| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأحد 17/8/ 2008

 


مفردات الارتداد في تقلبات الزمن

ابو حازم التورنجي
altorneji@ yahoo.se

لينين لا تعب على الحاج
في سبعينات القرن الماضي ومع تزايد موجات النهوض التحرري وتصاعد المد الثوري ,و حيث كان المزاج العام للناس .يساريا أو تقدميا ومتفتحا في توجهه العام, يميل نحو التحرر من أطر الماضي وأسماؤه التقليدية . وحيث أنتعشت الامال مع تحديد عام 1975 كسنة عالمية للمرأة , وبالترافق مع تصاعد وتيرة الانتصارات المذهلة لشعوب فيتنام وكمبوديا ولاوس وأنغولا و موزمبيق .... وكأنعكاس لهذا الجو العام التقدمي الرحب, كانت تسمية المواليد الجدد تتوائم مع هذه الاجواء من حيث الوطنية والثورية وبذات الدلالات مثل (كفاح , لينا , روزا ,أنجيلا , انتفاضة ، حرية , ثائر ,مناضل ، نصير ) بل ان أحد العراقيين من اليساريين او الثوريين قد ذهب الى أبعد من ذلك حين ولد له ولدا في مدينة الطب ببغداد 1974بعد انتظار طويل ,سماه لينين , تحديد لينين تيمنا باسم قائد ثورة أكتوبر,,في وقت لم يألف العراق او البلدان العربية وحتى على النطاق العالمي مثل هذة الاسماء التي كانت ولا زالت تثير الكثير من الاشكالات والمتاعب في العديد من البلدان , مجرد تداولها, والامر يحتاج الى بعض الجرأة ,وكم تمنى الاب الثوري ان يرىأبنه كذلك ثوريا وعلى ذات الدرب وبنفس الخطى وبذات الرؤيا الفكرية التي أمن بها ,وكم تحمل لينين الابن المتاعب والمضايقات في سنوات الدراسة في زمن النظام الدكتاتوري للطاغية المقبور صدام ، وظل الى لحظة خروجه من العراق نهاية الثمانينات متمسكا بأسمه لينين , وقناعة منه بالدرب الذي سلكته العائلة سنوات النضال واحتراما لرغبة العائلة التي ظل على علاقة طيبة بها ،

ولكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن , ومع سقوط تجربة الاشتراكية في بلدان اوربا الشرقية, وفي نهاية التسعينات من القرن الماضي وفي ظروق معينه يطول عنها الحديث خرح علينا لينين الشاب ابن العشرين ملتحيا صائما مصليا ينأى بنفسه بعيدا عن كل الدروب والمسالك التي سلكها ابيه ، مثلما يقول

لينين يرفض تغيير اسمه احترما لرغبة ابيه ,

العام الماضي سافر الى مكة في العربية السعودية لاداء مناسك الحج وليغود منها مفضلا لقب (الحجي) على ما كان يكنى به ولقد تغير كل شىء في حديث الحاج لينين وفرداته ومواضيعه لحد الانسلاخ وكأنه اكتشف نفسه مؤخرا مرعوبا على الشاكلة الجديدة

وهو يكرر هذا ما جناه على ابي

صدى الخوف في نفوس الضعفاء
تعارفنا يوم التقينا لاول مرة صيف عام 1982 قادمين من الخارج ، هو القادم من الاتحاد السوفييتي وانا القادم بلغاريا كرفاق درب ونحن نسلك الطرق الجبلية الوعرة نحو عمق كردستان وكنا شباب ثوريون متحمسون مفعمون بالحلم الثوري وفنطازيا الثقافة والادب والتاريخ والفلسفة الماركسية ، واستمرت علاقتنا بين اللقاءات ، فترات في المواقع الانصارية المختلفة ، ومراسلة لفترات اخرى حين تفرق بيننا المهمات والمسالك والطرق، ولكننا بقينا على اتصال ومعرفة لبعضينا بشكل مناسب حتى أفترقنا مع انهيار الحركة الانصارية بعد الهجوم الشامل الذي شنته قوات النظام الدكتاتوري المنهار صيف 1988 ولنلتقي من جديد في الجنوب السويدي في مدن متقاربة

كم اتذكر أحديثنا الجميلة التي كانت تمدت لساعات طويلة من تلك الليالي الصيفية وكم كان يعيد ويكرر قراءته لشيء من رائعة ميخائيل شلوخوف الملحمية قبل ان يخفت ضوء الفانوس ويخلط للنوم

في زيارتي له وهو يرقد في احدى مستشفيات المدينة للعلاج من مرض مشكوك بأمره وكانت الزيارة متأخرة قبيل انتهاء موعد الزيارات المسائية بسبب من ظروف العمل والطريق بين المدينتين ،تفاجىء بي وفوجئت به وهو يجلس على السرير مرتلا وبصوت حزين رخيم آيات من القران الذي كان يضعه في حجره

خجلت من نفسي وانا اقطع على الرجل خلوته وحزنت لمرضه وقلقة وحزنت اكثر وانا اقف امام انسان اخر غير ذاك الذي عرفته منذ سنوات

وأسفت وانا اراه خجلا مستحيا وكانه مسك بالجرم المشهود

قبلته وتمنين له الشفاء وغادرته على عجل ، وعرفت لاحقا انه قد تماثل للشفاء وخرج بعيدا متهربا من اتصالاتي ولقاءاتي وحزنت لذلك اكثر

الناس معادن والرفاق ناس ايضا
تزوج متأخرا وهو على أعتاب الخمسين من العمر الذي قضى نصفه مناضلا ضد الدكتاتورية ومن اجل النهوض بواقع الانسان العراقي ورقيه ، وكم سمعته قبل عقدين من الزمن ، يتحدت مرات ومرات عن الانعتاق والحرية وتحرر المرأة والنهوض بواقعها المتخلف المزري ، وبعد زواجه انجبت زوجته طفلتين وفي زمن قياسي اذ لا فارق بينما الا القليل من الوقت وكادت الطفله الثانية ان تكون السبب في طلاق أمها لان الاب كان يردد بانه سيطلقها - أي سيطلق زوجته - ان هي ولدت له بنت اخرى ، ولولا تدخل المعارف و الاصدقاء في أعادة الرجل الى بعض من وعيه الثوري والتقدمي السابق ، أما الطفلة الثالثة فقد كانت بمثابة الكارثة التي حلت على العائلة ، والزوجة تحديدا ، هذه الكارثة التي نغصت حياة الزوجة العراقية البسيطة الطيبة الرائعة الشمائل والاخلاق .

ولم تهدأ العاصفة في ذلك البيت ، حتى انجنت الزوجة المسكينة طفلا ولدا قبل اسابيع ،واستعاد الرجل شيء من سكينته وهدوءه ولربما شى من توازنه السابق كرجل عصري في بلد متحضر لا يفرق بين البنات والبنين ،

وكم فرحت لتلك المرأة العراقية الطيبة وهنأتها قلبيا بكل غبطة وانشراح

لكني وجدت نفسي أهنئه على مضض وانا اراه بعيدا عني لا ذاك المناضل القريب الى القلب

الصورة الاخرى لبراعم متفتحة
في زيارتي للعراق امليت على نفسي ان ازور عوائل الشهداء من رفاق افتقدهم في هذه المسيرة النضالية الطويله ، وزرت ممن استطعت الاهتداء الى عناوينهم بعد ثلاث عقود من مغادرة المدينه وفي كل عائله يطول الحديث وتستعاد الذكريات الاليمة عما حصل قبل الاستشهاد وخلاله واخرج عند انتهاء الزيارة حزينا متألما لفقدان اولئك الاحبة من شباب رائعين كانوا في مقتبل العمر

وكم كان يؤلمني ويعصر قلبي ندم بعض العوائل وشعورها بالخيبة والمرارة والاحباط لم جرى لهم لاحقا من مظالم على أيدي جلاوزة النظام الدكتاتوري للطاغية المقبور صدام حسين ، ومما هم علية الان من الاهمال والنسيان والتنكر لحقوقهم وتضحياتهم ، وفي خضم هذه الاحاديث التي تدمي القلب أطل علي شاب يافع في بداية العشرينات من عمره وتراى لي وجهه مألوفا وقريبا جدا مني قدمته لي ابنه اخي ، بانه محمد ابن الشهيدين سحر أمين وصباح طارش ، فلم اتمالك نفسي الا ان اقوم لاحتضنه بلهفة ، اذهلته للوهلة الاولى ، ورغم ان الدمعات قد خانتني مثلما هي الكلمات في مثل هذه المواقف ،لكني سكنت لاحقا وبدءا حديثا طويلا وانا اشعر براحة نفسيه لا حدود لها ، اذ عرفت منه بأنه يسير على هدى ابويه وقد رزق مؤخرا بولد سماه فهد تيمنا باسم الرفيق الخالد فهد مؤسس الحزب الشيوعي العراقي .

فقلت في نفسي هي دورة الاشياء وها هي ذي البراعم تتفتح من جديد


غوتنبرغ- السويد
آب 2008
 

 

free web counter

 

أرشيف المقالات