| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الخميس 18/9/ 2008

 

البرلمان العراقي: مَنْ رفع حصانة مَنْ؟!!

محمد طالب الأديب
Aladeeb.m@gmail.com

(وقائع ومناقشة موضوعية)
مما كشف عنه رد الفعل "السريع" لمجلس النواب العراقي على زيارة رئيس حزب الأمة العراقية النائب مثال الآلوسي الى إسرائيل أن للبرلمان العراقي إمكانية عالية لاستصدار قرار ما وخاصة إذا كان يتعلق بأمن العراق وانضباطه السياسي والأخلاقي تجاه دول الجوار حيث لم يأخذ البرلمانيون العراقيون من وقتهم, وهو وقت الشعب, أكثر من ساعتين لإقرار رفع الحصانة عن النائب الآلوسي فما بين كلمة الآلوسي (10/9) في مؤتمر هرتسليا وجلسة رفع الحصانة (14/9) خمسة أيام منها يومان عطلة أي ان العملية المباشرة كلها تمت بساعات, وهو إنجاز كبير يثير في نفوس العراقيين التفاؤل بنجاحات أخرى بعد إحباط وصل الى يأس وقنوط لا سيما وأن هناك أكثر من أربعين مشروع قانون ما زالت أسيرة تنتظر حريتها, ومن أهمها قوانين: (النفط والغاز - الأحزاب – المحافظات – الوزارات) فضلاً عن (قانون المحافظات) والمطالبات المتكررة بتشريع قانون خاص لتفعيل دور البرلمان الرقابي الذي بات البرلمان بتغييبه كقبر يمشي على الأرض, ولا تخفى الأهمية السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية لتلك القوانين والأثر السلبي الكبير لتأخر إقرارها على الوطن والمواطن, في الوقت الذي صرح نواب من كتل مختلفة بأن عدم إقرار تلك القوانين كان وما زال بسبب الاختلافات السياسية, ولعل آخر ما كان, تأخير "الميزانية التكميلية" لأكثر من شهر بالرغم من مناشدات وزيري المالية والتخطيط لعائدية الميزانية الإنسانية الاستثنائية الأمر الذي دفع مكتب رئيس الوزراء الى التلويح بأن الحكومة ستتصرف بتلك الميزانيـة في حالة تأخير أكثر.

ويبقى السؤال: هل لزيارة الآلوسي الى إسرائيل خطر يستدعي - عاجلاً - اندفاع مجلس النواب الى استصدار قرار برفع الحصانة عنه؟! لا سيما وإن الإرهابيين هم من العرب والمسلمين, وأن تمويل حربهم على العراق والعراقيين لم يأت من خزانة إسرائيل بل من مساجد مسلمين؟! وإذا كان لزيارة الآلوسي تلك الخطورة فإنها – بحسب تصريحات المطالبين برفع الحصانة – بسبب ما (قد) تسببه زيارة الآلوسي من إساءة الى علاقة العراق مع جارة كبيرة (إيران)!.

إن لـ إسرائيل, اليوم وقبل أكثر من ربع قرن, علاقات سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية وإعلامية وسياحية فضلاً عن سفارات وملحقيات مع عدد من الدول العربية, كما أن لـ إسرائيل علاقات مميزة مع دول إسلامية مثل تركيا (عاصمة الخلافة الإسلامية – سنية) وجمهورية آذربيجان (الشيعية) ودول غيرها لها علاقات علنية وأخرى سرية! وقد سئل رئيس وزراء تركيا السابق عن مبرر وجود علاقة بين تركيا وإسرائيل, أجاب قائلاً: "لم تكن لنا أي علاقة مع إسرائيل إلا بعد أن أقام الفلسطينيون والإسرائيليون علاقات سياسية وأمنية واقتصادية بينهما فهل من الحكمة أن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم الذين اعترفوا بإسرائيل كدولة جارة لفلسطين"!! وفي نفس الإطار, فإن أميركا التي قادت عملية تحرير العراق, والتي ما زالت تقدم كل أنواع المساعدات للعراقيين لها علاقات تاريخية واستراتيجية مع إسرائيل, وبالتالي فإن أميركا لن تسمح بأي سلوك تحريضي ضد إسرائيل كما لن تدعم أي دولة لها توجه استفزازي أو عدواني يسيء الى إسرائيل (سياسياً وأمنياً واقتصادياً), كما وإن العراقيين يطلبون ذلك من أميركا حيث الضعف يدب في أرجاء الدولة وأعداءهم متكالبون على انتهاش لحمهم وافتراس أحلامهم, وفي نفس الوقت, فإن الدول الأوربية التي ساعدت العراق ومازال ينتظر العراقيون مشاركاتها في بناء العراق, هذه الدول الأوربية, أيضاً, لها علاقات واسعة وراسخة تتميز بحرصها على أمن إسرائيل وبقاءها!! والسؤال العراقي هنا: هل من المحتمل أن تكون لزيارة الآلوسي الى إسرائيل إسقاطات سلبية على تعزيز ثقة أميركا وأوروبا بالعراق الحر الذي لم يعد يشكل تهديداً للسلام العالمي والذي يستحق دعم المجتمع الدولي لإزالة غبار عقود الاستبداد والظلم والحرمان, عراق ديمقراطي يهدف الى التعاون والتواصل بين الأمم والشعوب دون تمييز تاريخي أو ديني أو قومي, أم إن استعداء إسرائيل وتهديدها هو الذي سيقوض علاقات العراق مع الدول المتقدمة ويثير مخاوف المجتمع الدولي من العراق؟!.

قد يكون الدافع الأكبر للهجوم البرلماني المباغت على الآلوسي هو تصريحاته في محفل عالمي دولي تحضره أكثر من ستين دولة منها دول عربية وإسلامية وأشار فيها الى الخطر الإيراني على أمن العراق ومستقبله فهو يرى أن "إيران أم المصائب" وهو تصريح بأن لإيران دور سلبي في العراق, وهنا يبرز أكثر من تساؤل عراقي: هل لتصريحات الآلوسي أساس في الواقع العراقي التاريخي والحاضر أم أنه محض خيال؟! ثم لماذا هذا الانفعال أمام تصريحات سبق وأن رددها مسؤولون رئاسيون وحكوميون وبرلمانيون عراقيون, وأكدها قادة عسكريون, خاصة أثناء وبعد (صولة الفرسان) في البصرة, وعمليات مدينة الصدر في بغداد, و(بشائر الخير) في ميسان, وبعد إلقاء القبض على مجاميع مسلحة متعاونة مع فيلق قدس الإيراني, وبعد العثور على مئات أكداس العتاد المدفعي والصاروخي فضلاً عن عشرات الآلاف من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة والعبوات الناسفة واللاصقة الملونة (من صنع إيراني) في أكثر من سبع محافظات بالإضافة الى العاصمة بغداد.

أما بالنسبة للداخل العراقي, فإن من الممكن مقاربة آراء كثير من العراقيين حول طبيعة نظرتهم الى إسرائيل وذلك من خلال استبيانات أجرتها مواقع عراقية (مستقلة) قبل أشهر تناولت, أولاً: الموافقة المبدئية على معالجة أطفال العراق في إسرائيل. ثانياً: إقامة علاقات دبلوماسية بين العراق وإسرائيل, وكانت نسبة الموافقين أكثر من 85 بالمائة, هذا من جهة, ومن جهة أخرى, فإنه ليس من المبالغة القول أن النائب مثال الآلوسي يكاد يكون الشخصية السياسية العراقية الوحيدة التي نالت في الانتخابات السابقة آلاف الأصوات من الشيعة والسنة, ومن المتدينين والعلمانيين, وفي المدن الدينية وغيرها على حد سواء بالرغم من رياح المذهبية والطائفية التي عكرت أجواء الانتخابات, وبالرغم من الإمكانيات المحدودة جداً لحزب الأمة العراقية مقارنة بالكتل والأحزاب المنافسة لا سيما الإسلامية منها المدعومة بالأيدولوجيـا والجماهيرية وأموال التبرعات والتي منها لم يحصل على مقعد واحد, وهي حقيقة من النقص التغافل عنها أو القفز من فوقها.

وفي نفس الإطار, فإن للمرجعية الدينية موقفين مميزين على مستوى الساحة العراقية, أولها: حديث السيد السيستاني عن النائب الآلوسي بأن فيه "خير للعباد والبـلاد". ثانيها: ما سمعته – شخصياً – من فقيه مثقف ومقرب لعدد من مراجع الدين الكبار من كاشف الغطاء ومحسن الحكيم ومحمد باقر الصدر الى الخوئي والغروي والسيستاني - لا أستطيع ذكر اسمه لأنه حديث خاص ولو يسمح لي بعد نشر هذا المقال لصرحت به – قال لي في منتصف عام 2006: "مثال الآلوسي عراقي وطني إذا حدَّث صدق وإذا قال فعل", في نفس الوقت فإن هذا الشيخ الكبير بسنين علمه وجهاده ومواقفه قد وبخ علانية عدداً غير قليل من المسؤولين (الإسلاميين) الذين يحرصون على زيارته في بيته في مركز محافظة جنوبية عرفت بتعدديتها الثقافية والحزبية منذ عقود, وبالطبع, لم يكن تساؤلي لفضيلة الشيخ إلا لثقتي به بحكم الجيرة القديمة وسنوات الإقامة الجبرية الطويلة له في عهد النظام البائد ولأنه حريص على حريته وكرامته العقلية, وكان تساؤلي له لاستكشاف دوافع عداء محموم لبعض الإسلاميين للآلوسي ومحاولات دؤوبة منهم للتشكيك بوطنيته!.

ومن الجانب الوطني, فإن الأقسى ألماً والأنكى جرحاً ما كان في جلسة 14/9 هو الفقر الإنساني الذي بدا عليه البرلمان في قراءته المأزومة والمتحاملة لدوافع زيارة النائب الآلوسي حيث تنكَّر معظم مَنْ يمثل العراقيين لكرامة الآلوسي بوحيديه الشهيدين الذين قتلا وهم في ريعان شبابيهما بأسلحة التكفير والظلام والإرهاب ليس لشيء سوى وأد تجربة العراق الفتية والفريدة وهي في مهدها فضلاً عن تهميش من مجلس النواب أكثر مرارة لنضال الآلوسي الطويل ضد الديكتاتورية.

إن غالبية البرلمانيين العراقيين بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم الفكرية والسياسية قد صوتوا لصالح رفع الحصانة عن النائب الآلوسي لكن مَنْ رفع الراية ورفع صوته كان حمع من الإئتلاف العراقي الموحد!! وهو ما دفع بي الى تناول الموضوع بمحوره الشيعي أكثر من غيره, ويبدو أن زيارة الآلوسي قد استفزت عقائديين من الإئتلاف العراقي الموحد دفاعاً عن إيران التي لها رمزيتها عند بعض الشيعة في العراق وغيره, أي إن الزيارة لم تكن مستفزة من جهة زيارة إسرائيل, وهو ما يشير الى تلاعب بمشاعر الناس ووجدانهم الديني, ودليل ذلك أن أولئك قد تعاملوا مع زيارة الآلوسي الأولى الى إسرائيل وكأنه لم يحدث شيء يستحق ولو التحدث عنه!! وهو ما أثار استياء الكثير من العراقيين والعديد من المواقع العراقية الالكترونية وجمع من الكتاب والمثقفين العراقيين ضد قرار رفع الحصانة للدفاع عن "مظلومية الآلوسي" حيث أحس العراقيون أن استهداف الآلوسي هو بسبب مواقفه العراقية الحرة والواضحة ولأنه لا يملك ميليشيات أو مسلحين وقد كان وحيداً في ساحة معركة 14/9 البرلمانية! فكانت ردود أفعال العراقيين على الحدث استبيانـاً (عفوياً) مخيباً ومحرجاً لبرلمانيين صوتوا بحرارة لرفع حصانة النائب الآلوسي, وقد بدا أن هناك مَنْ تحركه مصالح خارجية أكثر من مصالح بلده حيث لم يسمع لأحدهم أي تصريح حول التدخل الإيراني في العراق الذي لم يعد سراً فقد صرح به مسؤولون إيرانيون قبل العراقيين, ولعل من أغرب تلك التصريحات ما قاله علانية أحد علماء الدين الإيرانيين العضو في مجلس تشخيص مصلحة النظام بعد حوالي العام من سقوط نظام الطاغية صدام: "إن عراقاً بعشرة ملايين بدون احتلال أفضل من عراق بسبعة وعشرين مليوناً وهو محتل", قال ذلك, ولم يجبه أحد!! كما لم يُجب أي أحد على عدد كبير من مثل تلك التصريحات! وهو ما دفع معظم العراقيين الى رفض مبدئي لرفض النواب لزيارة الآلوسي والتشكيك بدوافعهم ونياتهم, وزعزع الثقة - أكثر- بحقيقة توجهاتهم في الوقت الذي لم يُسمع من عموم العراقيين رفضاً لأصل الزيارة!! فيما أنه وفي زمان قريب قال الشهيد السيد محمد باقر الحكيم عن الأمين جامعة الدول العربية عمرو موسى "إنه لا يحظى بشرف إدانة جرائم المقابر الجماعية والأنفال وحلبجة لأنه لم يدينها في زمن الطاغية صدام".

خلاصة

إن الذي جرى في جلسة 14/9 حدث مكثف اختزل مساوئ ما تراكم من عمر مجلس النواب وعموم العملية السياسية في العراق, ولم تكن خطورة الحدث بحيثياته المرئية والمحسوسة, وإنْ كانت خطأ دستوريـاً وتجنياً سياسيـاً, وإنما خطورة الحدث تكمن في الأسس الفكرية والنمطية السياسية والمبررات الأخلاقية التي ينطلق منها سياسيون عراقيون في تعاملهم مع الوضع العراقي المتخم بأزماته وتحديات بقائه واستكمال انتصاره, كما بيَّن الحدث البرلماني حجم القصور والتقصير الذي يتحكم بالعمل السياسي بالعراق في قراءته للحدث العراقي محلياً وإقليمياً وعالمياً, وهو ما عزز النظرة المتشائمة بالسياسي العراقي الذي لم يتمكن – بما يكفي – من مراجعة قناعات قديمة باتت مجرد أيدولوجيات مستهلكة وراديكالية هوجاء وشعارات, كما لم يتمكن السياسي العراقي من الانتصار على طموحات غير مشروعة لذاته الشخصية أو الحزبية أو الدينية, وأيضاً, لم يستطع التناغم مع المتغيرات العالمية ومستحقات العالم الحر بفلسفته الجديدة! الأمر الذي نبه مراقبين للشأن العراقي بضرورة التغيير الفاعل والكبير في العراق لا سيما وأن معظم التغييرات السياسيـة الإيجابية كان مصدرها القوات الأمنية العراقية المدعومة من قوات التحالف ومعها إرادة قلة قليلة من السياسيين الذين قد يضطرون الى انتظار (مخادعة مكشوفة) كالتي تربصت بالنائب مثال الآلوسي لاغتياله سياسياً وقمعه بلكمة إسلاموية, وذلك ما أكده كبار المسؤولين والعسكريين الأميركيين حيث أشاروا باعجاب الى نجاحات القوات الأمنية وتنامي قدراتها القتالية وأخلاقياتها الوطنية فيما أكدت في نفس الوقت على ركود الوضع السياسي بل أكدت على أنه يثير المخاوف ويجعل الوضع هشـاً.

إن الذي حدث في الأحد 14/9 تأكيد مدوي على ان معظم الذين يصرخون بوجه التقاسم الحزبي والطائفي والقومي هم لا يستطيعون التخلي عنه لأنه الطريق الوحيد لحفظ مصالحهم, لذلك فإنهم أعلنوا حرباً مكشوفة – عبر الآلوسي – ضد الـ (لا محاصصة) وضد (التكنوقراط) وضد (القوى المستقلة), وبالتالي هي حرب استباقية لتعطيل الحقوق الفردية والحريات والمصلحة الوطنية العليا, الأمر الذي أدى بالبرلمان العراقي – على مدى حياته - الى أن يتلكأ بإقرار القوانين المهمة والى التنازل عن ممارسة مسؤولياته الرقابية استسلاماً من أعضائه لإرادة المحاصصة التي أكلت المواطنة وخذلت المواطن وباعت الوطن فلم يدرك كثير من السياسيين العراقيين إن زمن السياسة التوفيقية والاختباء خلف أقنعة الحكمة والخبرة بدأ يتلاشى أمام الأخلاقيات النبيلة والموضوعية الشجاعة والواقعية الجديدة.

18/9/2008

 

free web counter

 

أرشيف المقالات