| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الثلاثاء 16/9/ 2008

 

كامل شياع .. متصوف خارج الأديان

د. عبدالجبار الرفاعي

تعرفت على المرحوم كامل عام 2004 في بغداد، بعد عودتي إلى العراق، من خلال الصديق هشام داود، وكنت قبل عشر سنوات لمحت إسم كامل في هيئة تحرير مجلة ((الثقافة الجديدة)) وبعض النصوص المنشورة في (أبواب) وقادني الفضول المعرفي لقراءة تلك النصوص الممضاة بتوقيعه، فبهرني بيانه والرؤيا الشاملة التي تتسع لها مفهوماته وأفكاره.

ومنذ اللقاء الأول وجدت نفسي قريبا من شخصية كامل شياع الدافئة، الحميمية، المتأملة، العميقة، الحكيمة، وألفيت مشاعري لاتكف عن الانجذاب إليه والتواصل معه على الدوام، وكنت أتساءل: ما الذي يجعلني تواقا إلى هذا الإنسان، ولماذا كل هذا الزخم العاطفي الذي يقودني اليه كلما ابتعدنا جغرافيا، أو غرقنا في لجة المشاغل ومتطلبات العمل؟

بالرغم من إني عشت في عدة منافي، وزاملت مختلف الناس في دراستي وأعمالي ووظائفي، غير اني قلما عثرت على إنسان مفرط في إنسانيته، ويجسد في رؤيته للحياة وسلوكه كل ما قرأته في مقولات التصوف الفلسفي مثل كامل. كنت أحسب ان نموذج الإنسان الذي ينشده ابن عربي في ((فصوص الحكم)) وجلال الدين الرومي في ((المثنوي)) هو نموذج مثالي متعال على الزمان والمكان، غير بشري، حتى عاشرت كاملا فعثرت على الكثير من خصائص الإنسان لديه.

لم تدهشني مناقبية واخلاقيات ومعنويات إنسان أدمن في حياته الارتياض الروحي، وغرق في الطقوس، وإعتكف بعيدا عن ضجيج الحياة، لتأديب نفسه وتنمية ضميره ومعنوياته، مثلما يفعل المرتاضون من المتصوفة والعرفاء والرهبان، لكن فوجئت حين عثرت على إنسان لاتعنيه الطقوس، ولم يرهق نفسه ويعذب بدنه في الإرتياض الروحي، ولم يعتزل في صومعته، إلا انه طوى مدارج السالكين وإرتقى إلى مقامات متسامية في قوس الصعود ((حسب العرفاء)) من دون أن يترسم ذلك الدرب، عندها أدركت إن التجارب المعنوية تتعدد وتتنوع بتنوع الأشخاص، ولاتُختصر في نمط واحد، كما تحكي ذلك لنا سيرة القديسين في الحياة.

ربما يعترض المرحوم كامل لو كان حيا، أو يعترض بعض رفاقه، على مقاربتي الروحية لشخصيته، ذلك ان التجارب الروحية حدودها الأديرة والصوامع والمعابد، كما يحسب اللاهوتيون، وان كان ما يقوله العرفاء لايتطابق مع ما يراه اللاهوتيون، اذ تغدو الحياة لديهم ميدانا رحبا يتسع لظهور وتطور أعمق التجارب المعنوية. وهو الموضوع المتكرر في حلقاتنا النقاشية العفوية انا والمرحوم كامل، فقد كان يود ان نتحدث في الأديان ورهانات العصر، وفلسفة الدين واللاهوت الجديد، وضرورة توظيف مكاسب العلوم والمعارف الحديثة في دراسة الأديان وتجلياتها في الاجتماع البشري. وكان يرفدني بمطالعاته في هذا المجال واعجابه بكتابات الفيلسوف الإيطالي ((جياني فاتيمو)) ويشيد بآرائه الحرة والجريئة في فلسفة الدين وقضايا اللاهوت، ويشدد على ضرورة تعريب مثل هذه الآثار ونشرها. وكنا نتفق على ان اصلاح الفكر الديني وإعادة بناء علم الكلام هو منطلق كل مسعى للاصلاح السياسي والإجتماعي والإقتصادي والثقافي والتربوي والتعليمي في بلادنا، فإن الدين هو الفاعل الأهم في مجتمعاتنا، وهو المحرك الأبدي في ماضينا وحاضرنا.

وكان يطمح لخلق مبادرات عملية في هذا المضمار، وعندما إقترحت عليه إصدار مركز دراسات فلسفة الدين لسلسلة كتب تشيع ((ثقافة التسامح)) وتستدعي ما هو مضمرا ومسكوتا عنه في جوهر الأديان، أصر على أن تدعم وزارة الثقافة هذه المبادرة، وحمل هذا المقترح إلى وزير الثقافة وقتئذ الصديق مفيد الجزائري، الذي تحمس للمشروع، وبادر بتخصيص الدعم المناسب له، وأصدرنا معا إثنى عشر كتابا تعالج قضايا العيش سويا، والحوار بين الأديان والثقافات، وإرساء قيم الإختلاف وإحترام الآخر، والاستيعاب النقدي للتراث والمعارف الحديثة، وترسيخ العقلية الحرة المنفتحة، وتجاوز العقلية السكونية المغلقة.

في المدة التي أمضيناها معا في وزارة الثقافة ظل كامل متفانيا في عمله طيلة نهارات بغداد القاسية الحرارة، وغالبا ما كان يخرج من الوزارة بعد حلول الليل، حينما تتعذر الحركة، عند فرض حضر التجوال، ومع انهماكه بمهامه الوظيفية، ومسكه لأهم الملفات، وإدارة وتوجيه الأنشطة والفعاليات، في ظروف أمنية بالغة الخطورة، واوضاع إستثنائية قاهرة، تبعث الإحباط وتعزز الشعور باللاجدوى والخيبة لدى معظم الموظفين في دوائر الدولة أو المؤسسات الخاصة، لكنه ظل يسعى بإستمرار لصياغة آمال جميلة لمستقبل العراق، وإبتكار عالم مشبع بالاحلام والرؤى المتفائلة لما يمكن انجازه في مثل هذه الظروف، مما يدعو المحيطين به إلى المزيد من الثقة والطمأنينة بمستقبل البلد وحاضره. وكنت في كل مرة أشعر بالاختناق، وإنسداد الآفاق، والقلق على مصير العراق، يخلصني من تلك المرارات، وأتغلب على قلقي بأفكاره الهادئة، وإستشراقه للمآلات، وصبره وجلده وتفانيه الذي يبحر بواسطته نحو شواطئ الأمان.

لايتحدث كامل شياع، وهو ممن يتقنون فن الإصغاء لمحدثهم، وحينما تدعوه للكلام تراه يفيض رقة ودفئا، ويطرح وجهات نظره على شكل مقترحات، وآراءه كفرضيات محتمله، مع وفرة مايسوقه من تفسيرات وتوضيحات وبراهين عليها، وعادة ما يبدي إعجابه بما تقوله، وإن كنت تتقاطع وتختلف مع رأيه، تجد نفسك مرغما على تبني وجهة نظره في خاتمة المطاف. وقلما تحضر ذاته في أحاديثه. وعندما يتعرض للغبن والإجحاف من بعض الأشخاص كان لسانه يتعفف عن ذكر من آذاه أو ظلمه، ولايبوح بظلامته وتعسف الغير بحقوقه. إنه يعمل بصمت، ويتغافل عن العوائق والعقبات الموضوعة في طريقه، وكأنها لاتعنيه.

لقد تعلمت من كامل شياع دروسا في المواطنة كرست إنتمائي للعراق، مثلما تعلمت منه المثابرة على الإنجاز، والإنهماك في العمل ، وافتعال الآمال والاحلام، ذلك ان الحياة من دون حلم جميل لاتطاق. واستلهمت روحه المرحة الايجابية التي لا تصغي لصخب الإنفجارات، ولا تعطلها شتى التداعيات والاختلالات عن المضي حتى النهايات ، ولا تهرب او تستسلم مهما كان حجم المتاعب والأوجاع والانهيارات ، وتصر على حشد كافة الطاقات من أجل تحرير مستقبلنا من ماضينا وتحرير ماضينا من مستقبلنا، حسب تعبيره.


بغداد 9/9/2008
 

 

free web counter

 

أرشيف المقالات