| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الجمعة  17/8/ 2007

 

أرشيف المقالات

 


بعض الدروس المستخلصة من تقييم تجربة حزبنا النضالية
للسنوات 1968-1979
الجزء الثاني


د. صالح ياسر

الطور الثالث (1975 – 1979)

يشكل الطور الثالث " الفصل الختامي " الذي شهدنا فيه المآل المدمر الذي انتهت إليه هذه التجربة. ولأن هذا " الفصل " كان اكثر الفصول حدّة ودموية في مستويات القمع وما اتخذته السلطة البعثية من إجراءات ضد الحزب الشيوعي العراقي فانه لا بد من تفسير لهذا التصعيد الذي لم يكن محض مصادفة أو نتيجة فقط لصعود نجم صدام حسين بل هو في الواقع نتاج تفاعل جملة العوامل السياسية والعوامل الاقتصادية التي كانت تعتمل في التشكيلة العراقية آنذاك. لهذا فأن " وثيقة التقييم " في هذا الطور عالجت الجانبين، الاقتصادي والسياسي، وهو ما سنحاول عرضه بتكثيف في الفقرات اللاحقة :

سياسة البعث الاقتصادية وآثارها
شهد هذا الطور جملة من التحولات على الصعيد الاقتصادي لا بد من متابعتها لكشف جوهرها وما تركته من آثار. وهنا ثمة حاجة هنا للتأكيد على القضايا التالية:

* سيادة نمط الإنتاج الرأسمالي. فبالرغم من تأكيد (ميثاق العمل الوطني) على رفض الرأسمالية كطريق للتطور في العراق، فقد قادت سياسة حزب البعث الاقتصادية البلاد الى سيادة نمط الإنتاج الرأسمالي في البلاد، رغم تغطية ذلك بشعارات " الاشتراكية القومية ".

* حدوث تمايز في بنية السلطة. فقد تحولت السلطة الى سلطة تقودها البرجوازية البيروقراطية الكبيرة والطفيلية. وهكذا، نمت وترعرعت فئة واسعة من البرجوازية البيروقراطية، في أحضان قطاع الدولة بالارتباط الوثيق مع الرأسمال الأجنبي. وشهد العراق لأول مرّة عددا كبيرا من أصحاب الملايين الذين كونوا الى جانب الفئات الأخرى من البرجوازية والبرجوازية الصغيرة في المدينة والريف القاعدة الاجتماعية للحزب الحاكم وسلطته الطبقية التي تحولت الى سلطة البرجوازية البيروقراطية والطفيلية المرتبطة بالدولة والشركات الرأسمالية الاحتكارية. فقد عملت الشركات الرأسمالية الأجنبية على تكوين علاقات وطيدة مع قطاع المقاولات المحلي والمنتفعين من سلطة الدولة، الأمر الذي أدى الى تحول فئة من رجال الحزب الحاكم وأعوانه والعديد من كبار موظفي الدولة ومدراء شركات قطاع الدولة الى " طغمة " من كبار الرأسماليين جراء العمولات التي يستلمونها من الشركات الأجنبية لقاء التلاعب بالعطاءات أو لتسهيل التعاقد على المشاريع.

* أصبحت الدولة أداة لتفريخ البرجوازية البيروقراطية. نظرا لأنه لم يكن بمقدور الرأسمال الخاص في العراق أن يخلق الدولة الجديدة لأسباب مختلفة لا يتسع المجال للدخول في تفاصيلها، انصبت جهود البعث وآماله على الدولة وتسخير ماكينتها والأموال التي بحوزتها لتحقيق هذا الغرض. وقد أدى تنامي دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي الى تضخم شديد في أجهزة الدولة والى توسيع كبير في قاعدة البرجوازية البيروقراطية، والى هيمنتها على النشاط الاقتصادي وتحكمها بالإيرادات المالية الكبيرة، كما قاد الى تضخم في شريحتها العليا.

* العوائد النفطية تعجل في التطور الرأسمالي. لعب تدفق موارد النفط عاملا مساعدا، وضع بيد الدولة رؤوس أموال هائلة، ساهمت في تعجيل تطور الرأسمالية أفقيا وعموديا في مختلف القطاعات وبمقاييس لم يسبق لها مثيل. ومن المفيد الإشارة الى أن العامل المقرر في ذلك كان سياسة الدولة وإيديولوجيتها ودورها بقيادة البعث.

* جرى وضع قطاع الدولة في خدمة الرأسمال الخاص المحلي والأجنبي سواء من خلال:

- التعاقدات على المشاريع الضخمة،
- أو توريدات السلع والتجهيزات،
- أو تقديم التسليفات والإعفاءات الكمركية والضريبية،
- وتسهيل استيرادات المكائن والسلع الوسيطة،
- وتقديم المواد الإنشائية وغيرها بأسعار مدعومة من الدولة.
- ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل جرى إضعاف دور قطاع الدولة تدريجيا.

* وبالمقابل، ارتبط نهج البعث نحو إقامة " دولة عصرية " في تحقيق الهيمنة الاقتصادية والسياسية للبرجوازية العراقية على البلاد العربية.

وفي سياق هذا التوجه تشير وثيقة التقييم (ص 44) الى القضايا التالية :

أ - جرى صرف عشرات الملايين من الدنانير على بناء جهاز ضخم وتطوير مؤسسات القمع ؛
ب - وإقامة المشاريع الصناعية الضخمة ؛
ت - ومحاولة التحكم بسياسة الدول العربية والعديد من الدول النامية ؛
ث - كما كان هذا التوجه في أساس المغامرة العسكرية التي قام بها النظام في عدوانه على إيران لاحقا (1980).

*
خطة التنمية الانفجارية باعتبارها مغامرة اقتصادية ساهمت في تعظيم التبعية للخارج. تستنتج " وثيقة التقييم " بان " الطموحات الآنفة الذكر كانت وراء خطة التنمية الانفجارية، التي كانت بدورها مغامرة اقتصادية، تجسد منهجا طبقيا برجوازيا صغيرا يقوم على التجريبية ". أدى القانون الخاص بمشاريع التنمية الكبرى، الى إحالة الغالبية الساحقة من المشاريع الى عهدة الدول والشركات الرأسمالية، الأمر الذي لم يؤد الى إقامة اقتصاد وطني مستقل متحرر من هيمنة الاقتصاد الرأسمالي العالمي، بل الى المزيد من الاعتماد عليه وعلى سوقه. لقد أدى هذا التوجه وما اقترن به من أشكال التعاقدات – كالمشروع الجاهز والمشاركة والمقاولة الطويلة الأمد، والإدارة اللاحقة للمشروع – الى توطيد مواقع رأس المال الأجنبي بطرق مستحدثة للاستعمار الجديد في اقتصاد البلاد، وبالتالي ربط اقتصاد العراق بوشائج هيكلية مع الاقتصاد العالمي للرأسمالية، وتقويض أسس الاستقلال الاقتصادي للبلاد.

وملخص القول أن هذا النهج الاقتصادي قاد تدريجيا الى جملة من الآثار يمكن بلورتها فيما يلي (ص 46):

- حدوث تغييرات في المواقع الطبقية ؛
- ونشوء تحالفات طبقية جديدة تجسّدت في تشابك المصالح بين الفئات البرجوازية البيروقراطية وبين الفئات البرجوازية القديمة من الرأسماليين والملاكين وبقايا الإقطاع والابتعاد عن مصالح الكادحين.
- وضمن هذا التوجه عمّقت قيادة البعث الحاكم تنظيراتها القديمة حول قبول " اشتراكية البعث " للقطاع الخاص ونشاطه الواسع في البلاد، وكونه لا يتعارض مع مبادئ " الاشتراكية البعثية ".

* الرأسمالية " تخلق " حفاري قبرها/الطبقة العاملة. ومن جهة أخرى أدت السياسة الاقتصادية للسلطة البعثية الى تنام سريع في حجم الطبقة العاملة وظهورها في مراكز صناعية جديدة، كما ازداد تجمعها وتركزها، وارتبطت بوسائل إنتاج اكثر تقدما، وتطور تركيبها المهني (اصبح عددها في عام 1976 حوالي اكثر من 920 ألف عامل والى اكثر من مليون وربع المليون عامل في عام 1980، أي نحو ثلث عدد السكان العاملين). وعموما ساهم نمو حجم الطبقة العاملة العراقية في تعزيز دورها في الحياة الاقتصادية وفي إنتاج القسم الأكبر من الدخل القومي، كما نما تأثيرها الاجتماعي وتوطدت الجسور التي تربط الطبقة العاملة في المدينة مع الفلاحين في الريف عبر العمال الزراعيين وعمال المؤسسات الصناعية ذات العلاقة بالريف والزراعة. وربما يكون هذا التطور السبب الأهم للإسراع في شن الحملة الإرهابية ضد الحزب الشيوعي العراقي واتخاذها مديّات واسعة بحكم ما كان يتمتع الحزب من نفوذ في أوساط الطبقة العاملة وعموم الكادحين.

* أما على الصعيد الدولي فقد أدت السياسات الاقتصادية المشار إليها أعلاه الى جملة من التأثيرات السلبية على العلاقات الاقتصادية للعراق مع البلدان الاشتراكية. فمن المعلوم أن هذه العلاقات شهدت توسعا في بداية حكم البعث غير أنها ما لبثت أن تقلصت عن نسبتها السابقة الى حد كبير، فقد انخفضت نسبة الاستيرادات العراقية من 25% عام 1970، الى 6-10% عام 1977 .

التغيرات السياسية في نهج حزب البعث
إذا كانت " السياسة هي التعبير المكثف للاقتصاد " فانه يمكن القول إن النهج الاقتصادي الجديد الذي اختطته ونفذته قيادة حزب البعث والدولة منذ عام 1974/1975 على الصعيد الداخلي والعلاقات الاقتصادية والدولية والانفتاح الاقتصادي على العالم الرأسمالي بأسره، وجد تعبيره الصارخ في النهج السياسي وممارساته اليومية.

وبهدف تعقيب دقيق للحظة الارتداد تشير " وثيقة التقييم " الى " أنه مع بوادر نشوء وتطور التحالف السياسي الطبقي الجديد المرتبط عضويا بتحول الأوساط القيادية والكوادر الاساسية لحزب البعث والدولة من مواقع البرجوازية الصغيرة الى مواقع البرجوازية البيروقراطية من حيث السياسة والمصالح والممارسة، برزت بوادر ومخاطر الارتداد عن النهج التقدمي وعن الائتلاف القائم حينذاك مع حزبنا، واتخذت مسارا عمليا منذ النصف الثاني من عام 1975".

ورغم كون الفترة التي أعقبت تشكيل الجبهة الوطنية والقومية التقدمية لم تخل من تجاوزات واعتداءات على حقوق وحريات المواطنين، ومنتسبي الأحزاب السياسية والوطنية وخاصة حزبنا، فان الفترة التالية ابتداء من عام 1975 شهدت تصعيدا في وتيرة العداء للديمقراطية ومحاربة الشيوعية ومصادرة ذلك القدر المحدود من الحريات التي نشأت في أعقاب التأميم وإقامة الجبهة.

واتجه البعث بعد انعقاد المؤتمر الوطني الثالث لحزبنا في آبار 1976 بشكل خاص، للتصدي لنشاط حزبنا ومحاولة إيقاف نموه واتساع قاعدته الجماهيرية، وذلك من خلال :

- توجيه ضربات مدروسة مكثفة لمنظماته ومناضليه؛
- إبعاد الشيوعيين والديمقراطيين عن الوظائف التي كانوا يشغلونها في المجالات التي اعتبرت حكرا لحزب البعث وأنصاره.

ولم يكتف البعث بذلك بل عمد أيضا وضمن حملته لتطويق الحزب الشيوعي وتقليص قاعدته الاجتماعية، الى تشديد سيطرته وانفراده بالإمكانيات الشرعية للعمل بين الجماهير. شهدت هذه الفترة تشديدا لهيمنة البعث الحاكم وبالقوة على نقابات العمال ومنظمات الفلاحين والشباب والطلبة والنساء المجازة رسميا وإصدار القوانين التي تحرم نشاط المنظمات الجماهيرية التي كان يسهم فيها الشيوعيون بالدور القيادي دون أن يسميها (شبيبة، طلبة، نساء)، وراح يضطهد منتسبي هذه المنظمات ويمارس ضغطا متزايدا على حزبنا لحلها.

وبالمقابل ركّز البعث ضغطه لانتزاع تنازل من حزبنا بالامتناع عن أي عمل سياسي في القوات المسلحة، مشددا إرهابه للمواطنين المكلفين بالخدمة العسكرية، وحّرم على الصحافة الشيوعية الدخول الى معسكرات الجيش. ولم يكتف بتلك الإجراءات التعسفية الإرهابية بل قدم الى المحاكم كل عسكري يعثر في حوزته على أدبيات ماركسية أيا كان مصدرها ليجابه الموت، في حين دافع حزبنا عن الارتباط التنظيمي للشيوعيين المكلفين بالخدمة العسكرية.

ولم تكن تلك الإجراءات التعسفية كافية لتشفي غليل السلطة الحاكمة في تحجيم الحزب الشيوعي وتهميشه بل شدّد البعث من ضغطه على صحافتنا ليحرمها من ممارسة حقها في نقد الظواهر السلبية المتفاقمة والإعراب عن موقف الحزب بشأن القضايا الداخلية والعربية والعالمية بحرية، بحجة أن ذلك يؤدي الى التعارض مع موقف السلطة ويخلق الصعوبات لها، هذا فضلا عن التضيقات التي فرضتها على توزيعها بين الجماهير.

ومنذ النصف الثاني من سنة 1977 اتسعت علاقات النظام مع الدول الإمبريالية، ومع تعاظم إيراداته المالية وشعوره بتوطيد موقعه الدولي والداخلي، وباعتماده على القوات المسلحة " العقائدية " وأجهزه القمع المتضخمة كشف البعث من جديد وبصورة صارخة عن عدائه اللدود للشيوعية، ولا سيما للحزب الشيوعي العراقي والحركة الديمقراطية، وازداد ضراوة في ممارسة القمع والاضطهاد لإجبار الناس على اختلاف عقائدهم، على الانضواء تحت " الخيمة " العفلقية الفكرية والسياسية.

وبمقابل ذلك استثمرت قيادة البعث والسلطة الحاكمة فشل المفاوضات مع قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) لتشن اكبر حملة عسكرية ضد الحركة الكردية المسلحة، دون أن تحقق أهدافها، فلجأ نظام البعث الى التفاهم مع الرجعية والإمبريالية واقر المساومة بين صدام حسين وشاه إيران في الجزائر في 6/3/1975 .

كما وجه الحكم في عام 1977 ضربة قاسية ضد تحرك المعارضة الشيعية في النجف وكربلاء، بعد قيامها بنشاط سياسي معارض، واقدم على إصدار أحكام الإعدام بقصد الإرهاب.

وبمقابل ذلك كله قد اقترن النهج اليميني الرجعي المتفاقم في سياسة البعث وسلطته السياسية بمواقف مماثلة على الصعيد الدولي. وقد تجلى ذلك في :

- تسعير العداء للفكر الماركسي، وللحركة الشيوعية العالمية وبلدان المنظومة الاشتراكية.
- التثقيف بشكل واسع بمفهوم " الدولتين العظميين " والاحتفاظ ببعدين متساويين بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية.
- التبشير بفكرة تعدد مراكز القوى العالمية في معارضته واقع أن التناقض الأساسي في الصراع العالمي، هو بين الاشتراكية والرأسمالية.
- إقامة علاقات مع عدد من البلدان الرأسمالية لتنويع مصادر السلاح واستيراد أجهزة القمع والتعذيب، وعقد عدة صفقات لاستيراد السلاح والعتاد من فرنسا وإيطاليا والمانيا الغربية وبريطانيا واسبانيا والبرازيل وغيرها. ولا شك في أن هذه السياسة ساهمت في تعميق التبعية للنظام الرأسمالي العالمي والدوائر الإمبريالية.

وقد أدى مجمل النهج الرجعي للحكم في مختلف الميادين الاقتصادية والسياسية، فضلا عن إيديولوجية العداء للشيوعية المتأصلة لدى قادة البعث في العراق، الى تصعيد حملات القمع الدموي ضد الحزب الشيوعي العراقي، الأمر الذي أدى الى نتيجتين مترابطتين هما (ص55):

- تخريب الجبهة الوطنية ؛
- وانهيار الائتلاف السياسي عام 1978. هذا الائتلاف الذي بقي دائما ائتلافا فوقيا عاجزا عن تعبئة الجماهير وتنظيمها في النضال لإنجاز مهمات الجبهة.

ملخص تقييم سياسة الحزب خلال الطور الثالث (1975 – 1979)

في مسعاها لإجراء تقييم دقيق لسياسة الحزب الشيوعي العراقي المعتمدة خلال هذه الفترة (1975 – 1979) تتوصل " وثيقة التقييم " الى الخلاصات التالية (ص 56 – 65):

* في أيار عام 1976 انعقد المؤتمر الوطني الثالث للحزب، وأعطت وثائقه صورة واضحة وتحليلا دقيقا للقوى المضادة للثورة، الداخلية والعربية والعالمية، ونشاطاتها وأخطارها على حركتنا الثورية. ولكن الحزب أهمل متابعة التطورات السياسية والاقتصادية في واقع البلد ودور الفئة الحاكمة في الردة، وافترض سير العراق في طريق التطور اللارأسمالي، الأمر الذي لم يبرره الواقع الفعلي للتطور الاقتصادي والاجتماعي في بلادنا. هذا مع العلم انه لم يكن لدى حزبنا موقف موحد وواضح بشأن مفهوم " التطور اللارأسمالي "، وشهدت بعض جلسات المؤتمر الثالث نقاشا صاخبا بشأن المفهوم هذا.

وفي مسعى " وثيقة التقييم " لتشخيص الأسباب الكامنة وراء هذا الموقف فإنها ترى " إن النقص في استيعاب الطبيعة المزدوجة والمتذبذبة للبرجوازية الصغيرة، هو الخلفية الفكرية في عدم الوضوح في تقدير أفق العلاقة مع البعث الحاكم في العراق في حينه، الامر الذي أوقع الحزب في أخطاء، ذات طبيعة يمينية، حيث عوّل في مجمل نشاطه وتكتيكاته وتثقيفه لأعضائه ومنظماته على التطور الإيجابي للجبهة ولحزب البعث المهيمن على السلطة السياسية في الدولة، في حين كان يجب الاحتراس الشديد من احتمال ارتداده، وهو احتمال كبير جدا " بحكم جملة من العوامل والأسباب من بينها:

- طبيعة حزب البعث البرجوازية الصغيرة وإيديولوجيته القومية المتطرفة ؛
- تكوين قيادته المعادي للديمقراطية والشيوعية وبراغماتيتها السياسية ؛
- التغيرات التي أصابت تركيبه الطبقي منذ عودته الى الحكم وخصوصا بعد تدفق عوائد النفط اثر ارتفاع الأسعار في أواخر عام 1973، واندماج كوادره بكوادر الدولة البيروقراطية والبرجوازية الطفيلية والانفتاح على الرأسمال الدولي وسوقه.

* تعامل حزبنا إزاء التحالف مع البعث باعتباره تحالفا استراتيجيا، في حين كان لا يراه هو (أي البعث) إلا ائتلافا تكتيكيا وفوقيا، ودون أن يكون بأي حال معتمدا على قاعدة جماهيرية ثابتة، بل مقتصرا على اللقاءات بين قيادتي الحزبين، كان هدفه الانفراد بالسلطة السياسية في الدولة ليستغني بالمرة عن هذا الائتلاف في وقت لاحق.

* وقاد هذا التقدير الخاطئ الى أن يقدم الحزب بسبب ذلك وتحت ضغط البعث تنازلات جدية (الإعلان عن عدم وجود تنظيم حزبي داخل الجيش، تجميد المنظمات الديمقراطية وسحب ممثليها من المنظمات العالمية، وتسهيل احتلالها من قبل منظمات البعث الرسمية). وتزامنت تلك التنازلات ذات الطابع الاستراتيجي مع بدء عوامل الردة في مجمل سياسة الحكم، من اجل الحفاظ على الجبهة وانتظارا لظروف احسن لتطوير عملها.

* وهكذا وبدلا من تنظيم حملة إعلامية للدفاع عن الحزب والاستفادة من جميع المنابر، استجاب الحزب للضغط على صحافته، فخفت النقد، وتساهل في نشر خطب وبيانات المسؤولين الكبار، حتى عندما كانت تتعارض مع وجهات نظره، دون مناقشتها أو الرد عليها من اجل تحصين منظماته ورفاقه.

* وبدافع الحفاظ على التحالف، قصر حزبنا في التثقيف بطبيعة البعث البرجوازية الصغيرة وتقلباتها وتناقضاتها وبراغماتية قيادتها، خشية استفزاز البعث الذي يرفض اعتبار نفسه برجوازيا صغيرا. وقد ساهم ذلك بإضعاف التثقيف الطبقي البروليتاري لصالح التثقيف " الجبهوي ".

* كما لم يعر الحزب أهمية كافية لضمان حريته في العمل المستقل بين الجماهير وتنظيم وقيادة نضالاتها، ولقضية الديمقراطية باعتبارها الضمانة الحقيقية لبقاء الجبهة وتطورها.

وطبيعي أن تقدير حزبنا الخاطئ لآفاق تطور نظام الحكم، وعدم التقدير الدقيق لمغزى بوادر ارتداده، لم يكن ليمر بدون جملة من الآثار والنتائج تشير إليها " وثيقة التقييم " والتي تمثلت في :

- مواصلة زج منظمات الحزب والأعضاء في العمل العلني وكشفهم لأجهزة حزب البعث والمؤسسات القمعية للسلطة الحاكمة.
- عدم التمكن من بلورة الخطة المناسبة للمحافظة على تنظيمات الحزب وكوادره وأعضائه وللانتقال الى التنظيم السري لدى تبدل الأوضاع. وكانت كل المعلومات والأحداث السياسية تشير الى نية صدام حسين وزمرته في تصفية الحزب.

* وبرغم تشخيص احتمالات الارتداد، فقد تخلف الحزب في ملاحظة بوادره، وتغيير الطبيعة الطبقية لحزب البعث، وراح يؤكد على إمكانيات تطور العلاقات مع حزب البعث. فعلى سبيل المثال أشار التقرير السياسي المقدم الى المؤتمر الوطني الثالث (1976) في معرض تحليله للجبهة مع البعث الى أنها تمتلك أفقا استراتيجيا لمواصلة التحالف، حتى بناء الاشتراكية !! وطبيعي أن هذه المقولات كانت معزولة عن الظرف التاريخي الملموس وطبيعة البعث الطبقية والإيديولوجية وممارساته السياسية. والأخطر من هذا أن هذا التشخيص الخاطئ ساعد على خلق الأوهام التي ساهمت في تخدير اليقظة الطبقية لأعضاء الحزب كما أضعفت تأكيداته على المبادئ الأساسية بهذا الصدد.

اجتماع آذار 1978 . بداية انعطاف لكن محفوف بالتردد
في 10 آذار 1978، انعقد الاجتماع الاعتيادي الكامل للجنة المركزية للحزب في ظروف تفاقمت فيها حملة البعث لتصفية منظمات حزبنا في المدينة والريف، والتضييق على نشاطه وصحافته على يد الأجهزة الحكومية ومنظمات البعث الحزبية والمهنية. وتناول الاجتماع بالنقد سياسة البعث ونظامه، فانتقد :

- سياسة البعث المعادية للديمقراطية، واستمرار الأوضاع الاستثنائية، والمماطلة والتسويف في إقامة المؤسسات الديمقراطية، كالمجلس الوطني.
- سياسة التبعيث القسري للدولة والمجتمع والتعريب القسري للشعب الكردي والأقليات وتشويه الحكم الذاتي في كردستان.
- واتباع سياسة معادية للدول العربية المتحررة.

ومع أن هذا النقد العلني كان بداية انعطاف في سياسة الحزب نحو المعارضة، فقد " أكدت اللجنة المركزية مجددا حرصها على الجبهة، أي التحالف مع البعث، وعلى قدرة التحالف الجبهوي على السير نحو انجاز المهمات المطروحة " !.

وبمقابل هذه المرونة في موقف الحزب الشيوعي العراقي كان رد فعل البعث عنيفا للغاية، وتجلى ذلك في جملة الممارسات الملموسة على الأرض :

- مهاجمة التقرير على صفحات جريدة " الراصد " في 5 آبار 1978،
- تنفيذ أحكام الإعدام الفاشية في 18 منه، حيث اعدم بالرصاص وأمام جماهير الجنود في المعسكرات 31 شيوعيا وديمقراطيا ثوريا.

ومع ذلك كان التردد طابع سياسة الحزب في الفترة 1978 – 1979. وبحجة الحرص على الجبهة تجلى هذا التردد في جملة مواقف :

1- لم يسحب الحزب ممثليه في الوزارة، بعد حملة الاعدامات الآنفة الذكر؛
2- كما تردد في تنظيم حملة تضامنية فعالة؛
3- وواصلت صحافة حزبنا الصدور، دون الإشارة الى الإرهاب الموجه ضد الشيوعيين بشكل صريح وفعال.

وحتى عندما صاغت اللجنة المركزية لحزبنا شعار " وقف التدهور " في أواخر 1978، لم يكن هناك فهم موحد لهذا الشعار والأساليب الواجب اتباعها. وفي التطبيق العملي تغلب تفسير وقف التدهور بالتراجع من جانب الحزب وعدم استفزاز السلطة، واتسمت خطواته بطابع التردد.

صراع الإرادات ومحاولات لوي الأذرع تستمر !!
حاول البعث استخدام الإعدام والقتل وسيلة لتركيع الحزب الشيوعي العراقي وإملاء شروطه عليه، تلك الشروط التي كانت ستفقده سمات الحزب السياسي المستقل – الفكرية والسياسية والتنظيمية -، حيث طلبت قيادة البعث في تلك الفترة، وبعد حملة الإعدامات وفي جلسة اللجنة العليا للجبهة، من وفد الحزب الشيوعي العراقي أن يجمع اللجنة المركزية ثانية للتراجع عن مقررات اجتماع 10 آذار 1978 !! ولكن الوفد أعلن باسم الحزب عن رفضه القاطع لهذا الطلب، وأصرت قيادة الحزب على رفض أي حوار ما دامت الحملة القمعية مستمرة، وما لم تعتذر قيادة البعث علنا عن الاعدامات وتعلن إعادة الاعتبار للشهداء رسميا.

وفي لقاء كانون الثاني 1979 طلب صدام حسين مجددا إجراء الحوار، ولكن الحزب رفض ثانية الحوار ما لم تنفذ شروطه الآنف ذكرها مسبقا. وهكذا غدا التفاهم بين الحزبين مستحيلا لأن حزبنا الشيوعي لم يعد قادرا على العودة الى سياسة التحالف مع البعث بالشروط السابقة، في حين لم يعد البعث قادرا على العودة الى مثل تلك الشروط، واغلق البعث جريدة " طريق الشعب " وعرقل صدور مجلة " الثقافة الجديدة " وأعفى ممثلي الحزب في الوزارة.

وفي اجتماع تموز 1979 قررت اللجنة المركزية تقديم شعار إنهاء الدكتاتورية، وكان في الحقيقة تعبيرا عن الدعوة لإسقاط حكم البعث.

واستطاع في اجتماعات اللجنة المركزية في عام 1979، والاجتماعات التالية، أن يصوغ ويطور سياسته الجديدة القائمة على :

* إسقاط الدكتاتورية الفاشية ؛
* وإقامة حكومة وطنية ديمقراطية ائتلافية.

الدروس المستخلصة من تجربة التحالف مع البعث
بداية، وإذ نحاول الإمساك بخيوط هذه التجربة ونهاياتها المعروفة فان التقييم السليم لتلك التجربة لن يتم إلا إذا وضعناها في إطار الظروف التاريخية، المحلية والعالمية، التي نشأت فيها.

- فخلال الفترة 1968 – 1979 شهدنا تغيرات هامة في العالم ومنطقة الشرق الأوسط. وفي إطار الصراع العالمي بين الاشتراكية والرأسمالية، حققت الحركة الثورية العالمية بفصائلها الثلاث (المنظومة الاشتراكية، حركة الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية المتطورة، وحركة التحرر الوطني) انتصارات هامة. ولمواجهة هذه الانتصارات ولمعالجة مظاهر الأزمة العامة للرأسمالية، ولاستعادة مواقعها المفقودة، شنت الإمبريالية هجوما ضاريا على مجموع الحركة الثورية العالمية.

- ومنذ أواسط السبعينيات، كانت منطقة الشرق الأوسط إحدى الساحات الرئيسية لهجوم الإمبريالية وحلفائها على حركة التحرر الوطني العربية. وقد استخدمت الإمبريالية في هجومها هذا مختلف أسلحتها وقدراتها السياسية والاقتصادية وحربها الإيديولوجية من اجل التغلغل الاقتصادي في بلدان المنطقة، وتعزيز مواقع الطبقات والفئات الاستغلالية. كما أشاعت جملة من المفاهيم كان من بين أهدافها – حسب وثيقة التقييم:

أ- وضع الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة على قدم المساواة ؛
ب- تخريب العلاقات التضامنية والتحالفية مع بلدان المنظومة الاشتراكية وفصائل الحركة الثورية العالمية الأخرى ؛
ت- تشويه المحتوى الطبقي للصراع العالمي ؛
ث- بذر التفكك في حركة التحرر الوطني العربية وإشاعة الاحتراب بين فصائلها، ومد الجسور مع الإمبريالية والرجعية في الداخل والخارج.

لقد أثبتت تجربة الجبهة أنها معركة طبقية تعلم منها الحزب الكثير. وان شعارات الحزب قد تحولت خلالها الى قوة مادية، إذ لم تكن المنجزات التي تحققت قبل وأثناء الجبهة بمعزل عن نضال حزبنا الشيوعي، وان الانقضاض عليها لم يكن بمعزل عن اضطهاد الشيوعيين العراقيين. وبغض النظر عن النهاية الدموية للجبهة موضوع التقييم فان التقييم الموضوعي وبرأس بارد لتجربة صارت على ذمة التاريخ يتيح بلورة جملة من الدروس من بينها (ص 66 ولاحقا) :

1- على صعيد الإطار النظري العام، توضح تجربة حزبنا أن التحالف مع البرجوازية الصغيرة والفئات الكادحة غير البروليتارية والفئات المتوسطة ضروري ومبرر موضوعيا ولمدى بعيد. غير أنه وبسبب موقع هذه الفئات بين البرجوازية والبروليتاريا، وبالتالي افتقارها الى منظومة فلسفية اجتماعية – اقتصادية – سياسية منسجمة، فإنها تتعرض إلى التذبذب، والى الفرز المستمر في داخلها الأمر الذي يؤدي دوما إلى انحياز فئات منها إلى معسكر البروليتاريا، بينما تنتقل فئات أخرى إلى معسكر الرجعية وتندمج مع الرأسمالية وتخدم مصالحها الطبقية، وهذا ما وقع فعلا في العراق.
 
2- إن التحالف مع هذه القوى لا يمكن أن يلغي الوجه الآخر للتحالف، أي الكفاح، ضد الأفكار والمفاهيم الاجتماعية والتوجهات السياسية التي تعرقل تطوير هذا التحالف، وان لا يخضع هذا الكفاح لموضوعة التضامن فقط، بل يجب الربط ديالكتيكيا بين النضال والتضامن. وهنا تكمن نقطة قصور في نشاط الحزب الفكري والسياسي، الذي لم يستجب على الوجه المطلوب لحقائق الوضع في الفترة التي أعقبت إعلان الجبهة عام 1973 . وهذا يتيح الاستنتاج أن التحالف هو معركة فكرية بامتياز وليس تسكينا للصراع بذريعة الحفاظ على التحالف.

3- وارتباطا بذلك لا بد من التأكيد على أهمية وضرورة حفاظ الحزب الشيوعي على استقلاله السياسي والفكري والتنظيمي خلال التحالفات، وأن أية قيود توضع للحد من هذه الاستقلالية في صيغة التحالف تؤدي إلى الإخلال بميزان القوى وتساهم في عزل الحزب عن الطبقة العاملة والجماهير الشعبية وتضعف فاعليته في النضال الطبقي والوطني.

4- لقد أوضحت هذه التجربة أن ضمان نجاح سياسة التحالف يعتمد على تثقيف الجماهير وتعبئتها وزجها في النضالات المستقلة لتحقيق برنامج التحالف وتطويره وتعميقه وشل تردد وتراجع الفئات غير البروليتارية، وبذلك تجري الحيلولة دون بقاء التحالف فوقيا وشكليا ومعزولا عن الجماهير.

5- كما أكّدت الحياة أن الديمقراطية، هي ضمانة أساسية لممارسة الحقوق القومية ولا يمكن للشعب الكردي أن يتمتع بحقوقه القومية في ظل مصادرة الحريات والحقوق الديمقراطية للشعب العراقي كله. ومن أهمية شعار حزبنا آنذاك حين أكد أن لا حكم ذاتي حقيقي لكردستان دون ديمقراطية للعراق كله.

6- بينت التجربة أنه كان يتعين على الحزب الشيوعي أن يطور نشاطه المستقل بين الجماهير وتعبئتها وتحريكها في النضالات اليومية من اجل حقوقها الديمقراطية والدفاع عن مكاسبها وتطويرها، انطلاقا من أن الحريات الديمقراطية تكتسب بالنضال اليومي المتواصل ودون كلل.

7- ولا يمكن تحقيق ذلك بدون الحريات الديمقراطية الكاملة للجماهير وإطلاق طاقاتها وتحريرها من كل قيد. وبينت التجربة التحالفية خلال هذه الفترة درسا مهما قوامه أنه بدون الديمقراطية السياسية لا يمكن الحفاظ على المكاسب المتحققة دع عنك تعميقها وتطويرها.

8- كما بينت التجربة، ضرورة إتباع الحزب سياسة تنظيمية تأخذ بنظر الاعتبار احتمالات الارتداد. ويعني ذلك :

- اتخاذ الإجراءات الضرورية لصيانة الكادر ومنظمات الحزب،
- والجمع الصائب بين التنظيم السري والنشاط الجماهيري،
- ورفع اليقظة الثورية الدائمة، لدى الكادر الحزبي وجهادية الشيوعيين،
- وعدم التردد في اتخاذ أساليب الصيانة مهما كانت صعبة، وتطبيق القرارات الصادرة بهذا الشأن بكل صرامة.

9- وبمقابل ذلك يستحث التقييم المتوازن لهذه التجربة التأكيد على الجوانب التالية التي أشّرتها " وثيقة التقييم " بصواب وهي (ص 64 – 65 ) :

* إن جو التحالف شجع أعدادا كبيرة من الشبيبة الثورية على الانخراط في صفوف الحزب.

* كما ساعد هذا الجو على إعادة بناء منظمات الحزب في العديد من أنحاء البلاد بأسرع وقت، بعد ما عانته خلال سنوات الإرهاب الأسود.

* ساعد هذا الجو أيضا على نشر الفكر الماركسي – اللينيني على نطاق واسع، ومكن الحزب من إحياء تراثه الثوري الزاخر ونشره ووضعه في أيدي مئات الألوف من الشبيبة الثورية الطالعة.

* برغم الخسائر الجسيمة التي ألحقت بحزبنا، بسبب حملات الإرهاب الوحشية، فقد اكتسب دما جديدا، دم الشباب الذي مهما استنزفه الإرهاب البعثي البوليسي الآن أو في المستقبل، فسيبقى منه رصيد يمنح الحزب طاقة متجددة. وقد أكّد مسار الأحداث اللاحقة صحة هذه الأطروحة.

وتستنتج " وثيقة التقييم " وهي على حق بأن البعث الحاكم الحق حقا بحزبنا خسائر فادحة على صعيد التنظيم وصفى عددا كبيرا من منظماته وكوادره، ولكنه عجز كليا عن إلحاق هزيمة سياسية به، واثبتت الحياة صحة وجهات نظر الحزب الشيوعي العراقي في كل القضايا التي كانت موضع خلاف مع البعث.

****************************

إننا الآن في عام 2007، أي بعد مرور 28 عاما على انهيار التجربة موضوع التقييم، ولكن رغم هذا الفاصل الزمني البعيد فإن الدروس المستخلصة المشار إليها أعلاه ما زالت تتمتع براهنيتها السياسية والفكرية والتنظيمية كذلك، وأن الأفكار الأساسية الواردة فيه مازالت ذات دلالة في أوضاعنا الحالية.

ولهذا من المفيد بل ومن الضروري دراسة هذه التجربة بعين ثاقبة وذهن متفتح يسمح بالنظر إلى التاريخ كعملية متناقضة، مستمرة ومتواصلة، بماضيها وحاضرها ومستقبلها كذلك. فالمهم إذن ليس هجاء التاريخ وتجاربه قدر توظيف الدروس الثرية بشكل صحيح، إذ أن الثوريين الحقيقيين هم أولئك الذين يتعلمون من إخفاقاتهم وصعوباتهم مثلما يستفيدون من نجاحاتهم للتقدم إلى الأمام.

لقد دعى المؤتمر الوطني الرابع للحزب " جميع رفاق الحزب وأنصاره لمضاعفة الجهود لتطبيق سياسة الحزب بإبداع ونكران ذات واستيعاب سياسة التحالفات الطبقية والسياسية، باعتبارها نهجا ثابتا في سياسة حزبنا منذ تأسيسه ". ولا تزال هذه المهمة تتمتع براهنيتها، بل تزداد أهميتها في الظروف الراهنة حيث تندمج المهمات الوطنية (إنهاء الاحتلال واستعادة السيادة والاستقلال) بالمهمات ذات الطابع الديمقراطي، الأمر الذي يتطلب حشد الجهود وتعبئة القوى لإنجاز هذه المهام وصولا لبناء عراق ديمقراطي فيدرالي موحد. إنها مهمات بالغة التعقيد والصعوبة ولكنها تستحق الإقدام وتتطلب الجرأة والوحدة لإنجازها. ولا طريق أمام العراقيين اليوم غير هذا الطريق وبعكسه عودة الاستبداد حتى وإن بصيغ جديدة. ومن المؤكد أن العراقيين لن يبادلوا حريتهم بالاستبداد قطعا، لأنهم عرفوا " مذاقه " فما زالت جراح الملايين تئن، كما أن المقابر الجماعية خير شاهد على دموية النظام المقبور الذي فرّط بالكثير، ومن بينها التجربة التي هي موضوع هذا التقييم.


- انتهى –


¤ الجزء الأول