| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الأثنين 15/10/ 2007




مجداً وخلوداً للحبيبة الدكتورة نزيهة الدليمي
 

ثمينة ناجي يوسف

ليس من اليسير علي أن أرثي وأكتب سطور غارقة بالدموع في وداع رفيقة العمر والأخت والحبيبة الدكتورة نزيهة الدليمي. ومن العسير علي أن أتجرع مرارة هذا الفقدان وأفول هذه النجمة بعد هذه السنوات الغنية والعاصفة من عمرها المديد. لقد كانت الدكتورة نزيهة الدليمي رمزاً للإقدام والحيوية والإشراق والتفاؤل مهما إدلهمت السماء وتجمعت السحب الصفراء وتوالت الخطوب على بلاد العراقة والإبداع، عراقنا العزيز، وعلى حزبنا الشيوعي العراقي والحركة الديمقراطية.


الدكتورة نزيهة الدليمي مع ثمينة ناجي يوسف (أرملة الشهيد سلام عادل)
ونجلتا الشهيد سلام عادل إيمان وشذى
موسكو – 1962

وبحكم علاقتي ومعاشرتي لهذا الرمز العراقي، فإنني سوف لا أتناول في هذه السطور ما تتمتع به الدكتورة من كفاءة مهنية وقيادية وفي كل الميادين التي عملت ونشطت وأبدعت فيها عراقية كانت أم عربية أم عالمية. فكل ما قيل عن هذه الجوانب التي تميزت بها شخصية الدكتورة كانت هي جزء من الحقيقة والصدق عينه. إن ما يجذبني في شخصية الدكتورة هي السمات الإنسانية البارزة التي تمتعت بها والتي لمستها بحكم علاقتي المتينة بها. فالدكتورة لم تكن بالنسبة لي رفيقة الدرب والنضال فحسب، بل كانت صديقة العمر التي أعتز بصداقتي معها. فقد قضيت معها أعواماً جاوزت الستة عقود عشناها بحلاوتها ومرارتها ومحنها وأفراحها وأتراحها.
تمتعت الدكتورة نزيهة الدليمي بحس ومشاعر صادقة وحب تجاه عدد كبير ممن رافقها في مسيرتها النضالية سواء من أعضاء وكوادر الحزب أو من قادته. كانت الدكتورة عميقة في إخلاصها وثباتها لقناعاتها الفكرية دون أن تصاب بالإنغلاق والجمود في تفكيرها، فهي تناقش الجديد وتستوعبه، ولا تقع في فخ الجمود والقوقعة. لقد تعرض الحزب خلال مسيرته الصعبة الى أكبر إنشقاقين في تاريخه، وعاشت الدكتورة هذين الحدثين، دون أن تفقد بوصلتها السياسية والفكرية وتقع في دوامة المزايدات والإغواءات، وكانت تختار ما هو صحيح ومناسب للحزب وقضيتنا الوطنية.
ووقفت الدكتورة نفس الموقف الثابت من الهجمة الإستعمارية الرجعية وأتباعها في الداخل من المتضررين من مكسب الشعب العراقي في ثورة تموز 1958. فقد وقفت فقيدتنا بصلابة وإصرار على الدفاع عن هذا المكسب التاريخي للعراقيين بكل أطيافهم وإنحداراتهم. ولهذا كان للدكتورة شخصياً حصتها من التشويه والإيذاء من قبل قوى الظلام والردة. فبعد أن إستوزر الشهيد عبد الكريم قاسم الدكتورة كأول أمرأة تحتل هذا المنصب عراقياً وعربياً، وكممثلة عن الحزب الشيوعي العراقي، جن جنون قوى الظلام وأعداء المرأة والتقدم. وراح هذا النفر الظلامي الرجعي يشدد من حبك المؤامرات ضد النظام الجديد والسعي لدق إسفين بين الزعيم عبد الكريم قاسم وبين القوى الديمقراطية ثم الإجهاز على فرح العراقيين. كما عبأ هذا النفر وصب جام غضبه على الدكتورة نزيهة نفسها لكونها كانت أحد رموز الطريق الجديد الصالح للعراقيين للخروج من محنهم وللمرأة العراقية للتحرر من قيودها. وهكذا جُنّد نفر من الفئات الهامشية وحثالة البروليتاريا المستعدة لبيع عضلاتها وشتائمها في سوق النخاسة كي توجه الى فقيدتنا أشد أنواع الشتائم والإتهامات قبحاً ودناءة، وعلى صفحات صحف صفراء معلومة التمويل أو ترتيب الطقاطيق الرخيصة.
ولكن كل هذه الإساءات لم تفت من عضد فقيدتنا وقناعتها بعدالة القضية التي تدافع عنها، ولم تفقدها رباط جأشها، بل إتخذت الموقف الرصين المتعفف عن الرد على هذه الزمر، وتشعر بالأسف على المصير الذي أنحدر إليه البعض من العراقيين ومن خارج الحدود. ورددت لي في ذلك الوقت، وأنا أتحدث عن هذه الإساءات بألم، جملتها التي ما زالت ترن في أذني:"لا تتألمي، فهذه الحملة الشعواء ليست موجهة ضدي شخصياً، بل هي موجهة ضد كل أنصار ثورة تموز وقواها الديمقراطية. إن هذه الأفعال هي شكل من أشكال الصراع الطبقي. ولابد أن تمر هذه العاصفة وتنتهي عاجلاً أم آجلاً. وسوف يعود للعراق وجهه الصافي المشرق في نهاية المطاف التاريخي، كما عودتنا تجارب الحياة". لقد هزني موقفها الشجاع والرصين والصحيح. فلقد كانت الدكتورة من معدن نفيس لا يصدأ ولا يتهشم، فهي أمرأة من طراز فريد.
إن العراق الذي يمر الآن بواحدة من أكثر المحن والأزمات التي مر بها خلال كل تاريخه، هو أحوج ما يكون الى رموز، كالفقيدة الدكتورة نزيهة الدليمي، رموز تتحلى بالنزاهة والصدق في التعامل والإلتزام الوطني والخبرة، رموز ترفض الطائفية والتجارة بمقدسات العراقيين وأديانهم، رموز تعمل للعراق فقط ، لعراق مزدهر تنتصر فيه راية الإبداع والبناء وإحترام المرأة لا رايات القتل والترهيب والتكفير وتقسيم البلاد والعباد.
لك المجد يا فقيدتنا الغالية، ولمثلك الخلود والنصر.
 


 

Counters

 

أرشيف المقالات