة. والقصة محاولة لاعادة انتاج لوحة تشكيلية للفنانة سعاد العطار التي حاولت التمويه على اشجار الغابة التي تحولت كلها رموزاً ذكورية وفتاة وسط الغابة تمتطي حصاناً. استلمت القصة وقدمتها للصديق (سامي محمد) الذي كان مشرفا على ثقافية" الفكر الجديد" ، وبعد اكثر من اسبوع سألته عن القصة فقال لي : تحفظ "ابو كاطع" على نشرها، استلمت القصة مع تخطيط لها نفذه الاخ الفنان د. مجيد حميد وما زلت احتفظ بهما حتى الان.

عرفت مثلما عرف غيري من الذين عملوا في "طريق الشعب" والمكاتب الحزبية بان ما ينشره "ابو كاطع" في عموده المعروف (بصراحة "ابو كاطع“) كان يثير من الاشكالات السياسية مع "الحلفاء" الذين كانوا يقراون ما يكتب بدقة وبعدسات مكبرة وتحليل ما يقول بوصفه موقفا ضدهم. وكان يتوقف احيانا عن كتابة عموده المشهور جداً، لكنه يقدم افكاراً للفنان مؤيد نعمة يرسمها كاريكتيريا ويحدد له التعليق كذلك. ليس في بغداد فقط وانما في المحافظات ايضا. واقترح " ابو كاطع" كاريكتيرا (يتضمن برميل أزبال ممتلئ، تساقط منه الكثير على الرصيف واعتلت قطة سطح البرميل وقريبا منها، وقف رجل ضبط انفه بقراصة امساك الملابس على الحبال وكان التعليق :وصلت جيفته لأبو موزة). وبعد نشر الكاريكتير مع التعليق قامت الدنيا ولم تقعد.

تميزت شخصية المرحوم "ابو كاطع " الصحفية. بخصائص أسلوبية وفنية لم تعرفها حتى الان الصحافة العراقية، على الرغم من ظهور العمود الصحفي الساخر بين حين واخر لكن "ابو كاطع" تميز بإمكانات ، قادرة على تطويع الرأي الجمعي بلغة سهلة وبناء متماسك وتوظيف للغة العامية التي ميزته تماما حتى في رواياته. انه مكتشف المفردة العامية "النيرة" حسب مصطلح دانتي وظل-يخترق بها ومن خلالها جدران الدكتاتورية.

واعرف المئات من القراء والمثقفين يبدأون قراءة "طريق الشعب" ابتداءمن بصراحة "ابو كاطع" التي أسست نوعا من العمود الصحفي الذي دائما ما يتحول الى مقال من طراز فريد، وكنت اراه هادئاً وكثير المرح وهو يطلق تصريحاته الرمزية واقول مع نفسي :

كيف يتحول هذا العملاق الهادئ والرصين الى مقاتل عبر لغته، وأية امكانات تمتع بها وانفرد عن غيره بخصائصه المميزة له. كان رحمه الله صوتاً مدوياً ومحرضاً واعتقد بان مغادرته للعراق اسبابها مختصرة بما كان يكتبه.

تحية الى شمران الياسري وخلف الدواح الصوت الشعبي للانسان العراقي، وهل تجرؤ كلية الاعلام تدريس هذه التجربة اكاديمياً؟.
 

ابو كاطع".. عذوبة اللغة

عدنان منشد

حفلت حياة شمران الياسري النضالية الكبيرة بالإعلام الساخر. لقد عرفه العراقيون من خلال برنامجه الاذاعي الشهير (احجيها بصراحة يا ابو كاطع) بعد ثورة 14 تموز 1958 حيث اصبح محور حديث الناس من شمال الوطن حتى جنوبه لخطابه السياسي الصارخ و لعذوبة لهجته الجنوبية ونكهتها التحريضية اللاذعة، ولذلك لم يصمد هذا البرنامج بفعل غضب الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم، عندما قال "ابو كاطع" في احدى حلقات البرنامج المذكور:(الحصان نفس الحصان .. بس اتغير إجلاله) فكانت اخر الحلقات ونهاية مطافه.

حينما تعرفت على شمران في اواسط العقد السبعيني المنصرم، داخل اروقة "طريق الشعب" في شارع السعدون، راعني ان اجده شخصا رسميا من دون تعال او غطرسة، بعد ان كان تصوري العام عن نسيج شخصيته، اشبه برجل فكاهي لاتغادره النكتة او روح المرح في حياته اليومية ... على العكس تماما، كان الراحل شمران جادا و حصينا في علاقاته المعروفة بكافة المحررين في هذة الجريدة.

مع ذلك، كان المبدع "ابو كاطع" سيد الكلمة الساخرة و الموضوعة اللوذعية الاثيرة في عموده الاسبوعي في "طريق الشعب" تحت عنوان (بصراحة "ابو كاطع "). وللامانة والتاريخ، كان هذا العمود تحت اشراف رئيس التحرير او مدير التحرير بشكل مباشر، إذ حسب عملي وعلمي وقتذاك في هذه الجريدة، لم يتعرض هذا العمود الى رفض او شطب او توجيه او اعادة نظر... بصراحة مطلقة، كان شمران الياسري يغرد خارج السرب، لان"ابو كاطع" هو "ابو كاطع" الذي تعرفه السلطة وكل العراقيين. ومن الصعب على ادارة الجريدة او القائمين عليها تحييد هذا الرجل او تهميش صرخاته العراقية المريرة في كل اسبوع. كان بودي الحديث ايضا عن الرباعية الاثيرة لشمران الياسري (الزناد / فلوس أحميد / بلابوش دنيا / غم الشيوخ) ولكن طبيعة هذا الاستطلاع تحتم عليّ هذا الايجاز، آملا الكتابة عن هذه الرباعية في وقت لاحق ..

تحياتي الى روح شمران في عليائها السماوي.


 

free web counter

 

أرشيف المقالات