| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الأثنين 16/10/ 2006

 

أرشيف المقالات

 

فلنواصل الكتابة، "من أجل أنْ نُسمَع!!"

 

ايفان تيسير

لم يمض يوم في هذه الحياة القصيرة التي أنا حتى الآن فيها لم أسخر من وجودي في مجتمع مادي لا يفهم معنى التفتح والانفتاح إلا بمعانٍ ساذجة تفسر غرائزه ومستلذاته و كبفية الوصول إليها.
تربيت في بيت لم يعرف الا الاستمتاع بالحياة بما فيها و بما لدينا فيها. كتب الدكتور تيسير الآلوسي "من أجل أن نضحك؟!" بعلامة استفهام قبل التعجب. لماذا لا نضحك؟ اسألوه. قرأت المقال و بصدق أثر فيَّ مع أنه أثار فيَّ تساؤلات كثيرة لما فيه من أمور بين السطور: فلسفة و دين و أخلاق و اقتصاد و،و،و ...
لكنني بالتأكيد فهمت أني يجب أن أضحك لكي أتغلب على مصاعب هذه الحياة. سأضحك سيدي العزيز فاهما ما يجري من حولي من تخريب و دمار؛ سأضحك عارفا و لو ربع المعرفة بما يحصل في مجتمع حلمت أن أعيش فيه بقية حياتي كما يجب أن أفعل بالفعل حيث أني ابن له. مجتمع مدمَّر غرق بالتفاهات و السخرية من منطق الحياة الصائب، لأنه ليس لما يحصل في هذا المجتمع منطق صحي صحيح أو مثالي يا أستاذي الغالي.
لا ألوم في بلدي من يُحتمَل أن يكرهني لوجودي ..، أو بالأحرى عدم وجودي معهم طوال سنين من العذاب و الحرقة و السقوط في طاحونة الألم و الحرمان. لا ألوم أولئك الذين ينظرون إليَّ رافعين حاجبا و أنا أتحدث عن بلدي. ففي النهاية هو كلام. مشاعر في داخلي ليس لها دخل بالواقع إلا من جهة تعبيرية تحاول الاتصال به ولو عن بعد.
لم أتابع الأخبار منذ أيام، و أحد أسباب ذلك هو انشغالي بالجامعة ولكن السبب العميق الكامن في الروح السبب الآخر هو عدم قدرتي على متابعة خطوات "تضييع" هذا البلد الكريم عراق الحضارة والمجد.
و لكن ها أنا ذا أكتب الآن هذا المقال لكي يعرف من لا يعرف أنَّ بين الناس عدم الراضين كثيرين لا يكتبون، قد يكون واحد منهم أنا وقلمي الصغير، لا استثني نفسي من لومي. فلو كتب كل قلم مستاء مزينا الورق بالمشاعر الطيبة لما كان كلاما وبقي مجرد كلام ولتحول لفعل و لو فعل كلمات إشارة لحقائق الأمور واتجاهاتها. إذن، علينا ان نكتب ما في قلوبنا و بهذه المناسبة سأبدأ أنا إذا بهذه الأسطر..
أنا رومانسي، ورثت الرومانسية من أم عظيمة لو كان المجتمع بين يديها لحضنته فصار مثاليا.. كما كثير من الأمهات العراقيات. طيبتها مقياس لِمَن أراد أن يقارن، جمال روحها و جمالها ميزان لِمَن أراد أن يقيس.
هذه الرومانسية كثيرا ما خذلت قوتي في المتابعة، ولكنها لم توقف شغفي للمعرفة بأنواعها. فدمار هذا البلد لا يهون على ابن له و لو غادره مكانا كما في هجرتي هذه. فأنا لا أقبل أن أسيَّر من قبل معمَّم، مافيوزا او "شبه متعلم". انا أنظر وأقرأ لمن يهمه أمري وأمر الناس. فهل تشاركني انت قارئي في هذه الأسطر؟!
و بمناسبة الرومانسية؛ فأنا أرى الرومانسيين معروفين بطلب القليل.. فأنا لا أريد من [هذه المسعورة] ممثلة في المدمرين الأدعياء الاَّ القليل.. وطلبي منهم بسيط إن نفذوه فساسكت لهم عن ذنوبهم عزيز(ت)ي القارئ أو القارئة...
وقبل أن أسجل طلبي أشير لمفردة من حياتي: لقد توفي جدي الرائع العزيز الجميل، الذي ما زلت افتقده كل ليلة او نهار آكل فيه برتقالة أو تفاحة أو ما شابه من فاكهة أو حلوى أو غيرها، توفي منذ سنوات في ظل نظام لا أريد اللحظة هذه استخدام الشتيمة في وصفه ووصف رموزه لأن اخلاقا تربيت عليها لا تسمح لي.
جدي الحبيب وجدتيَّ افتقدهما كلاهما فمن يعوضني عنهما ومن يعوضهما عني بعد أن اضطرا للرحيل الأبدي بعد سنوات فرقة وبعاد حرمتهما مني ومن أخوتي؟! كان يعود كل نهار من عمله و يجلس على حافة الباب منتظرا ان يفتح.. كما كثير من الشيوخ المتعبين وكنت عندما أفتح الباب ابتسم لابتسامته الرقيقة المنهكَة بعد يوم عمل طويل.
كنت يومها صغيرا أسارع لأتطلع مباشرة الى ما يعود محملا به، اتمعن علّي اجد برتقالا او تفاحا من الذي يحضره لي كل مرة. وأتطلع إلى مداعباته ولعبه معي الذي ما زالت صوره مرتسمة في ذهني حتى يومي هذا.. وحيث يبدأ اللعب وينتهي يمتلئ البيت برشقات الضحك حد القهقهة..
مقدمة طويلة بعدها دعوني اعود لطلبي أيها السادة و السيدات.. أطلب من هؤلاء الذين يسيِّرون الحياة اليوم حيث الخراب والدمار، طلبا صغيرا: أعيدوا لي هذه الضحكات مع جدي و أعيدوا لي تلك التفاحات التي لم تصل إليها بعد كفّايّ.. و انا سأعترف لكم بالألاهية و سافعل ما تريدون. اعيدوا لكل طفل في العراق الآن جده و جدته، أباه و أمه، أخاه وأخته.
أيها الحمقى ظننتم ببضعة قروش سرقتموها من دم العراقيين و بضغوط مُذِلة أن تتملكوا عراقا وتضعوه تحت ظلالكم؟ فكروا ثانية و ثالثة و مليون مرة. لتروا ما دمرتموه مما لا يمكن أن يعود من عراقنا أهله الذين راحوا بدءا بقبور جماعية مهولة وليس انتهاء بما يجري اليوم من مُرعب الجرائم فيهم ..
آه .. نعم آه وألف آه ومليون غصة! و لكن بعد ذلك سبيقى هناك من سيبني ويزيل الخراب، بعد سنة او بعد عشر سنين او حتى مائة سنة.. سيُبنى العراق ويعود العراقيون في شخص الأبناء وذاكرتهم التي لا تمحي فيها صور الأجداد.

اعرف ونعرف سويا أن في العراق الآن مجتمع مختلف عن صورته يوما وما علق في الذهن.. اعرف أن في بلدنا الآن شباب و اجيال ضائعة. و لكن إن انا كتبت و إن انتِ كتبتِ و إن انت ايضا كتبت فسيعلو الصوت ويتحول هديرا فيسمعوننا وسيدخل الرعب وجودهم كما أرعبوا وأخافوا ويومها ستحل بهم الهزيمة..
وسنعود .