| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأثنين 15/9/ 2008

 

فقراء ولكن

حيدر صبري

في احد الأيام مذ كان الحصار الاقتصادي يخيم على العراقيين جالبا لهم القحط والعوز جاء رجل إلى مطعم (باجه) في مدينة سوق الشيوخ وهذه القصة ليست من الخيال وإنما هي قصه واقعيه ويستطيع القارئ السؤال عن أحداثها من أبناء المدينة الذين عاصروا تلك الحقبة من الزمن، جاء الرجل وهو لا يملك من حطام الدنيا إلا مبلغ خمس وعشرين دينارا وفي تلك الأيام كان سعر رغيف الخبز خمسة عشر دينار وكان الرجل جائعاً فأعطى ما يملك إلى صاحب المطعم أمام الجالسين في المطعم طالبا منه رغيفين من الخبز وان يضع على الرغيفين حساء الباجه بدون لحم ( تشريب بدون أن يضع عليها لحم الباجه) فرفض صاحب المطعم فقال الرجل لم اطلب منك شيئاً كبيراً ! إنما رغيفان من الخبز واضعاً عليها قليلاً من حساء الباجه وهذا الحساء عند انتهاء عملك سوف ترميه في الشارع ، ما الضير أن تضع قليلا من هذا الماء - ماء الحساء - على رغيفي الخبز؟ رفض صاحب المطعم قائلاً له إذا كنت تريد اجلس وأنا أعطيك وجبة كاملة بسعرها الكامل لا أن تأتي إلي بخمس وعشرين ديناراً طالباً أن أضع لك (تشريب) بدون لحم ، اخذ صاحبنا يلملم شتات نفسه عائداً الكرة مرة الأخرى طالباً من صاحب المطعم أن يعطيه رغيف واحد لا رغيفين فرفض صاحب المطعم فتحسر صاحبنا ألماً وذهب يندب حظه العاثر وإذا بالجالسين في المطعم يستهجنوا فعل صاحب المطعم على الرجل وكان احد الجالسين يطلب من صاحب المطعم أن يعطي الرجل وجبة كاملة وعلى نفقته فصاح صاحب المطعم والجالسين على الرجل طالبين منه العودة فرفض الرجل فأخذوا يلحون في طلب عودته وتناوله الطعام بقولهم (يا ولد .. حجي .. أخونا .. فهم لا يعرفون اسمه وكنيته حتى ينادوه بها)على حسابهم لا على حساب صاحب المطعم فرفض ورد عليهم قائلا بيت من الابوذيه الارتجالي .

( سمي شما تريد من اسم سم لاي
وسوم شما تريد اتسوم سم لاي
صحيح انه فقير بطرك سم لاي
بس عندي نفس كلش ابيه
)

ثم دار بوجهه وذهب ولم يعد ثانية .
كان الفقراء في ذلك الوقت يدبرون أحوال معيشتهم معتمدين على البطاقة التموينية إذ أن باستطاعة أي فرد إذا كان لا يملك أي مبلغ من المال أن يبيع قسم من مفردات البطاقة التموينية ليسدد ثمنها لوكيل وزارة التجارة مع استحصال مبلغ قليل مع المبلغ المطلوب منه لصاحب الوكالة وما تبقى من مفردات البطاقة التمويني أن يقوت نفسه وعائلة بشيء يسكت جوعه وجوع عائلته فمثلاً يمكن أن يبيع قسم من السمن والبقوليات وقسم من مساحيق الغسيل ويتقوت بالباقي (يعني ممكن أن تمشي الحال أفضل من لا شيء) ، لكن الآن وفي زمن الديمقراطيات وحقوق الإنسان التي نسمع بها من الفضائيات وقد تبخرت معظم مفردات البطاقة التموينية ماذا يفعل هؤلاء المعوزين وماذا يطعموا عوائلهم ؟ والأمر من ذلك قسم كبير من هذه الشريحة المعدمة لها عزة نفس ترفض أن تمد يدها إلى الناس (تراهم أغنياء من كثر التعفف) ونجد وزير التجارة ومن لف لفه مِن مَن في السلطة لا يعيرون أهميه لهذه المسألة المهمة جدا ويكذبون على شاشات الفضائيات كذب فاضح مثلاً في احد أللقاءات مع وزير التجارة يقول البطاقة التموينية تصل إلى المواطن كاملة فيقول له مقدم البرنامج لا يوجد مثل هذا الشيء والدليل هذه لقاءات مع أناس يقولون أن المفردات لا تصل كاملة وفي أماكن لا تصل أصلاً ومن مناطق مختلفة من العراق يقول الوزير كلا هذا غير دقيق وبعض المناطق بسبب الإرهاب لا تصل والمفردات تصل كاملة ،فكل شي الآن يعلق على الإرهاب فهي شماعة لكل من أحرج في أي لقاء ،أنا الآن رزقت بطفل وأصبح عمره الآن سبعة أشهر ولم استلم لحد الآن ولا علبة حليب أطفال من البطاقة التموينية مضطراً لشراء الحليب للطفل من السوق بالسعر التجاري وكل يوم يرتفع السعر أكثر من السابق .
أما من وقفة جادة لوقف إرهاب الدولة على العراقيين أما من رجل حر في البرلمان يصرخ صرخة الجائعين الذين لا يسمعهم احد ولا يطلبون من احد لتعففهم ، فكل يوم نسمع بقدوم عدد من البواخر لمفردات البطاقة التموينية دون أن نلمس شيئاً فكل شهر تأتي البطاقة بمادتين أو ثلاث وربما أربع ويذهب الباقي في جيوب من باعوا العراق وشعبه بل باعوا ضمائرهم ، باعوا إنسانيتهم وتجدهم أطالوا اللحى ومسكوا بمسبحاتهم ولبسوا المحابس وحفظوا بضع كلمات دينيه فهذه أدوات التحايل الجديدة كما كان يلبس أزلام النظام (الرفاق) الزي العسكري الزيتوني في زمن صدام فلكل حكومة ملبس وتجدهم يتكلمون وكأن العراق والعراقيين في نعيم لا في قحط وهم انفسهم كانوا في زمن صدام يتكلمون باسم البعث وهم رجال البعث وهم من أزلام البعث الفاسد في تلك الحقبة ويريدون من أبناء الشعب السكوت كما كان يفعل صدام مع أبناء الشعب السكوت وكلما كلمتهم قالوا لماذا لم ترفضوا وضعكم في زمن المقبور الآن تتكلمون ، الآن ظهرت لكم ألسنه ، أين كنتم في زمن صدام ؟ وكأننا إن تكلمنا عن أي ظاهرة سلبيه ربطت بما كان يفعله صدام مع أبناء الشعب لا أن يقارن وضع المواطن العراقي مع باقي دول العالم ؟ وتتهم بأنك بعثي ! وهكذا نظل ندور في حلقة مفرغة بتبادل التهم ومن كان أفضل ومن كان أسوء ويختلط الحابل بالنابل دون أن نصل إلى نتيجة فهذه حال العراقيين الآن إذا تكلموا مع أي مسؤول أو صاحب قرار ، أو منتفع من هذه الدولة أو بوق من أبواق الأحزاب المنتفعة ؟
هل نبقى هكذا ؟ هل بيع العراق ؟ أما من حل لهؤلاء الفقراء ؟
ولكن يبقى أمل العراقيين بزوال هؤلاء كما زال صدام وأعوانه فلا يصح إلا الصحيح .


 

free web counter

 

أرشيف المقالات