| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الجمعة  17/8/ 2007

 

أرشيف المقالات

 


بعض الدروس المستخلصة من تقييم تجربة حزبنا النضالية
للسنوات 1968-1979 
الجزء الأول

د. صالح ياسر 

 تاريخ حزبنا، منذ تأسيسه، هو تاريخ حافل بالعمل الدؤوب من اجل إقامة تحالفات، بأشكال متنوعة وصيغ مختلفة، مع قوى متباينة المرجعيات السياسية والفكرية، حول مهمات معينة تختلف من مرحلة إلى أخرى. وهو تاريخ غني بالتجارب، بصيغ هذه التحالفات وتنوعها، بالصواب والخطأ فيها أيضا.
  ولأسباب عديدة فقد استأثرت التجربة النضالية لحزبنا خلال السنوات 1968 – 1979 باهتمام كبير من قبل رفاقنا وجماهير شعبنا وقواها السياسية، إضافة إلى الاهتمام العربي والإقليمي والدولي، إذ أنها جرت بين حزب حاكم والحزب الشيوعي.
كما هو معروف، بعد النهاية الدموية لهذه التجربة، وانتقال الحزب إلى معارضة النظام الديكتاتوري المقبور والدعوة إلى الإطاحة به وإعداد مستلزمات خوض الكفاح المسلح، برزت الحاجة ملحة لدراسة هذه التجربة وتقيمها تقيما جديا وشاملا. ولهذا فقد توقف المؤتمر الوطني الرابع (10 – 15 تشرين الثاني 1985) أمام هذه التجربة وقفة نقدية محللا إياها انطلاقا من المنهج الماركسي، مستخلصا الدروس المطلوبة لتحسين أداء الحزب في هذا المجال الحيوي والهام لنشاطه.
وكما معلوم فقد صاغ المؤتمر المذكور وثيقة التقييم هذه نتيجة دراسة مستفيضة وعميقة، ووضعها تحت تصرف رفاق الحزب وأصدقائه وجماهيره والقوى السياسية والشخصيات الوطنية والأحزاب الشقيقة والصديقة لمناقشتها وإبداء الرأي والملاحظات بشأنها.
وكان المغزى الأساسي من وراء هذا التقييم هو دراسة هذه التجربة ونهايتها المعروفة بهدف استخلاص الدروس والاستنتاجات المطلوبة لجهة عمل الحزب اللاحق لحظة انتقاله إلى ظروف جديدة واعتماده أشكالا نضالية جديدة وفي مقدمتها أسلوب الكفاح المسلح ساهمت في إعادة بناء الحزب وتعزيز نفوذه وهيبته السياسية وتوطيد وحدته وتصليب رفاقه ومنظماته وكوادره، واستنهاض الحركة الجماهيرية، وبالتالي الاضطلاع بمهماته لتحقيق أهداف شعبنا وحزبنا.
 لكي نضع هذه المداخلة في سياقها الطبيعي وعدم تحميلها اكثر مما لا تحتمل، لا بد من الإشارة الى أن لها هدف محدد لا بد من توضيحه درءاً لأي التباس. فهي لا تطرح على نفسها مهمة تقييم هذه التجربة بل تروم بالأساس عرض المحاور الرئيسية والاستنتاجات الأساسية التي توصلت إليها الوثيقة التي ناقشها واقرها المؤتمر الوطني الرابع والتي صدرت في كراس تحت عنوان: " تقييم تجربة حزبنا النضالية للسنوات 1968 – 1979 "، وللاختصار سنشير إليها لاحقا بـ " وثيقة التقييم ".
تغطي " وثيقة التقييم " سياسة حزبنا منذ استلام حزب البعث في العراق للسلطة عام 1968 وحتى عام 1979، والتي مرت بثلاثة أطوار:

- الطور الأول الذي يمتد منذ عام 1968 وحتى عام 1971 .
- الطور الثاني ويمتد من خريف 1971 وحتى ربيع 1975 .
- الطور الثالث ويمتد من عام 1975 وحتى 1979 .

الطور الأول (1968 – 1971)

بعض الممهدات
    كما معروف كان الحكم العارفي الدكتاتوري الرجعي يعاني من الضعف والعزلة عن الجماهير، ويمر بأزمة عميقة.  وقد ساهمت نكسة الخامس من حزيران 1967 بتعميق هذه الأزمة  وتفاقمها. وبمقابل ذلك شهد هذا العام جملة من النشاطات والحراك السياسي – المطلبي تمثلت في:.
أولاً، بداية نهوض ثوري جماهيري كان من بين علائمه، فوز القائمة الديمقراطية اليسارية الطلابية الجامعية في ربيع 1967 .
ثانياً، جملة من الإضرابات والنضالات في بداية 1967، التي شاركت فيها جميع قوى المعارضة، والتي تطوع لكسرها البعثيون - جناح البكر– صدام) بالتعاون مع أجهزة النظام القمعية.
وبمقابل ذلك كان الحزب الشيوعي العراقي في هذه الفترة يضمد جراحه العميقة التي تركها الانقلاب الدموي الأسود الذي وقع في 8 شباط 1963، ويعمل على تطوير مختلف أشكال النضال الجماهيري، بما في ذلك النضال المسلح حيث طرح في هذه الفترة مفهوم " العمل الحاسم "، من اجل إسقاط نظام عبد الرحمن عارف ويتحول الى قطب سياسي. في مثل هذه الظروف حدث الانشقاق داخل الحزب، والذي اشغله عن أداء مهماته في إسقاط النظام العارفي. 
ولم تكن تلك النشاطات وهذا الحراك السياسي بمعزل عن مراقبة الأوساط الإمبريالية والقوى الرجعية واليمينية في العراق والبلدان المجاورة. ويبدو أنه وعلى أساس تحليل طبيعة تلك النشاطات توصلت تلك الدوائر الى استنتاج يتعلق بخطر احتمال تصاعد النهوض الثوري، وقيام حكومة ثورية ائتلافية، الأمر الذي دفعها الى بذل الجهود لإحباط هذا النهوض وامتصاصه.
وفي ظل هذه الظروف الداخلية والعربية، وغيرها، حدث انقلاب 17 تموز 1968 بمبادرة من  ائتلاف ضم كبار الضباط من ذوي الارتباط بالدوائر الإمبريالية، وحزب البعث ، الذي استكمل في 30 تموز 68، باستبعاد عدد من الضباط المشاركين فيه مما أدى الى رجحان كفة البعث في السلطة بشكل حاسم.
   أمام هذه التطورات الجديدة، عبر حزبنا الشيوعي العراقي في بيان له صدر في 29 تموز 1968 عن تقييمه لظروف مجيء السلطة الجديدة، وطرح الحزب على حكومة البعث المطالب التي يستوجب حلها من اجل الخروج من الأزمة التي كان يعاني منها العراق، ومنها :
- اعتبرنا أن القضية المركزية الملحة هي الديمقراطية وقيام النظام الديمقراطي.
- دعونا الى ضرورة حل المسألة الكردية وتأمين الحكم الذاتي لكردستان العراق.
- أكدنا على معالجة الوضع الاقتصادي لصالح الطبقة العاملة والفلاحين وبقية الكادحين.
- الموقف الحازم تجاه الاحتكارات البترولية وضرورة صيانة القانون رقم 80 لسنة 1961، ورقم 97 لسنة 1967 .
- انتهاج سياسة عربية باتجاه تصفية العدوان الصهيوني وردع المؤامرات الإمبريالية.
- اتخاذ إجراءات حاسمة ضد شبكات التخريب والتجسس الإمبريالي في العراق.
- إقامة علاقات ودية مع الدول الاشتراكية ومع كل قوى التقدم في العالم.

وأعاد الحزب تقييمه للوضع الناشئ في اجتماع اللجنة المركزية في أوساط تشرين الأول عام 1968 ونشر بيانا عن الاجتماع تحت عنوان " حول ابرز المسائل الملحة في الوضع السياسي "، حيث ركّز على ضرورة حل المهام الملحة التي تواجه حركتنا الوطنية في العقد الاساسية.

وهنا أكد الحزب على :
- مواصلة النضال من اجل حكومة ائتلافية وطنية ديمقراطية ؛
- تمسكه بمبدأ التحالف مع الأحزاب الوطنية ؛
- تمسكه بمبدأ استقلالية الحزب الشيوعي الطبقية التي تعني تمسكه بأهدافه الاستراتيجية.

وبالمقابل انتقد البيان موقف السلطة الجديدة من جملة من القضايا من بينها:
1- الموقف من مسألة الديمقراطية. وفي هذا المجال أكد الحزب على " أن الحكم الذي يقترحه حزب البعث للبلاد هو في الواقع حكم لا ديمقراطي، وفي الجوهر يقوم على الاستئثار والتسلط وهذا يعني ....إن الأمر سيقتصر على التخفيف من وطأة وشراسة النظام الديكتاتوري السابق مع الاحتفاظ بجوهره وبهيكله ومؤسساته وبسياسته القائمة على تجاهل إرادة الشعب ".
2- سياسة السلطة الجديدة في الميدانين العربي والدولي. تركز انتقاد البيان سياسة هذه السلطة نظرا لاعتمادها على الأفكار الانعزالية للبرجوازية الصغيرة، وشدد على اعتماد مثل هذه السياسة وفي مثل هذه الظروف " إنما تخدم بالنتيجة أعداء الأمة العربية ".
هنا تستخلص " وثيقة التقييم " (ص 10) استنتاجا مهما هو " أن نضال الشعب العراقي ونضال حزبنا لتحقيق الأهداف والشعارات التي رفعها....، جعل منها قوة مادية بفعل تبنيها من الجماهير والأحزاب والقوى الوطنية الأخرى، لذا بدأت الحكومة الجديدة بتحقيق بعض هذه الشعارات التي ناضل الشعب العراقي سنوات طويلة لتحقيقها سواء في الميادين السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية ".

إزاء ذلك تحدد وتبلور بصورة اكثر نهج حزبنا القائم على التكتيك اللينيني المعروف: " كفاح/تضامن "، أي :
* الضغط من اجل تعميق الاتجاهات الإيجابية،
* والنضال ضد الاتجاهات السلبية في جميع الميادين.

 وفي ظل معركة البدائل التي اندلعت بصعود البعث الى السلطة، طرح الحزب (مشروع ميثاق الجبهة الوطنية) على الأحزاب والمنظمات والكثير من الشخصيات الوطنية في أيلول عام 1968، وأكّد على شعار الحكم الوطني الديمقراطي الائتلافي كطريق مضمون لتحقيق أهداف حركتنا الوطنية.
 وجرى ذلك كله في إطار سياسة حزب البعث الحاكم المعادية للشيوعية والديمقراطية، التي تجسدت في جملة الإجراءات، استهدفت منذ البداية محاصرة الحركة الجماهيرية والحيلولة دون نمو تأثيرها على سير البلاد اللاحق. وقد تمثلت هذه السياسة في الموقف من النشاطات الجماهيرية والعمالية ومن بينها ما يلي :
- جرى إطلاق النار على عمال الزيوت النباتية المضربين في 5/11/1968 وقتل عاملين، والهجوم على التجمع الجماهيري الذي نظمه حزبنا في ساحة السباع في بغداد في 7/11/1968 في الذكرى (51) لثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى، وقتل رفاقنا ؛
- مواصلة ملاحقة القوى والشخصيات الوطنية واضطهادهم بشكل وحشي وتصفية بعضهم جسديا والتعريض بالعقيدة الشيوعية في أجهزة الإعلام الرسمية ؛
- مواصلة الحرب الشوفينية ضد الشعب الكردي ؛
- فرض الحزب الحاكم سيطرته على الحركة النقابية العمالية والفلاحية، واتبع مختلف أساليب الإرهاب والتزييف لفرض ممثليه على هاتين الحركتين وعلى الحركة الجماهيرية ومنظماتها.
وبمقابل ذلك تؤشر " وثيقة التقييم " النشاط الملحوظ الذي شهدته الأوساط الإمبريالية والرجعية في الداخل والخارج لجملة من الأسباب من بينها:
- سياسة السلطة الجديدة في وجهها المتمثل في العداء للإمبريالية والإقطاع.
- مبادرات الحزب الشيوعي العراقي وسياسته، والتي أثارت مخاوف هذه الأوساط حيث بدأت تعمل بمختلف الأساليب لعرقلة تبلور الوضع لصالح القوى الديمقراطية والوطنية.

وهكذا بدأت الأوساط الإمبريالية والرجعية التي اشرنا اليها أعلاه العمل بالاتجاهات التالية :
* الضغط على سلطة البعث ؛
* إشاعة التوتر بين أطراف الحركة الوطنية ؛
* دفع السلطة الى تشديد ضرباتها للحزب الشيوعي، وإبعاده عن القوى الكردية.
في هذه الفترة بدأ الحديث عن تقسيم الأدوار بين " الحزبين الرئيسين " للعرب والكرد، أي حزب البعث والحزب الديمقراطي الكردستاني، وكان الهدف واضحا هو أن لا يتصدر الحزب الشيوعي العراقي نضال الجماهير من اجل " الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان " فقط، وإنما عزله عنها.
في ظل هذه الظروف واحتدام الصراع الفكري، تصدى حزبنا لهذه الازدواجية في السياسة التي انتهجتها سلطة البعث، وانغمر في نشاط سياسي وفكري واسع، وعرّى الاتجاهات القمعية ودوافعها، وتلقى الدعم من قبل الجماهير الشعبية والأوساط التقدمية العربية والحركة الشيوعية والعمالية العالمية.
وفي تلك الفترة بدأ الحزب استعداداته للتهيئة لعقد المؤتمر الوطني الثاني ( الذي عقد في آب – أيلول 1970 .

لقد شخّص المؤتمر الثاني للحزب الاتجاهات الرئيسية في الوضع الداخلي والعربي والعالمي.
* فعلى الصعيد الفكري انتقد تقرير اللجنة المركزية الى المؤتمر بعض الاتجاهات الفكرية للبرجوازية الصغيرة التي أخذت تعلن عن تبنيها بعض مفاهيم الاشتراكية العلمية، وقد سايرت التيار التاريخي وصححت قسما من مواقفها السابقة، إلا أنها وبدرجات متفاوتة، " ظلت تنطلق في تحليلاتها ومواقفها السياسية من مواقع الاشتراكية القومية ".
* وفي الميدان الداخلي، أكد المؤتمر الطبيعة الطبقية لسلطة البعث باعتبارها تمثل البرجوازية الصغيرة ذات الطبيعة الازدواجية في معاداتها للاستعمار والإقطاع من جهة، وفي معاداتها للديمقراطية من الجهة الأخرى.
* وبلور المؤتمر سياسة الحزب تجاه حكومة البعث، على أساس المعارضة " لنهج الحكومة المعادي للديمقراطية وللشيوعية ولاضطهادها لأحزاب المعارضة الوطنية أيا كانت، ولانتهاكه حقوق الإنسان وكرامته، ولمظاهر الشوفينية والتعصب القومي والطائفي ".
وبالمقابل أكّد المؤتمر في الوقت ذاته على " أننا سنؤيد وندعم أي إجراء تقدمي أو أي موقف ضد الاستعمار والإقطاع والرجعية تقفه السلطة ". وإضافة لذلك طالب المؤتمر بخلق المناخ الديمقراطي المناسب، وحذر في الوقت نفسه سلطة البعث من أن الاستمرار في نهج القمع ونحر الديمقراطية " من شأنه أن يضع الحكم فريسة بيد الرجعية وأعوان الاستعمار ".
* كما حدّد المؤتمر مهمات الحزب في المجال الفكري :
- حيث أكّد على أهمية الدفاع عن مبادئ الحزب ونظريته واستقلاله الإيديولوجي ضد التشويهات والتحريفات، وعن سياسته وخططه المرحلية ؛
- وانتقد الاتجاهات الفكرية لإيديولوجية البرجوازية الصغيرة ؛
- وفضح ماهية " الاشتراكية القومية " ؛
- واستنتج بان البرجوازية الصغيرة عاجزة عن قيادة الثورة الوطنية الديمقراطية، حتى نهايتها، مؤكدا على " أن الطبقة العاملة في بلادنا مؤهلة للاضطلاع بالدور الطليعي والقيادي في النضال .... لإنجاز المهام الأساسية للثورة الوطنية الديمقراطية ".
من المفيد الإشارة الى أن المؤتمر الوطني الثاني رفض شروط " البعث " لقيام الجبهة، التي كانت تصر على أن تسلم جميع الأحزاب السياسية بقيادة البعث لها ولسلطة الدولة والمنظمات الاجتماعية، وان تقبل ببرنامج الحزب وإيديولوجيته دونما حاجة لبرنامج مشترك يتضمن نقاط الالتقاء وتجنب نقاط الخلاف.
وإزاء ذلك وسعيا من سلطة البعث للحد من هذا التحرك الجماهيري، الذي استهدف تعزيز مكانة الحزب وتكريس استقلاليته، بادرت الى شن حملة واسعة ضد الحزب الشيوعي العراقي، كبدت الحزب خسائر فادحة، وأدت الى استشهاد كوكبة مقدامة من قادة الحزب وكوادره وأعضاءه. وإزاء هذه الحملة البربرية امتنع الحزب الشيوعي العراقي عن المشاركة في أي حوار مع حزب البعث قبل إيقاف هذه الحملة، وبالمقابل شدّد الحزب حملته ضدها. وكان لحملات الإدانة على النطاقين العربي والأممي أثرها في وقف الحملات الإرهابية.

ملخص تقييم سياسة حزبنا منذ مجيء البعث الى السلطة
حتى بدء الحوار (تموز 1968 – تشرين الثاني 1971)
    استنادا الى التحليل الملموس للوضع الملموس توصلت" وثيقة التقييم " الى جملة من الخلاصات المتعلقة بهذا الطور من بينها ما يلي (ص 22- 24):
* إن سياسة الحزب في هذه الفترة عبرت بشكل ملموس عن الربط بين " الكفاح والتضامن " . فمن جهة أيد الحزب ودعم كل إجراء تقدمي قامت به الحكومة (الموقف إزاء شركات النفط الاحتكارية، موقفه من تحسين العلاقات مع البلدان الاشتراكية، الاعتراف بألمانيا الديمقراطية ....). ومن جهة أخرى عارض الحزب وانتقد كل ما هو سلبي وخاطئ في نهج البعث، خاصة معاداة الشيوعية واضطهاد الأحزاب الوطنية وانتهاكه حقوق الإنسان ومظاهر الشوفينية والتعصب القومي والطائفي. غير أن ذلك لم يقترن بتنظيم حركة جماهيرية تساهم فيها الأطراف الوطنية الأخرى للكفاح ضد الجوانب الرجعية في نهج النظام، ومن اجل الديمقراطية.
* قاد الحزب بعض النضالات الجماهيرية، وجوبهت تلك النضالات بالقمع والإرهاب من قبل السلطة البعثية.
* خاض حزبنا نضالا فكريا في صحافته السرية والعلنية ضد الأفكار الرجعية واليمينية ودافع عن مبادئه وإيديولوجيته ضد التحريفات والتشويهات.
* ساند الحزب بكل قوة الحركة القومية الكردية وطرح الحلول الملموسة لحل القضية الكردية حلا سلميا وديمقراطيا يحقق للشعب الكردي حقوقه القومية المشروعة.
* يعتبر انعقاد المؤتمر الوطني الثاني بصورة سرية في آب – أيلول 1970 في ظروف الملاحقات والقمع، ونجاحه في إنجاز أعماله، دون معرفة سلطات الأمن، إنجازا هاما من منجزات الحزب، عزز وحدته التنظيمية والإيديولوجية والسياسية،ووطد مكانته الرفيعة في حياة البلاد.

الطور الثاني (خريف 1971 – ربيع 1975)
       في 15 تشرين الثاني 1971 طرح البعث مسودة " ميثاق العمل الوطني ". وبحسب " وثيقة التقييم "  اعتبر حزبنا هذه المسودة " أساسا صالحا للحوار مع البعث من أجل إقامة الجبهة ". وكان في أساس تقييم حزبنا هذا، كما ورد في بيانه الصادر في 27/11/71 ما يلي:
أولا: إن مشروع الميثاق من حيث مضامينه واتجاهاته الرئيسية معاد للإمبريالية ؛
ثانيا: وانه يؤكد على أهمية الاستمرار في توثيق التعاون مع الدول الاشتراكية ؛
ثالثا: يؤكد على الحل السلمي الديمقراطي للمسألة الكردية، وبأن بيان الحادي عشر من آذار 1970 هو الإطار السليم لضمان الحقوق والتطلعات القومية المشروعة لشعبنا الكردي بما فيها الحكم الذاتي ؛
رابعا: يرسم المشروع برنامجا تقدميا للتحولات الاقتصادية – الاجتماعية، ويعتبر طريق التطور الرأسمالي طريقا مرفوضا من الناحية المبدأية؛
خامسا: يستخلص المشروع بعض الاستنتاجات الهامة وأخصها:
1- رد أسباب الهزائم والنكسات الى نزعة تغليب التناقضات الثانوية بين فصائل الحركة الثورية على التناقض الرئيسي القائم بينها من جهة، وبين الاستعمار والصهيونية من جهة أخرى.
2- التأكيد من خلال ذلك على أهمية العمل المشترك والتحالف بين مختلف القوى السياسية.

  وبالمقابل أكد البيان على جملة من المبادئ من بينها:
1- ضرورة تصفية كل مظاهر الاضطهاد ضد الجماهير ومؤسساتها السياسية (وخصوصا أحزابها السياسية) إذ لا يمكن الجمع بين الدعوة الى الكفاح ضد الإمبريالية وبين اضطهاد أي قوة وطنية معادية للامبريالية.
2- لكي يتحقق تعاون وطني فعال يتطلب الأمر إطلاق كافة الحريات الديمقراطية لجماهير الشعب وقواها الوطنية التقدمية، بما فيها حرية الأحزاب السياسية والجمعيات الاجتماعية والمهنية والنقابات وحرية الصحافة والرأي والمعتقد وغيرها من الحريات الأساسية.
3- إن إقامة النظام الديمقراطي تتطلب إقامة المؤسسات الدستورية ووضع الدستور الديمقراطي الدائم وإنهاء فترة الانتقال في وقت محدد.
4- تثبيت بعض المبادئ الأساسية في التعامل بين القوى المشاركة في التحالف وفي مقدمتها الاحترام المتبادل بينها كأحزاب سياسية مستقلة إيديولوجيا وسياسيا وتنظيميا.
خلال هذا الطور دخل حزبنا في حوار مع البعث لوضع الصيغة النهائية لميثاق العمل الوطني وإقامة الجبهة الوطنية.
ولكي تضعنا " وثيقة التقييم " في المناخ الذي كان سائدا في تلك الفترة ، فإنها تشير الى انه كان لكل من حزبنا والبعث الحاكم مفهومه الخاص به تجاه جملة من الأمور الأساسية :

ففيما يتعلق بالبعث كان له:
* مفهوم محدد للسلطة، تجلى بتمسكه بالقيادة المطلقة للسلطة السياسية في الدولة ومؤسساتها الدستورية.
* و تصوره الخاص للجبهة باعتبارها إطارا من أطره.
* ومفهومه الخاص عن الديمقراطية والمتمثل بالتمسك بوصايته على الجماهير ومنظماتها المهنية والنقابية تحت لافتة " الديمقراطية الشعبية".

في حين كان لحزبنا مفهومة الخاص عن السلطة السياسية والحكومة الائتلافية والجبهة، والديمقراطية السياسية، الذي عبر عنه في مشروع الميثاق الذي قدمه في أيلول 1968، وأكّد فيه على ما يلي:
- الاعتراف بتعدد الأحزاب كظاهرة تاريخية في حركتنا الوطنية وحياة البلد السياسية وبتحالفاتها في إطار جبهة وطنية تتسع لها جميعا.
- قيام مجلس وطني منتخب بالاقتراع العام المتساوي المباشر السري يتمتع بكامل السيادة وينتخب الحكومة المركزية التي تكون مسؤولة أمامه.
- إن دور أي حزب سياسي كقائد للسلطة السياسية في الدولة إنما يقرره الشعب بنفسه من خلال التعبير عن إرادته في ظل الحرية السياسية.
 إن قراءة الموقفين أعلاه تتيح الكشف بدون أي عناء عن التباين الجوهري بين الحزبين في هذا الصدد مما يضعهما على طرفي نقيض. لهذا فقد جرى الاتفاق على صيغ عمومية مشتركة بصدد طبيعة المرحلة والديمقراطية السياسية وغيرها.

 وحتى هذه الصيغ المشتركة تنكر لها البعث فيما بعد، وتجلى ذلك في:
- ترديده لمفاهيم مشوشة عن الديمقراطية السياسية وينقضها بحجة الكفاح ضد " الديمقراطية الليبرالية " ويتعامل مع الأحزاب الوطنية في الميادين الإيديولوجية والسياسية بأساليب لا ديمقراطية، واضعا اسلوب القمع البربري في المقدمة ؛
- واخذ يفرض هيمنته الفكرية والسياسية عن طريق سلطة الدولة التي يمسك بزمام قيادتها ويلجأ الى مختلف الأساليب لفرض هيمنته على الدولة والمجتمع والحياة السياسية في البلاد.
- رفضه لمفهوم المراحل في الثورة – المرحلة الوطنية الديمقراطية والمرحلة الاشتراكية – وأصرّ على أن هناك مرحلة واحدة، هي " الثورة الاشتراكية القومية "، وادعى انه يبني الاشتراكية !
 ومن المفيد الإشارة هنا الى أن البعث لم يطالب في البداية بنص صريح على قيادته للجبهة، غير انه طالب بذلك في ربيع 1973 . وبعد مناقشات طويلة، قَبِل وفد حزبنا الصيغة التالية التي وردت في مقدمة الميثاق الوطني:
" إن إقرار ميثاق العمل الوطني بصيغته اليوم، يعتبر الإعلان الرسمي لقيام جبهة الأحزاب والمنظمات والقوى والعناصر الوطنية والقومية التقدمية التي تجسد القيادة المشتركة لنضال الشعب العراقي من اجل تحقيق أهداف الميثاق، ويحتل حزب البعث العربي الاشتراكي موقعا متميزا في قيادتها وفي هيئاتها، ويقود السلطة السياسية والدولة، كما يقود مؤسساتها الدستورية، وتقوم العلاقات بين أحزاب الجبهة الوطنية والقومية التقدمية على أساس الاحترام المتبادل لاستقلال كل حزب إيديولوجيا وسياسيا وتنظيميا ".
 ومع أن هذه الصيغة نصّت على أن الجبهة " تجسد القيادة المشتركة لنضال الشعب العراقي "، فقد راح البعث يثقف أعضاءه بصيغة " الحزب القائد "، ويعلن ذلك في صحافته، واصدر في عام 1974 قانونا يكرس فيه ذلك رسميا، ولم يتخذ حزبنا موقفا معلنا يعارض ذلك رغم أهمية هذه المعارضة العلنية.
وعارض رفاقنا بثبات في لجان الجبهة، ما كان يريده البعث، وجرى تأكيد الصيغة كون " الجبهة قيادة مشتركة لنضال الشعب " جوابا على ما أشار إليه البعثيون في بعض لجان الجبهة ورفض ممثلي الحزب الشيوعي العراقي لهذه الصيغة.
لقد احتوى ميثاق العمل الوطني الى جانب النواحي الإيجابية جملة من النواحي السلبية البارزة التي توقفت عندها " وثيقة التقييم " وهي (ص 35)،
- منها ما يتعلق بالخطأ في تشخيص طبيعة انقلاب 17 – 30 تموز 1968 واعتباره " ثورة " تعد مقدمات الانتقال للاشتراكية بقيادة حزب البعث، الذي يقود السلطة وهيئاتها الدستورية
- وفرض الموقع المتميز للبعث في قيادة الجبهة،
- وجعل العمل السياسي في القوات المسلحة حكرا للبعث تحت ستار كونه مهمة من مهمات " قيادة الثورة وحدها ".

ملخص تقييم سياسة حزبنا في الفترة
(
من خريف 1971 حتى 1975)
    استنادا الى العرض السابق توصلت " وثيقة التقييم "، وفي معرض تقيمها لهذا الطور، الى الخلاصات التالية"
* اقتصر عمل الحزب في سبيل الديمقراطية على المطالبة بذلك في تقارير اجتماعات اللجنة المركزية والمقالات الصحفية، دون أن يطور هذه المطالبة الى أعمال نضالية من جانب الجماهير نفسها لا سيما جماهير الطبقة العاملة.
* خلال هذا الطور تم عقد الجبهة مع الحزب الحاكم، وكان قيامها باتفاق فوقي لم يستند أو يعزز بقاعدة متينة من التلاحم على مستوى القواعد،
* وان صيغة ميثاق العمل الوطني مالت الى جانب الحزب الحاكم بسبب وجوده في السلطة وقيامه بخطوات اعتبرت في حينه تقدمية، رغم بقاء صفته الثابتة في معاداة الديمقراطية وخوفه من تنامي نفوذ الحزب الشيوعي. وقد اثر هذا على عمل الحزب المستقل في تحريك الجماهير للمطالبة بحقوقها والضغط على سلطة البعث والنضال ضد الاتجاهات السلبية في سياساتها.
* لقد أكدت تجربة حزبنا في هذا التحالف مجددا صحة مقولات الماركسية حول أهمية الاحتفاظ باستقلالية الحزب الشيوعي السياسية والإيديولوجية والتنظيمية، وان أية قيود توضع للحد من هذه الاستقلالية في صيغة التحالف تؤدي الى الإخلال بميزان القوى لصالح البرجوازية وسلطتها وتساهم بالمقابل في عزل الحزب عن الطبقة العاملة والجماهير الشعبية وتضعف فاعليته في قيادة النضال الطبقي والوطني.
* تؤكد تجربة حزبنا أن العامل الفعال لتحويل الجبهة من اتفاق فوقي الى حلف جماهيري أساسه حلف العمال والفلاحين هو السياسة الطبقية المستقلة للحزب الشيوعي ورفض أي قيد على حرية النشاط في مختلف ميادين العمل الوطني والإيديولوجي والاجتماعي. ولا يستطيع التحالف الجبهوي أن يؤدي وظيفته ويواصل بقاؤه وتطوره دون إطلاق حريات الجماهير وطاقاتها، ودون تحقيق الديمقراطية في حياة البلاد.
* وقد لعبت بعض المفاهيم الخاطئة في النضال من اجل الديمقراطية السياسية، بالتقليل من شأنها، والمبالغة بأهمية الإصلاحات الاقتصادية – الاجتماعية، دورا كبيرا في الحد من النشاط المستقل للحزب الشيوعي، الى جانب اضطهاد الحزب الحاكم وعدائه للديمقراطية.


يتبع الجزء الثاني